ترميم منازل في ريف السويداء من دون موافقة أصحابها يثير تساؤلات قانونية ومخاوف من طمس الانتهاكات
تشهد مناطق واسعة في الريف الشمالي والغربي للسويداء، الخاضعة لسيطرة قوات الحكومة المؤقتة وميليشيات عشائرية، أعمال ترميم متسارعة لمساكن شاغرة تضررت خلال اجتياح تلك القوات للمنطقة منتصف تموز 2025. ورغم تقديم هذه الأعمال بوصفها مبادرات لإعادة الحياة وتشجيع عودة الأهالي، تتقاطع شهادات السكان المهجرين قسرياً مع روايات حقوقيين وموظفين محليين لتظهر صورة مختلفة تتضمن غياب موافقات المالكين الأصليين، وغموض مصادر التمويل، واتساع الشبهات حول المخالفات الإدارية والمالية. وفي ظل استمرار الترميم من دون تقييم إنشائي أو توثيق للانتهاكات السابقة، يتصاعد القلق من أن يتحول هذا المسار إلى خطوة تطمس الأدلة وتعمّق الإشكالات المرتبطة بحقوق السكن والملكية.
تُظهر شهادات الأهالي والخبراء أن الحرائق التي سبقت أعمال الترميم كانت نتيجة استخدام قوات الإدارة الانتقالية مواد حارقة ما ضاعف حجم الدمار الذي طاول المساكن. فقد وثّق السكان في قرى نجران والدور والمجدل والخالدية، إضافة إلى أطراف مدينة السويداء، استخدام مركبات فوسفورية تنتج اشتعالاً شديداً ودخاناً أبيض ورماداً فاتح اللون يستمر لساعات. كما لاحظ خبراء محليون بقايا احتراق لمواد ذات طابع كبريتي برائحة حادة، إلى جانب مؤشرات على استخدام متفجرات بلاستيكية من نوع سي فور. ووفق الشهادات المتقاطعة، جرى إشعال هذه الحرائق خلال اقتحامات قوات الإدارة الانتقالية وقوات الأمن العام والعناصر العشائرية المتحالفة معها، ما أدى إلى تدمير واسع للمنازل والمنشآت وزيادة تعقيد أي جهود لاحقة للتوثيق أو الترميم.
بحسب حصيلة أولية جمعتها جهات محلية عاملة في التوثيق، حصلت عليها سيريا ريبورت، بلغ عدد المساكن المتضررة بشكل بسيط أو جزئي أو كلي نحو 26 ألف منزل توزعت في الريف الشمالي والغربي وعدد من أحياء مدينة السويداء. ومع بقاء الغالبية العظمى من أصحاب هذه المساكن مهجّرين قسريا منذ تموز 2025، بدأت ورشات مرتبطة بمكتب محافظ السويداء مصطفى بكور، وبالحكومة المؤقتة بتنفيذ أعمال ترميم داخل منازل شاغرة أصحابها مهجرين قسرياً عنها، من دون أي تواصل مسبق مع المالكين أو الحصول على موافقتهم. ويتخذ محافظ السويداء من بلدة المزرعة في ريف السويداء الغربي مقراً له. والبلدة خالية من سكانها، وتسيطر عليها قوات الإدارة الانتقالية.
ينقل مراسل سيريا ريبورت عن مهجرين قسرياً من الريف الشمالي إنهم اكتشفوا تنفيذ أعمال داخل بيوتهم عبر مقاطع مصورة نشرتها محافظة السويداء عبر صفحتها في فيسبوك. أحدهم من بلدة الصورة الكبيرة، أوضح أن منزله الذي تبلغ مساحته 230 متراً مربعاً خضع لترميم جزئي شمل غرفة واحدة ومطبخاً وحماماً، من دون أن يتلقى أي إشعار أو طلب موافقة. ويضيف أن ظهور المحافظ مصطفى بكور داخل منزله في تسجيلات إعلامية جرى من دون إذن مسبق، معتبرا أن ما حدث لا يشكل ترميماً حقيقياً بقدر ما هو استعراض أمام الكاميرات.
