انتهاكات تستهدف مساكن الدروز في صحنايا وأشرفيتها بريف دمشق
شهدت مدينة صحنايا وبلدة أشرفية صحنايا اللتين تقطنهما غالبية درزية وأقلية مسيحية في ريف دمشق، نهاية نيسان الماضي، هجوماً مسلحاً قادته قوات وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة الانتقالية. أدى الهجوم إلى اقتحام وتدمير 85 منزلاً في أشرفية صحنايا و60 منزلاً في صحنايا، وتهجير أعداد كبيرة من السكان قسرياً دون أي إنذار مسبق.
شهدت صحنايا وأشرفيتها تطوراً عمرانياً خلال القرن العشرين، وتحولتا من قرى زراعية إلى ضواحٍ سكنية متصلة بالعاصمة، مدعومة بقربها من أوتوستراد دمشق-درعا. حافظت صحنايا وأشرفيتها على استقرار نسبي مقارنة بمناطق أخرى، خلال الحرب، مما جعلها ملاذاً للنازحين من مناطق النزاع خاصة من مدينة داريا المجاورة.
اندلعت أعمال العنف بسبب تسجيل صوتي مفبرك نُسب زوراً إلى رجل دين درزي، يتضمن إساءة للنبي محمد. وسرعان ما أدى ذلك إلى تحريض طائفي، شمل احتجاجات، ومضايقات لطلاب دروز في الجامعات، ودعوات لإبادتهم. ورغم نفي رجل الدين المعني للتسجيل، وإدانة قادة الطائفة الدرزية لمحتواه، استغلت الحكومة الانتقالية هذا المناخ للمطالبة بنزع سلاح الفصائل الدرزية، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات امتدت من جرمانا إلى صحنايا ثم إلى أطراف السويداء.
في صحنايا وأشرفية صحنايا، شملت القوات المهاجمة وحدات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، بالإضافة إلى مجموعات سلفية وعشائرية من نهر عيشة والسبينة ودير الزور ودرعا. في مواجهتهم، كانت هناك قوة درزية محلية تشكّلت حديثاً بعد سقوط نظام الأسد، بهدف حماية المنازل والممتلكات العامة. وقد قاد هذه القوة شخصيات محلية مثل ياسر الحاج علي، وتلقت دعماً غير مباشر من فصائل درزية في السويداء، وتعاونت مع لجان أهلية، وحظيت بدعم شعبي واسع كمصدر استقرار في المنطقة.
بدأت الاشتباكات بقصف مكثف ونيران قناصة، ما ألحق أضراراً هيكلية بالمنازل. واستولى المهاجمون على مبانٍ مرتفعة قرب البنك العربي، وحولوها إلى نقاط قنص ومراقبة. كما تم تحويل عدد من المنازل إلى قواعد عسكرية مؤقتة لتخزين الأسلحة والذخائر، في تحول واضح من الضغط السياسي إلى هجوم عسكري مباشر على المناطق السكنية الدرزية.
وفي محاولة لاحتواء التصعيد، توجه وفد من مشايخ عقل الدروز ووجهاء من السويداء إلى صحنايا للتفاوض على وقف إطلاق النار. ورغم التوصل إلى اتفاق مع يقضي بوقف الهجمات والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المهاجمين، لم يُنفذ الاتفاق، واستمرت الاشتباكات، حتى استسلمت المجموعات المدافعة عن المنطقة، بعد مقتل 27 شخصاً منهم بعضهم مدنيون تم إعدامهم ميدانياً كرئيس بلدية صحنايا وابنه.
