تدمير نجران بريف السويداء: تهجير قسري وخراب عمراني
كما غيرها في ريف السويداء الغربي، تعرضت قرية نجران لاقتحام عسكري في تموز 2025 من قبل قوات الإدارة الانتقالية، تسبب بنزوح أهلها، وحرق وتدمير لكثير من بيوتها ومعالمها. ورغم انسحاب القوات الحكومية من القرية بعد أيام قليلة، إلا أنها تركت دماراً واسع النطاق فيها ما حولها إلى منطقة غير قابلة للسكن.
يبلغ عدد سكان نجران نحو 15 ألف نسمة، يشكّل المغتربون نسبة كبيرة منهم. يوم الاقتحام لم يكن في القرية أكثر من 6500 مقيم. وبحسب مراسل سيريا ريبورت، تضم نجران ما يزيد على ألف منزل بينها ثلاثون قصراً تقدّر كلفتها الاجمالية بأكثر من خمسة ملايين دولار. وقد تعرّض نحو 800 منزل للنهب والحرق بعد استهدافها بشكل متعمّد بقذائف آر بي جي، رغم أن أصحابها كانوا قد نزحوا عنها.
وافق بعض وجهاء نجران على دخول قوات الأمن العام إلى القرية من دون مقاومة، فدخلت تلك القوات في 13 تموز لساعات محدودة فقط، قبل أن تُستبدل بوحدات من العصائب الحمراء التابعة لهيئة تحرير الشام، مدعومة بمجموعات عشائرية من بدو السويداء ودرعا. هذه القوات نفذت عمليات نهب وتعفيش واسعة، ثم أقدمت على تدمير المنازل والمحال. كما ارتكبت إعدامات ميدانية طالت نحو 80 شخصاً من بيت إلى آخر، ما أثار حالة ذعر كبرى دفعت بقية الأهالي للنزوح على عجل تاركين خلفهم معظم ممتلكاتهم. وأكد نازحون التقتهم سيريا ريبورت أنهم فقدوا مدخراتهم ومصاغهم ووثائقهم الرسمية التي تعرضت للسرقة ثم للحرق والتخريب، فيما سُرقت مئات السيارات من القرية وأُحرقت العشرات منها.
أحد الراصدين من فصائل السويداء المحلية، قال لمراسل سيريا ريبورت، إنه شاهد من نقطة رصده القريبة على القرية، أرتال الجرافات والآليات العسكرية وهي تتوجه نحو نجران. وأضاف: “بعد ساعات من دخولهم بدأنا نرى أعمدة الدخان ترتفع من القرية. لاحقاً تأكدنا أن العديد من البيوت جُرفت بالكامل خصوصاً القصور والفيلات الواقعة على أطراف القرية”.
يقول محسن، أحد نازحي نجران إلى مدينة السويداء لمراسل سيريا ريبورت، أنه ومنذ ساعات الهجوم الأولى، شاهد جرافات تدخل برفقة المركبات العسكرية الثقيلة. وأضاف: “لم يكن الهدف السيطرة على القرية فحسب بل محوها من الوجود. بيوتنا كانت تُهدم واحدة تلو الأخرى، فيما الجنود ينهبون ما يجدونه من أثاث وأدوات منزلية”.
الملفت أنه رغم عدم وجود مقاومة تذكر في القرية إبان اقتحامها، فقد تعرضت لتدمير واسع النطاق طال حتى مزارع تربية الماشية التي أُحرقت، فيما جُرّفت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المزروعة بالكروم والتين، ومعامل البلوك في محيط القرية، والفرن الوحيد فيها. أيضاً، تعرض 140 محل تجاري في القرية للنهب والتدمير، منها مستودع للتبغ تقدر قيمة محتوياته بـ3 مليارات ليرة سورية.
وفق شهادات محلية حصل عليها مراسل سيريا ريبورت، فإن دخول القوات الحكومية إلى نجران ترافق مع استهداف البنية التحتية الحيوية بشكل مباشر. إذ جرى تدمير شبكة الكهرباء الرئيسية عبر تفجير المحولات الكهربائية وإتلاف خطوط النقل، كما جُرفت شبكات المياه والصرف الصحي، وأُخرجت الآبار عن الخدمة بعد تفجيرها أو ردمها. كل ذلك حوّل نجران إلى منطقة غير قابلة للسكن، ما يجعل العودة اللاحقة للنازحين أمراً صعباً.
ونجران من القرى التي تحتوي عدداً كبيراً من القصور والفيلات الفخمة، التي شيدها أصحابها المغتربون من آل نصر في أميركا اللاتينية والخليج وأوروبا. ساهمت التحويلات المالية لأولئك المغتربين، على مدى عقود، في إعمار القرية بمساكن فخمة ذات كلف مرتفعة، وطابع معماري خاص يعتمد بشكل رئيسي على الحجر الطبيعي بدل البلوك. يقول أحد النازحين: “القرية كانت تُعرف بأنها من أجمل قرى الريف الغربي. كان الناس يتباهون ببيوتها المصنوعة من الحجر الطبيعي. الآن لم يبقَ سوى الأطلال”.
تقول رنا، وهي نازحة تعيش حالياً مع أطفالها في منزل مستأجر بمدينة شهبا: “كنت أملك منزلاً واسعاً مبنياً بالحجر الأبيض، كلفنا بناؤه أكثر من عشر سنوات من تحويلات زوجي المغترب. اليوم لم يبقَ شيء. المنزل جُرف بالكامل، والأثاث سرقوه أمام أعيننا. نحن الآن نعيش على المساعدات بعدما فقدنا كل شيء”.
سكان نجران نزحوا بشكل قسري نحو مدن وقرى مجاورة مثل السويداء، شهبا، وعريقة و الكثير من مناطق الريفين الجنوبي والشرقي. ويعيش النازحون ظروفاً صعبة في مراكز الايواء، وفي بيوت الأقارب، والبيوت المستأجرة. جزء كبير من النازحين باتوا فجأة معتمدين على المساعدات الإنسانية لبقائهم بعدما كانوا يعيشون حياة مستقرة. إحدى النازحات عبرت عن معاناتها قائلة: “كنا نعيش في بيت كبير فيه كل شيء. اليوم ننام نحن وأطفالنا في غرفة واحدة عند أقاربنا. لم نعد نملك شيئاً من حياتنا السابقة حتى صور العائلة وألبوماتنا لم نستطع إنقاذها”.