ويشير مهجّرون آخرون في حديثهم لسيريا ريبورت، إلى أن منازلهم كانت قد تعرضت للنهب والحرق خلال الاجتياح، وأن أي تدخل لاحق يفترض أن يبدأ بتوثيق الانتهاكات لا بتغطيتها. ويؤكد هؤلاء أن غيابهم القسري عن قراهم لا يمنح أي جهة حق التصرف بممتلكاتهم، وأن ما يجري يخلق شعورا بأن إدارة هذه البيوت تتم من دون شفافية أو احترام لحقوق الملكية، الأمر الذي يفاقم مخاوفهم من فقدان السيطرة على ما تبقى من ممتلكاتهم.
وتثير عمليات الترميم أيضاً أسئلة واسعة حول مصادر التمويل والجهات المنفذة وآليات الصرف. إذ ينقل موظفون سابقون في الإدارة المحلية أن جزءاً من الأموال المخصّصة لهذه الأعمال يُصرف عبر قنوات غير خاضعة للأنظمة المالية المعمول بها، مع الاعتماد على متعهدين يرتبطون مباشرة بمكتب المحافظ مصطفى بكور. ويقول أحد هؤلاء الموظفين، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن بعض التعهدات نُفّذت من دون عقود رسمية أو قرارات واضحة، ولا دعوات لمناقصات علنية، ما يثير أسئلة حول الشفافية. وتتقاطع هذه الشهادات مع معلومات حصلت عليها سيريا ريبورت تشير إلى أن اختيار المتعهدين يجري في بعض الحالات من دون مناقصات أو لجان هندسية، ودون تقييم رسمي للأضرار، وهي إجراءات إلزامية في أي عملية ترميم ذات طابع عام.
كما حصلت سيريا ريبورت على شهادة أحد المتعهدين الذين شاركوا في هذه الأعمال، مؤكداً أنه بدأ بتنفيذ ترميمات في أبنية عامة في قرية المزرعة قبل أن يتلقى عروضاً إضافية من مكتب المحافظ بكور لترميم منازل في قرى الريف الشمالي. ويقول المتعهد إن العمل جرى بطريقة وصفها بالسلسة، من دون أي إجراءات تعاقدية أو مناقصات، وإن جزءاً كبيراً من مستحقاته المالية سُلّم نقداً بواسطة موظف يعمل في مكتب المحافظ. وتُظهر هذه الشهادة آليات تنفيذ خارج الأطر الإدارية والقانونية المعتادة، وتعكس غياب الرقابة على العقود والإنفاق في واحدة من أكثر المناطق تضرراً وانتهاكاً لحقوق الملكية.
ويرى حقوقيون مختصون بملفات السكن والملكية أن ما يجري يشكل تعدياً واضحاً على الحقوق الفردية المكفولة بموجب القانون السوري. وتوضح نور، وهي محامية تعمل على قضايا الملكية في السويداء، أن الترميم من دون إذن صريح من المالك يمثل مخالفة مباشرة للمادة 768 من القانون المدني السوري التي تمنح المالك وحده حق استعمال ملكه واستغلاله والتصرف به. وتشدد على أن السلطات العامة لا يمكنها تنفيذ أعمال في الأملاك الخاصة إلا وفق أطر قانونية محددة تتطلب موافقات مسبقة، وهو ما لا ينطبق على الوقائع الجارية في الريف الشمالي والغربي. وتضيف أن تنفيذ الترميم في ظل غياب أصحاب الحقوق قد يؤدي إلى طمس الأدلة المرتبطة بالنهب والحرق، ويعقّد أي جهود مستقبلية للتقاضي أو المطالبة بالتعويض.
وتفاقم شهادات المهجّرين هذا القلق، إذ يشير عدد منهم إلى أن آثار الحرق الشديد ما تزال واضحة في جدران وأسقف منازلهم، وأن بعض هذه الآثار تحمل دلالات مهمة على نوع المواد المستخدمة خلال الاجتياح. وتقول ريمة، وهي مهجّرة من الريف الغربي، إن منزلها احترق بالكامل بواسطة مواد شديدة الاشتعال تركت طبقة من الرماد الفاتح ورائحة حادة، وإن أي عملية طلاء أو إزالة للأجزاء المتفحمة قبل توثيقها ستؤدي إلى ضياع الأدلة التي يمكن الاستناد إليها لاحقاً في أي مسار للمحاسبة. وتضيف أن ما يجري على الأرض يقتصر على إزالة الطبقات الخارجية المتضررة من دون أي توثيق، الأمر الذي يهدد بإخفاء الانتهاكات التي عاشها السكان قبل تهجيرهم.
