الهدم يتواصل في مدينة الحجر الأسود بريف دمشق
تختلط على العائدين إلى مدينة الحجر الأسود التابعة إدارياً لمحافظة ريف دمشق، أسباب استمرار هدم العقارات فيها. وفي حين تواصل بلدية الحجر الأسود هدم الأبنية المصنفة خطيرة آيلة للانهيار، فإن ورشات تابعة لقوات النظام تواصل بشكل غير قانوني عملية الهدم بغرض التعفيش وتدوير الأنقاض وسحب الحديد منها. في الحالتين، لم تتوقف عمليات الهدم والتعفيش في المدينة منذ سيطرة قوات النظام عليها منتصف العام 2018.
الحجر الأسود هي مدينة ومركز ناحية تحاذي مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في العاصمة دمشق. وكان يسكنها قبل العام 2011 نحو نصف مليون نسمة، وفيها أكبر تجمع لنازحي الجولان منذ حرب حزيران 1967 مع إسرائيل. جزء كبير من مدينة الحجر الأسود عبارة عن مناطق عشوائية غير منظمة ولا مخدّمة، وكانت مقصداً للمهاجرين الفقراء من بقية المحافظات السورية.
وقد تعرضت المدينة لدمار شديد بسبب العمليات القتالية، إبان سيطرة المعارضة عليها بين العامين 2012-2015، وكذلك خلال فترة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية ما بين العامين 2015-2018. وقد استعادت قوات النظام السيطرة عليها في العام 2018 بعد حملة قصف جوية ومدفعية واسعة النطاق تسببت بتدمير أحياء كاملة في المدينة، والتهجير القسري لمن تبقى من سكانها. في نهاية العام 2021 سمحت محافظة ريف دمشق بعودة مشروطة للأهالي إلى بعض أحياء الحجر الأسود التي تعتبرها صالحة للسكن، وأبرزها أحياء تشرين والثورة. المحافظة لم تسمح للنازحين بالعودة إلى حيي الوحدة والاستقلال إلا مع مطلع العام 2023، في حين ما زالت تمنع العودة إلى حيي الجزيرة والأعلاف.
وتتركز عمليات الهدم في حيي الجزيرة والأعلاف، وأطراف المدينة من جهة حي القدم. ويشرف على جزء من عمليات الهدم لجنة السلامة العامة التابعة لمحافظة ريف دمشق. وكانت اللجنة قد أجرت خلال السنتين الماضيتين، دراسة فنية للحالة الإنشائية للأبنية في الحجر الأسود، وحددت الخطيرة منها الآيلة إلى الانهيار التي يجب إزالتها. أخر تلك الدراسات جرت في حي الجزيرة في أيار 2023، وطلبت على إثرها بلدية الحجر الأسود من أصحاب المساكن في الحي مراجعتها خلال مدة 15 يوماً للاطلاع على نتائج الدراسة، ومعرفة وضع عقاراتهم، إن كانت بحاجة إلى إزالة، أو تدعيم وترميم.
مراسل سيريا ريبورت في المنطقة، قال إن الدراسة التي أجرتها لجنة السلامة العامة في حي الجزيرة لم تكن دقيقة وشاملة لجميع أبنية الحي. وفي حين حصل بعض أصحاب العقارات على بيانات كشف عن حالة عقاراتهم الإنشائية، بعد مراجعة البلدية، اكتشف آخرون أن أبنيتهم لم تخضع للدراسة رغم أنه تقع في الحي. وقال موظفون في البلدية للمراجعين، أن الدراسة لم تشمل جميع الأبنية في حي الجزيرة، ووجهوا بعض الأهالي للكشف بأنفسهم على مساكنهم، وأن يضعوا عليها إشارة واضحة باللون الأحمر في حال كانت سليمة إنشائياً، كي لا تقوم البلدية بهدمها. مراسل سيريا ريبورت أكد أن البلدية لم تزود أولئك المراجعين بأي وسائل عملية، أو كتيبات نظرية، تساعدهم على الكشف عن سلامة أبنيتهم الانشائية.
