تعديات البدو مستمرة على الأراضي الزراعية في اللاذقية
لا تزال محافظة اللاذقية تعيش أوضاعاً قلقة، مع استمرار الانتهاكات وحالات العنف الطائفي، رغم إعلان وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة انتهاء حملتها العسكرية في المحافظة منذ منتصف شهر آذار الماضي. ويشهد ريف اللاذقية الجنوبي منذ شهرين تعديات واسعة على المنازل والممتلكات، بعدما تمركزت فصائل سلفية متطرفة في بعض القرى ما تسبب بنزوح سكانها وترك مساكنهم وأراضيهم الزراعية شاغرة. ونتيجة هذا النزوح، وفدت إلى المنطقة عشائر بدوية من ريف حلب، واستولت على المساكن الشاغرة، واستخدمت الأراضي كمراعٍ لقطعان ماشيتها.
يقول أبو صخر، وهو سائق شاحنة نقل، لمراسل سيريا ريبورت، أن مالكي هذه القطعان هم من عشائر البدو النازحة خلال سنوات الحرب السابقة، من البادية السورية إلى أرياف حلب وإدلب. وقد نزح أولئك نتيجة الجفاف، وأيضاً نتيجة تعرض قطعان ماشيتهم للسرقة والقتل من مختلف قوى الأمر الواقع التي تبادلت السيطرة على البادية. خلال السنوات الأخيرة من عهد نظام الأسد، توجه بعض أولئك الرعاة لضمان (استئجار) أراضي صالحة للرعي، خاصة جبال التركمان في ريف اللاذقية الشمالي. إذ أن تلك المناطق كانت بمثابة خطوط تماس بين قوات المعارضة والنظام، وكثير من أصحاب الأراضي هناك فضلوا منحها بصيغة الضمان للرعي، باعتبارها مناطق خطرة عسكرياً.
أبو صخر، يؤكد لسيريا ريبورت، أنه نقل شخصياً بشاحنته، خلال الأشهر التالية على سقوط نظام الأسد، قطعاناً من مواشي تلك العشائر، من ريف حلب نحو الساحل السوري. ويضيف، أنه يعرف سائقين آخرين قاموا بالمهمة ذاتها. إذ وجد أولئك الرعاة، أن بإمكانهم هذه الأيام الحصول على مراع خصبة لماشيتهم في ريف اللاذقية الجنوبي، “مجاناً”، كما يقول أبو صخر.
غالبية مجموعات البدو، تكون على شكل عائلات، تضم الواحدة منها ما بين 5-10 أفراد. وكل عائلة ترعى بضعة مئات من رؤوس الماعز. العائلات تقطن المساكن الشاغرة، وتترك قطعان ماشيتها في الأراضي الزراعية المحيطة بالقرى. تلك المجموعات مسلحة، ولا تتردد في استخدام العنف ضد أصحاب الأراضي المعترضين على الرعي الجائر.
في قرية مشقيتا الواقعة شمال محافظة اللاذقية، قُتلت عائلة مكونة من خمسة مزارعين في أواخر أيار الماضي، بعدما حاول أفرادها منع بدو مسلحين من إطلاق ماشيتهم للرعي في أرض العائلة الزراعية. ورغم الشكاوى المتكررة من السكان، لم تُقدم القوات الأمنية على أي إجراء رادع، ما دفع العديد من المزارعين إلى تجنّب المواجهة وتقبّل الأمر الواقع، رغم الخسائر المباشرة التي تطال أرزاقهم. يروي أحد المزارعين، لسيريا ريبورت، أنه قام بتفكيك شبكة الري الخاصة به، مفضلاً ترك أرضه دون حصاد على أن يلقى مصير العائلة التي قُتلت. ويُجمع عدد من سكان القرية على غياب أي استجابة من الأمن العام رغم تكرار الشكاوى، مقابل تهديدات مباشرة يطلقها البدو الوافدون لكل من يحاول التصدي لهم.
أراضي هذه القرى مزروعة بشكل رئيسي بالزيتون والحمضيات. وتسقى هذه الأراضي بشكل عام عبر شبكات الري، وهي معتنى بها بشكل كبير خاصة لجهة الفلاحة والتعشيب. وهذا، ما يجعل من الأشجار بحد ذاتها هدفاً للماشية، وغالبيتها من الماعز. كما أن المشاتل لغراس تلك الأشجار أصبحت بدورها غذاءً للماشية. ويتخوف المزارعون، أصحاب الأرض، من أن إدخال المواشي يتسبب برصّ طبقة التراب السطحية وتقسيتها، ما يلحق ضرراً بها على المدى البعيد.
في قرية المختارية الواقعة في ريف اللاذقية الجنوبي، أدى تمركز فصائل متطرفة إلى تهجير كامل للسكان. وبعد نزوح الأهالي، بدأت مجموعات وافدة من البدو بالاستيلاء على المنازل الشاغرة. كما قامت تلك المجموعات البدوية بحصاد الأراضي الزراعية المحيطة بالقرية، وحولت مساحات واسعة منها إلى مراعي للقطعان، دون أي تدخل من الجهات المسؤولة.
في قرية البهلولية شرقي محافظة اللاذقية، يتحدث أحد المزارعين عن تجاوب الأمن العام مع شكواه. ويؤكد قيام دوريات من الأمن، عدة مرات، بطرد مجموعات البدو من أراضي القرية. لكنه يقول، بأنها مسألة وقت قبل أن ينجح أولئك الرعاة في اقتحام القرية. ويضيف أنه يخشى أن يحدث بالبهلولية ما حدث في محيطها من القرى.
لا تقتصر هذه الوقائع على القرى الثلاث المذكورة، بل تعكس نمطاً متكرراً في معظم بلدات ريف اللاذقية الجنوبي. التعديات تتم من قبل مجموعات بدوية وافدة، استغلت نزوح السكان، واستقرت في المساكن والأراضي المتروكة. لا يجري ذلك في سياق عمليات عسكرية مباشرة، بل في ظل غياب المساءلة من قبل الإدارة الانتقالية، وتجاهل تام لانتهاكات تطال بشكل منهجي حقوق السكن والأرض والملكية.
