ترحيل الأنقاض في شرق حلب: خطوة أولى وسط غياب ضمانات واضحة لحقوق السكن والأرض والملكية
في أحياء حلب الشرقية، بدأت فرق الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء” بتنفيذ المرحلة الأولى من أعمال ترحيل الأنقاض وهدم المباني المتضررة، بالتنسيق مع مجلس مدينة حلب ومديرية الخدمات. تأتي هذه الخطوة بعد سنوات من قصف قوات النظام والطيران الروسي الذي دمّر 60 حياً بين عامي 2012 و2016، ما أسفر عن تضرر آلاف المنازل والبنى التحتية.

هدم بناء المواصلات. المصدر: سيريا ريبورت.
تستعرض هذه المادة، المستندة إلى مقابلة موسّعة مع علي محمد، مدير برامج تعزيز المرونة المجتمعية في الخوذ البيضاء، تفاصيل المشروع الجاري، وخطوات تنفيذه، كما تتوقف عند التحديات القانونية والإدارية التي لا تزال تُلقي بظلالها على مستقبل الأحياء المتضررة. فرغم وضوح آليات التنفيذ، لا تزال الرؤية غائبة بشأن المرحلة التالية، خصوصاً ما يتعلق بتثبيت الحقوق وتعويض المتضررين.
في أحياء حلب الشرقية، بدأت فرق الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء” بتنفيذ المرحلة الأولى من أعمال ترحيل الأنقاض وهدم المباني المتضررة، بالتنسيق مع مجلس مدينة حلب ومديرية الخدمات. تأتي هذه الخطوة بعد سنوات من قصف قوات النظام والطيران الروسي الذي دمّر أكثر من 60 حياً بين عامي 2012 و2016، وأسفر عن تضرر آلاف المنازل والبنى التحتية. تتركز الأعمال الحالية في بعض أحياء حلب الشرقية، وتشمل إزالة المباني الآيلة للسقوط وفق تقارير السلامة العامة، وفرز الركام، وإعادة تدوير الأنقاض الصالحة للاستخدام في معمل الراموسة. ورغم وضوح آليات التنفيذ، لا تزال الرؤية غائبة بشأن المرحلة التالية بخصوص تعويض المتضررين.
وبحسب مراسل سيريا ريبورت، تواصل الفرق الهندسية التابعة لمديرية الدفاع المدني في حلب أعمالها بوتيرة متسارعة، وقامت مؤخراً بهدم بعض المباني استناداً إلى تقارير لجنة السلامة العامة في مجلس مدينة حلب. وهذه اللجنة هي ذات اللجنة القديمة في عهد نظام الأسد، ولكن أضيف إليها بعض الموظفين الجدد من المهندسين الذين كانوا في مناطق المعارضة سابقاً بريف حلب. ولهذا الغرض، تعمل مديرية الدفاع المدني على استحصال الموافقات القانونية وبالتنسيق مع مجلس مدينة حلب ومديرية الخدمات فيها.
وكان مجلس مدينة حلب السابق قد عمل بالفعل خلال الأعوام 2023 و2024 على ترحيل جزئي لأنقاض المباني التي جرى هدمها وفق تقارير السلامة في حلب الشرقية. إلا أن تلك العمليات لم تكن مدفوعة برؤية متكاملة لإعادة الإعمار أو تعويض المتضررين، بل اتخذت طابعاً تنفيذياً محدوداً ضمن أحياء مختارة، وسط غياب الشفافية بشأن أولويات الهدم أو الجهات المستفيدة من إعادة تدوير الأنقاض.
وقال مدير برامج تعزيز المرونة المجتمعية في الخوذ البيضاء علي محمد، لمراسل سيريا ريبورت، أن مشروع إزالة الأنقاض بدأ في مرحلته الأولى ضمن أحياء الشعار، قاضي عسكر، وكرم حومد بحلب الشرقية. وقد باشرت الفرق الهندسية أعمال الهدم لمبنى المواصلات القديم ومدرسة الكفاح في حي الشعار. لكن رغم أن الهدم الحالي يقتصر على مبانٍ عامة، يبقى غياب أي نقاش معلن حول مستقبل الأبنية الخاصة المتضررة المجاورة، مؤشراً على استمرار النهج التنفيذي المعتمد سابقاً، والذي أثار تحفظات تتعلق بشفافية الإجراءات وغياب الضمانات القانونية لأصحاب الحقوق العقارية في مشاريع الترحيل السابقة بحلب.
أضاف علي محمد، أن إزالة الأنقاض وهدم المباني الآيلة للسقوط جراء تعرضها لقصف نظام الأسد وحلفائه، هي الخطوة الأولى والأساسية نحو إعادة الحياة للمدينة، وتتيح المجال أما استعادة البنية التحتية والتمهيد لإعادة إعمار المدارس والمشافي والمرافق الحيوية التي يحتاجها السكان للعودة والاستقرار.
ورغم أن إزالة الأنقاض تُعدّ من الناحية الهندسية خطوة ضرورية للتمهيد لإعادة الإعمار، فإن تنفيذها بمعزل عن رؤية متكاملة للحقوق العقارية ولخطة التعافي الشامل، يثير مخاوف من تكرار التجارب السابقة في حلب، حيث تم تنفيذ هدم واسع دون إشراك فعلي للسكان أو ضمان تعويضهم، كما حدث في عدة مناطق خضعت لإعادة تنظيم أو ترحيل جزئي في ظل النظام السابق.