إلى جانب المخاوف القانونية والحقوقية، يلفت مهندسون محليون إلى أن الترميم الجاري يجري بمعزل عن أي تقييم إنشائي للأضرار، رغم أن جزءاً كبيراً من المنازل تعرّض لحرائق شديدة وانهيارات جزئية تؤثر مباشرة على سلامتها البنيوية. ويقول المهندس عمر، الذي اطّلع على صور ومقاطع من مواقع الترميم، إن الحريق الشديد يضعف البيتون ويؤدي إلى تمدد حديد التسليح وتجاوز قدرته الإنشائية، ما يجعل أي ترميم سطحي من دون كشف فني خطراً على حياة السكان في حال عودتهم. ويوضح أن الاكتفاء بإصلاح الجدران الداخلية أو الأسقف المتضررة من دون معالجة الأساسات أو العناصر الحاملة قد ينتج مساكن غير آمنة وقابلة للانهيار، مؤكداً أن ما يُنفذ حالياً لا ينسجم مع أبسط معايير السلامة الهندسية.
وبالنسبة لكثير من الأهالي، تبدو عمليات الترميم الجارية أشبه بمحاولة التفاف على جوهر المشكلة أكثر من كونها خطوة نحو استعادة الحقوق. إذ يجري العمل، وفق ما تنقله شهاداتهم، بطريقة انتقائية لا تراعي الملكية الخاصة ولا توفر أي شفافية حول التمويل أو المعايير المتّبعة، كما تتجاهل كلياً توثيق الانتهاكات التي سبقت الترميم. وتقول إحدى المهجرات إنهم يريدون العودة إلى بيوتهم، لكن ليس بعد ترميمها بما يخفي ما تعرضت له من تدمير ونهب وحرق، مؤكدة أن احترام الملكية يبدأ بالسؤال قبل الدخول، وبالتوثيق قبل أي محاولة لإعادة الإعمار.
في ظل غياب أي معلومات رسمية حول خطط الترميم أو الجهات الممولة لها، ومع استمرار ورود شهادات تتحدث عن تجاوزات تطال الملكية والسلامة والشفافية، يبقى ملف الريف الشمالي والغربي للسويداء مثالاً على تداخل الانتهاكات مع مصالح القوى المسيطرة. وبينما تتواصل أعمال الترميم بوتيرة متسارعة، يواصل الأهالي المطالبة بالحد الأدنى من حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها احترام ملكيتهم، والحصول على موافقة صريحة قبل أي تدخل في منازلهم، وضمان توثيق الانتهاكات التي طالت بيوتهم قبل أن تُغطّى بطبقة جديدة من الدهان.
وفي ظل خضوع ريفي السويداء الغربي والشمالي لسيطرة قوات الإدارة الانتقالية، وغياب أي آليات رقابة أو مساءلة فعّالة، تتخذ أعمال الترميم الحالية طابعاً يعكس طبيعة الإدارة القائمة بعد الاجتياح، حيث تمتزج القرارات الأمنية مع إدارة الملكيات الخاصة، وتُنفذ التدخلات من دون سند قانوني أو إجراءات شفافة. ويشير متابعون إلى أن هذا السلوك لا يقتصر على ملف الترميم وحده، بل ينسجم مع نمط أوسع من السياسات التي اتبعتها القوات المسيطرة منذ تموز 2025، ويهدد بتحويل التعدي على الأملاك الخاصة إلى سابقة يصعب معالجتها لاحقاً. وتبرز المخاوف من أن تتكرر هذه الممارسات في ملفات ملكية أخرى داخل المحافظة، ما يفاقم هشاشة حقوق السكن والملكية في منطقة دفعت ثمناً كبيراً من التدمير والتهجير، وتواجه اليوم مساراً قد يعيد إنتاج الانتهاكات بثوبٍ عمراني جديد.
تواصلت سيريا ريبورت مع القسم الإعلامي في الحكومة الانتقالية لكنها لم تحصل على أي رد.