على عكس أعمال الهدم التي تقوم بها البلدية، تواصل ورشات مرتبطة بقوات النظام هدم المباني في بعض أحياء الحجر الأسود، من دون أي ترخيص قانوني أو هندسي، وهدفها تعفيش الأنقاض. في 25 أيلول 2023 انهار بناء مكون من ثلاثة طوابق في حي الجزيرة، أثناء تعفيشه من قبل ورشة متعاملة مع الفرقة الرابعة، من قوات النخبة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري. وأصيب على إثر ذلك خمسة أشخاص، وتكتم المخفر ومفرزة الأمن على الحادثة. سبق ذلك في 2 نوفمبر 2022، مقُتِلَ سبعة أشخاص نتيجة انهيار بناء مكون من أربعة طوابق عليهم في حي الجزيرة، أثناء محاولتهم سحب الحديد من الأعمدة والأسقف في البناء المتضرر.
بحسب مراسل سيريا ريبورت، فإن بعض الأهالي غير القاطنين في الحجر الأسود، يفضلون بيع مساكنهم، ولو بأسعار قليلة، خوفاً من هدمها على يد البلدية أو ورشات التعفيش. ويشجع على ذلك أن المنطقة عشوائية ولا توجد صحائف عقارية لمعظم الأبنية فيها. هذا عدا عن فقدان الكثيرين خلال الحرب لوثائق ملكيتهم للعقارات وهي بمعظمها مملوكة على الشيوع.
مرام، قالت لمراسل سيريا ريبورت، إنها عرضت منزلها في حي الجزيرة للبيع بسعر 20 مليون ليرة (حوالي 1400 دولار)، لأنه لا يمكنها العودة للحي. وأضافت مرام، وهي أرملة لديها ثلاثة أولاد، أن نقص الخدمات وانعدام الأمن في الحجر الأسود تجعل من فكرة العودة كلها أمراً غير مريح لها. وأضافت، أنها لن تنتظر العودة إلى حي الجزيرة، لإنها بذلك قد تغامر بخسارة منزلها وهدمه من قبل ورشات التعفيش.
عماد، قال لمراسل سيريا ريبورت، إنه اعتاد تفقد منزله في حي تشرين كلما سنحت له الفرصة، لكنه خلال زيارته الأخيرة في كانون الأول 2023، وجد أن درج المنزل وسقيفته قد تعرضا للهدم من قبل ورشات التعفيش، التي استخرجت منهما حديد التسليح. كما لاحظ عماد، أن منزل جاره قد هدم، بالإضافة إلى ثلاثة منازل مجاورة، والحديد مسحوب منها. ويرجح عماد أن منزله سيهدم عما قريب، لأن ورشات التعفيش تعمل بشكل منهجي، وتركز على قطاعات من الحي حتى تنتهي منها. وغالباً ما تبدأ الورشات تلك بهدم الأدراج، لتمنع عودة أصحابها، ثم تهدم بقية البناء تدريجياً.
بعض المتضررين من التعفيش كانوا قد تقدموا بشكوى لرئيس بلدية الحجر الأسود خالد خميس، في الفترة ما بين آب وتشرين الأول 2023، لوقف تعفيش مساكنهم. وقد أبلغ خميس حينها أولئك المتضررين بأن ليس في مقدوره فعل شيء لحماية أملاكهم ولا الوقوف بوجه ورشات التعفيش. وأحالهم إلى الشرطة والقوى الأمنية، لتقديم الشكوى. ونفى رئيس البلدية علاقة بلديته بهدم المنازل الصالحة للسكن، أو تعفيشها. وبالفعل، تقدم أولئك المتضررون ببلاغ إلى مخفر شرطة المدينة، ومفرزة الأمن في بداية شارع الثلاثين، ولكن من دون نتيجة.
وقال خميس لصحيفة الوطن شبه الرسمية في 9 يناير الجاري، بأن 2100 عائلة عادت إلى المدينة، معظمها إلى حي الثورة، وبنسبة أقل إلى أحياء تشرين، الوحدة والاستقلال. مراسل سيريا ريبورت قال إن مصادر أهلية محلية تقدر عدد العائلات التي عادت إلى الحجر الأسود منذ العام 2018، بحوالي 1300 عائلة، أي حوالي 6500 شخص، وأضاف أن الخدمات، على قلتها، تتركز في حي الثورة، أما بقية الأحياء فهي مهملة.