لكن على الرغم من أهمية هذه الخطوة من الناحية الفنية والهندسية، إلا أن التعامل مع الأنقاض في السياق السوري يحمل أبعاداً قانونية واجتماعية شديدة الحساسية. وفقاً لتجارب سابقة في عهد نظام الأسد، كثيراً ما جرى ترحيل الأنقاض دون توثيق واضح لملكية العقارات التي أُزيلت، ودون إشراك أصحاب الحقوق أو إعلامهم بقرارات الهدم، أو تعويضهم عن الأنقاض. ويفتح ذلك المجال أمام فقدان دائم للملكيات، خاصة في المناطق العشوائية أو تلك التي تضررت بشكل جزئي فقط. وتزداد هذه المخاطر بالنسبة للنساء، اللواتي غالباً ما يفتقرن إلى وثائق ملكية رسمية بسبب الأعراف الاجتماعية السائدة، ما يجعلهن أكثر عرضة لفقدان الحقوق في حال غياب آليات تشاور شاملة. وفي ظل غياب قاعدة بيانات رسمية موثوقة، فإن إزالة الركام قبل تثبيت الحقوق يعزز من احتمالات الاستحواذ غير المشروع على الأراضي، أو إعادة توزيعها وفق اعتبارات إدارية لا تراعي حقوق السكان الأصليين. وهو ما يجعل من ترحيل الأنقاض في حلب، دون مسار متزامن لتثبيت الملكية وضمان الحقوق، خطوة محفوفة بالمخاطر، رغم ما تحمله من وعود بإعادة الإعمار.
يُشير علي محمد، إلى أن الأنقاض التي تتوافق مع معايير إعادة التدوير تُنقل بالتنسيق مع مديرية الخدمات إلى مبنى إعادة تدوير الأنقاض في منطقة الراموسة، حيث يُعاد استخدامها لإنتاج بلاط وبلوك ومواد تستخدم لرصف الطرق والأرصفة. في حين تُسلَّم المواد الأخرى، مثل الحديد، إلى لجنة مديرية الخدمات المختصة بكل قطاع خدمي في المدينة. وتُشغّل مديرية الخدمات المركزية التابعة لمجلس مدينة حلب معمل تدوير الأنقاض في الراموسة، وتقوم من بعدها بتوزيع المواد المنتجة على 12 مديرية فرعية تابعة لها لكل منها آليات وموظفين وطاقم إداري. أما الركام المختلط بالنفايات العضوية وغير الصالح لإعادة التدوير، فيُنقل إلى منطقة عين العصافير للتخلص منه بطريقة الطمر.
تجدر الإشارة إلى أن اعتماد آلية إعادة تدوير الأنقاض في حلب لا يُعد توجهاً جديداً، بل هو امتداد لمقاربة اعتمدتها محافظة حلب قبل سقوط النظام، ركّزت على البعد التقني للمسألة دون مراعاة أبعادها القانونية والاجتماعية. حينها جرى الترويج لإعادة تدوير الأنقاض كأداة فعالة لدعم جهود إعادة الإعمار، لكن دون وجود إشراف قضائي على مشروعية الهدم، أو آليات شفافة لتحديد مصادر الركام، مما فتح المجال أمام استغلال تلك الأنقاض بشكل غير قانوني. ويُعد معمل تدوير الأنقاض في منطقة الراموسة نموذجاً واضحاً لهذا التوجه، إذ أنشئ في العام 2021 بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وكان يستخدم آنذاك ضمن خطة مركزية لإعادة استخدام الركام دون معالجة إشكالية الملكيات أو إشراك المجتمعات المحلية.
يضيف علي محمد، أن كل ما سبق هو ضمن المرحلة الأولى، في أحياء الشعار، قاضي عسكر وكرم حومد، والتي حُددت مدتها خمسة أشهر، بين شباط-حزيران 2025. أما المرحلة الثانية، فقد بدأ التجهيز لها من فرق الخوذ البيضاء، ضمن 16 حي في مدينة حلب الشرقية لإزالة الأنقاض والقيام بعمليات الهدم للأبنية وفقاً لتقارير لجنة السلامة العامة. ويتابع محمد، بأن المرحلة الثالثة، ما زالت قيد التصميم مع المانحين المحتملين لكي تشمل كافة الأحياء المتضررة.
ختاماً، تُسجَّل في هذه المقابلة ما أُنجز ميدانياً حتى الآن. غير أن المراحل اللاحقة، ورغم ما تمثله أعمال ترحيل الأنقاض من تطور فني وإداري ملموس، لا تزال تفتقر إلى إجابات واضحة بشأن جملة من المخاوف الجوهرية؛ أبرزها غياب الشفافية في آليات الإشراف واتخاذ القرار، وهشاشة الإطار المؤسسي المحلي القائم على التنفيذ. وبينما تُنفّذ هذه الخطوات بمعزل عن خطة متكاملة لإشراك السكان أو معالجة مصير الملكيات، يبقى الخطر قائماً من أن تتحول إزالة الأنقاض إلى مدخل لإعادة توزيع غير منصف للأراضي التي كانت هذه الأنقاض، في يومٍ ما، بيوتاً ومساكن قائمة فوقها.
