تحديات عودة مهجري داريا: الدمار وسوء الخدمات يعيقان إعادة الإعمار
بعد سنوات من التهجير والدمار الذي لحق بمدينة داريا في ريف دمشق، لا تزال عودة السكان المهجرين محدودة، وسط تحديات كبيرة أبرزها الدمار الواسع، وضعف الخدمات الأساسية، وعدم وجود خطة حكومية واضحة لإعادة الإعمار. رغم بعض جهود الترميم الفردية التي بدأت منذ عام 2019، إلا أن العقبات تظل قائمة، ما يجعل إعادة الحياة إلى المدينة عملية معقدة وشاقة.
المدينة بين الأنقاض وانعدام الخدمات
حتى في المناطق التي شهدت عودة جزئية، تعاني المدينة من انهيار شبه كامل في بنيتها التحتية. الطرقات لا تزال مليئة بالركام، تعيق حركة السكان وأعمال الترميم، والمياه تُضخ من نبع عين الفيجة إلى داريا لمدة ساعتين فقط أسبوعياً، لكنها لا تصل إلى بعض الأحياء بسبب تردي الشبكة. الكهرباء متوفرة لمدة ساعة واحدة فقط كل 12 ساعة، ما يدفع السكان للاعتماد على منظومات طاقة شمسية متواضعة، أو الاشتراك في خدمة “الآمبيرات” المكلفة، حيث يبلغ سعر كل آمبير 11 ألف ليرة. أما الاتصالات، فقد ازدادت سوءاً مع سرقة أبراج الشبكة، مما أدى إلى ضعف التغطية وتدهور خدمات الإنترنت.
أحياء تحولت إلى أنقاض
بالنسبة لبعض السكان، فإن مجرد العثور على منازلهم السابقة أصبح مستحيلاً. حسين الون، أحد سكان حي الخليج السابقين، عاد مؤخراً إلى المنطقة لكنه لم يتمكن حتى من تحديد موقع منزله. يقول حسين: “حين نظرت حولي، لم أجد سوى ركام ضخم، لم يكن هناك أي معالم تشير إلى وجود منازل هنا من قبل”. حي الخليج، المتاخم لمطار المزة العسكري، كان يضم مساكن عشوائية، لكن مع احتدام المعارك في نهاية 2012، قامت قوات النظام بتفخيخ الحي بالكامل لتوسيع الحرم الأمني للمطار، مما أدى إلى تدميره بالكامل بين عامي 2012 و2014.
في الأيام الماضية، تجمهر العشرات من ملاك العقارات في الحي أمام الأنقاض، مطالبين العهد الجديد بإيجاد حل لعقاراتهم المدمرة. صدمتهم الأكبر كانت في حجم الدمار، إذ لم يجدوا أي أثر لمنازلهم السابقة التي سُوّيت بالأرض. اعتبر المحتجون حراكهم “لفتة نظر” للمطالبة بإيجاد حل تنظيمي للمنطقة، في ظل غموض مستقبلها.
بين تقرير اللجنة والرغبة في الترميم
في حي الجمعيات الإنشائية، لا يزال السكان غير قادرين على العودة، إذ لم تستكمل اللجان الهندسية التي تشكلت في العام 2020، تقييم سلامة كافة الأبنية، مما يترك مصير العقارات معلقاً. صالح شعيب، أحد المالكين في الحي، وجد نفسه عالقاً بين تقرير لجنة هندسية تعتبر منزله غير صالح للترميم، ورغبته في العودة وإعادة تأهيله بنفسه. يقول صالح لمراسل سيريا ريبورت: “منزلي لا يزال قائماً رغم الأضرار، بيت الدرج سليم، والأرضيات لم تتضرر، لكنهم يرفضون منحي ترخيصاً للترميم”. منطقة الجمعيات منظمة وأبنيتها مرخصة، ولكنها تعرضت للتعفيش. رغم ذلك، صالح ما زال مقتنعاً بأن شقته التي تعرضت واجهتها لدمار بسبب قصف مدفعي سابق، قابلة للترميم. وفي كل الأحوال، صالح مجبر على الانتظار، على أمل تشكيل لجنة جديدة أكثر شفافية قد تمنحه فرصة إعادة تأهيل منزله.
إعادة بناء منزل وسط الركام: فواز كساح يواجه تحديات الترميم
في أرض المراح، القريبة من حي فشوخ، قرر فواز كساح، العائد من الأردن، الاستقرار في منزله، لكنه واجه صعوبات كبيرة. الطرق المؤدية إلى المنزل مغلقة بالركام، والخدمات الأساسية غائبة. رغم ذلك، هو مصمم على إعادة تأهيل منزله، لكنه متردد بين البدء بالترميم دون ترخيص كما فعل بعض العائدين، أو انتظار الإجراءات الرسمية.
كان منزل فواز، الذي يملكه بموجب طابو أخضر مناصفة مع زوجته، قد تعرض لأضرار في السقف والجدران نتيجة معارك 2016. ورغم أن أرضيته لا تزال سليمة، إلا أن النوافذ والأبواب قد سُرقت، واحترقت غرفة كانت تضم مكتبته وبعض الأثاث الفاخر. تقدر تكلفة إعادة تأهيله بنحو 5 آلاف دولار إذا ما قرر تجهيزه كما كان سابقًا، لكنها قد تنخفض إلى النصف إذا استخدم مواد مستعملة. ورغم أن عشرات السكان بدأوا الترميم دون ترخيص، إلا أن فواز يخشى أن تُقدم البلدية لاحقًا على هدم المنازل غير المرخصة.
الشراء حلاً
في بعض الحالات، اضطر السكان إلى التخلي عن فكرة ترميم منازلهم الأصلية والبحث عن بدائل. جمال سعدية، على سبيل المثال، لم يجد بداً من نسيان منزله المهدم في منطقة المراح غربي المدينة، فقرر شراء شقة في حي الشاميات عام 2020. “وجدت أن التكاليف ستكون مرتفعة جداً، وكان الخيار الأسهل هو شراء شقة أخرى”، يقول جمال لمراسل سيريا ريبورت.
الشقة التي اشتراها جمال كانت قد تعرضت للتعفيش بالكامل على يد قوات النظام، فلم يبق فيها أي أثر من الإكساء السابق، لا من إعدادات المطبخ ولا تمديدات الكهرباء والماء. صاحبها الأصلي، وهو من أبناء داريا، وجد أن تكلفة إعادة تأهيلها أكبر من أن يتحملها، فاضطر إلى بيعها. بدوره، أعاد جمال تأهيل الشقة على حسابه الخاص ومن دون أي مساعدة، بل بجهده الذاتي.
عودة بطيئة ومستقبل غامض
على الرغم من محاولات بعض السكان العودة إلى داريا، إلا أن الأحياء الأكثر تضرراً لا تزال مهجورة بالكامل، بانتظار سياسات جديدة قد تسهم في إعادة إحياء المدينة. فيما يعتمد البعض على الجهود الذاتية في الترميم، تبقى العقبات الأساسية قائمة: دمار واسع، غياب الخدمات، وعدم وجود رؤية واضحة لإعادة الإعمار. حتى الآن، تبدو داريا مدينة معلقة بين الماضي والحاضر، حيث يحاول سكانها، كلٌ بطريقته، استعادة ما فقدوه وسط ركام الحرب.