وبعد انتهاء الاشتباكات اقتحمت المجموعات المهاجمة المنازل بشكل عنيف، عبر تكسير الأبواب والنوافذ، بذريعة “التفتيش عن السلاح”، وتجميع أفراد الأسرة في غرفة واحدة وتقييد حركتهم أثناء عمليات التفتيش. عمليات التفتيش ترافقت بسرقة وتخريب محتويات 85 منزلاً في أشرفية صحنايا، و60 منزلاً في صحنايا، بحسب تقديرات أهلية. إذ تعمّدت المجموعات المهاجمة تحطيم الأثاث والأبواب الداخلية، في تلك المنازل، وتدمير الأجهزة الكهربائية والمنزلية، وسط حالات إطلاق نار عشوائية داخل المنازل. وتعرضت المساكن خلال التفتيش المجموعات المهاجمة، كل ما يمكن حمله من داخل المنازل، بما في ذلك المصاغ الذهبي والمجوهرات، الأموال، الأجهزة الإلكترونية كالهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، الأثاث المنزلي والأدوات الكهربائية. كما سجلت سرقات لسيارات من مواقف المنازل والطرقات المحيطة، استخدمت في تنقل المجموعات المسلحة داخل المنطقة. كما أضرمت المجموعات المهاجمة النار في بعض المنازل بعد نهبها، مما أدى إلى تدميرها بالكامل، كما استُخدمت القنابل اليدوية وقذائف الدوشكا لإحراق أجزاء من البيوت، مما جعل بعضها غير صالح للسكن نهائياً.
أفاد السكان المحليون، لمراسل سيريا ريبورت، بأن عمليات الاقتحام استهدف بشكل أساسي منازل أبناء الطائفة الدرزية، في حين لم تتعرض منازل الطوائف الأخرى للأذى. وأكدت شهادات بعض السكان من الطائفة السنية والمسيحية، أن المسلحين المهاجمين، كانوا يسألون تحديداً عن المنازل التي يملكها دروز قبل اقتحامها.
في الساعات الأولى من الهجوم، اضطر العديد من الأهالي إلى ترك منازلهم بشكل عاجل، متوجهين نحو قرى الدروز في جبل الشيخ، التي اعتبرت الوجهة الأكثر أماناً نسبياً نظراً لقطع الأمن العام لطريق دمشق السويداء حينها، وأيضاً لوجود قرابات عائلية بين أهالي صحنايا وجبل الشيخ. كان هذا النزوح سريعاً، حيث لم يستطع الكثير من السكان أخذ متعلقاتهم الشخصية. وسرعان ما تزايدت حدة النزوح مع بدء الاقتحام للمنطقة. وأكد بعض النازحين، الذين تواصلت معهم سيريا ريبورت، أن السبب المباشر لفرارهم هو اقتحام المنازل وتخريبها وسرقة محتوياتها، إضافة إلى تكرار حوادث إطلاق النار العشوائي داخل الأحياء. ورغم المحاولات المستمرة من قبل وجهاء المنطقة ورجال الدين لإقناع الأهالي بالعودة إلى منازلهم بعد انتهاء المواجهات، ظل الخوف من تجدد الهجمات مسيطراً. كان الأهالي يطالبون بضمانات أمنية واضحة، خاصة بعد تكرار الانتهاكات وعدم محاسبة المهاجمين. في الوقت نفسه، كانت العودة تبدو صعبة بالنسبة لكثيرين بسبب الدمار الكبير الذي لحق بمنازلهم، والخوف من الانتهاكات المستمرة. إذ يواصل الأمن العام مداهمات المنازل بشكل تعسفي، مستهدفاً بيوت أبناء الطائفة الدرزية دون مذكرات قانونية. في 17 أيار مثلاً، اقتحمت دورية تابعة للأمن العام منزلاً في صحنايا، للمرة الثالثة، خلال أسابيع، دون أي توضيح أو إذن رسمي. هذه الانتهاكات المتكررة دفعت مئات العائلات للنزوح بحثاً عن الأمان.
كخلاصة، أدت الهجمات على صحنايا وأشرفيتها إلى انتهاكات جسيمة في حقوق السكن والأرض والملكية، على أساس تمييزي ضد أبناء الطائفة الدرزية. تسبب ذلك بتدمير واسع للممتلكات، ونهب محتويات المنازل، وإحراق بعضها بالكامل. كما تسبب العنف أيضاً في موجة نزوح جماعية نحو قرى جبل الشيخ، حيث وجد الأهالي أنفسهم مجبرين على ترك منازلهم خوفاً من العنف والقتل.
