النزوح الجماعي والانتهاكات الممنهجة لحقوق السكن والأرض والملكية في السويداء
شهدت محافظة السويداء في تموز 2025 حملة عسكرية نفذتها قوات وزارتي الدفاع والداخلية في “الإدارة الانتقالية”، مدعومة بميليشيات سلفية وعشائرية. لم تقتصر الحملة على استهداف مواقع عسكرية أو مجموعات مسلحة، بل استهدفت المناطق المأهولة بالقصف العشوائي، وترافقت باقتحام المنازل، حرقها وتجريفها. وامتد التخريب ليطال المستشفيات والمرافق الصحية، وشبكات المياه والكهرباء، والمزارع وآبار الري والمطاحن، بما يُظهر نمطاً متكرراً أدى إلى تجريد السكان من مقومات الحياة الأساسية.
في 21 آب 2025، أصدر خبراء الأمم المتحدة تقريراً خاصاً أعربوا فيه عن “قلق بالغ” إزاء موجة الهجمات المسلحة التي استهدفت المجتمعات الدرزية في محافظة السويداء منذ 13 تموز. وثّق التقرير وقوع عمليات قتل وإعدامات ميدانية وعمليات خطف ونهب وتدمير واسع للممتلكات، إلى جانب اعتداءات جنسية وعنف قائم على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات. وأشار التقرير إلى أنّ الانتهاكات في السويداء طالت بصورة مباشرة حقوق السكان في السكن والأرض والملكية. فقد وثّق الخبراء حرق أكثر من ثلاث وثلاثين قرية بالكامل، ونهب المنازل والمتاجر ومحتوياتها، والاستيلاء على المواشي، وتخريب المحاصيل الزراعية. كما أشار التقرير إلى أنّ هذا التدمير الممنهج للمساكن والمزارع ترافق مع تعطيل واسع للخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه وصحة، ما حرم السكان من مقومات الحياة اليومية. واعتبر الخبراء أنّ هذه الممارسات تمثل حملة منظمة لا تقتصر على العنف الجسدي، بل تستهدف أيضاً سبل العيش والقدرة على البقاء في الأرض.
وفقاً لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فقد نزح 184,000 شخص بحلول 19 آب، يعيش غالبية هؤلاء داخل محافظة السويداءـ في ظروف إيوائية مؤقتة كالمدارس والمراكز المجتمعية، وسط انقطاع متفاقم في الخدمات الأساسية. كما أطلقت OCHA مع منظمات أخرى بعثة إلى محافظة درعا لتقييم أوضاع النازحين إليها من السويداء، ومناقشة خيارات إعادة استقرار سكنية لأجل غير بعيد، بينما ظلت عمليات إصلاح الكهرباء والمياه داخل السويداء محدودة ومرحلية بفعل الواقع المعقد.
وسط غياب القدرة على الوصول الإعلامي والحقوقي المباشر لقرى الريفين الغربي والشمالي لمحافظة السويداء، إذ ما زالت قوات الإدارة الانتقالية تسيطر عليها، يستند هذا المقال إلى شهادات ميدانية جمعها مراسل “سيريا ريبورت” من سكان محليين وناجين من موجات النزوح، لتوثيق جانب من تلك الانتهاكات التي لم تقتصر على القتل والتدمير، بل طالت حقوق السكن، الأرض والملكية، وسبل العيش.
في ريف السويداء الغربي “المقرن الغربي”، استهدفت العمليات العسكرية بين 13-16 تموز، القصف العنيف للمناطق السكنية في القرى والبلدات المأهولة رغم أنها لم تشهد مواجهات عسكرية. وتسبب القصف بموجة نزوح كبيرة للأهالي باتجاه مدينة السويداء وريف المحافظة الجنوبي. وبعد ذلك، بدأت عملية منظمة لسرقة محتويات المساكن، ثم حرقها، وتدميرها باستخدام الجرافات. يصف أحد الراصدين المحليين من قرية الدور في حديثه لمراسل سيريا ريبورت، وهو كان يراقب قوات “الإدارة الانتقالية” من مسافة قريبة: “بدأت الجرافات بتسوية البيوت بالأرض بعد أيام قليلة من خروج الناس. لم يتركوا منزلاً قائماً في الأحياء الشمالية للقرية”. وعند سؤاله عن الغاية من ذلك، قال: “يبدو لي أن الهدف من هدم المساكن هو لمنع الناس من العودة”. ويضيف: “شاهدت بعيني كيف سُوّيت بيوت كاملة بالأرض، بما في ذلك منازل مبنية بالإسمنت المسلح.”
لم تقتصر الهجمات في المقرن الغربي على تدمير المساكن وحرقها، بل طالت بشكل مباشر البنية التحتية الأساسية التي تقوم عليها سبل عيش الأهالي. إذ استهدفت قوات الإدارة الانتقالية شبكات المياه والكهرباء بشكل ممنهج، ما سيجعل من إمكانية عودة الحياة الطبيعية إلى تلك القرى أمراً صعباً للكثير من الأهالي. رونا، من قرية ريمة حازم، روت ما جرى لمراسل سيريا ريبورت: “بئر المياه الرئيسية في القرية جُرفت بالكامل. أُحرقت مضخات المياه ومولدات الكهرباء الصغيرة التي كان يعتمد عليها الأهالي. حتى ما بقي من الشبكة لم يعد صالحاً للاستعمال”. حمزة، من ريمة حازم، قال للمراسل: “بعد نهب المحلات والبيوت والورش الصناعية، استخدمت القوات الحكومية نوعاً غريباً من المتفجرات يولد انفجاراً عنيفاً ويتسبب باندلاع حرائق شديدة”. يضيف حمزة: “بعض البيوت أُحرقت وبداخلها سكانها. السيارات الكبيرة في القرية سُرقت، وخزانات المياه فُكّت من على الأسطح وحُملت بالسيارات. حتى المحروقات سُحبت من كازيات البلدة، وبعدها أضرموا النار في محطات الوقود.” كما أفاد مزارعون من المقرن الغربي، بأنّ أعمدة الكهرباء والمحولات دمّرت بفعل الاستهداف المتكرر بالأسلحة الثقيلة، ما جعل المنطقة تغرق في ظلام تام.
في ريمة حازم، لم يقتصر الأمر على نهب الممتلكات أو تخريب المزارع، بل تعدّاه إلى العبث بالمعالم التاريخية للقرية التي نزح أغلب سكانها عنها، عبر عمليات حفر داخل السور القديم بحثاً عن الذهب. والبلدة مشهورة بكونها موقع تاريخي قديم تعاقبت عليه حضارات متعددة من يهودية، رومانية وبيزنطية. شهود عيان من القرية تحدثوا لمراسل سيريا ريبورت، عن قيام قوات من الإدارة الانتقالية بأن حوالي ثلاثين شخصاً من الأهالي المتبقين في القرية، بينهم مسيحيون، وكبار في السن ونساء، وُضعوا في محيط منطقة الحفر كدروع بشرية لمنع المقاتلين الدروز في القرى المجاورة من استهداف الجرافات أثناء بحثها عن اللقى الأثرية.
الزراعة، التي تشكل المصدر الرئيسي للعيش في المقرن الغربي، لم تسلم هي الأخرى من التخريب. إذ أفاد الأهالي بتعرض المزارع لعمليات نهب واسعة وحرق وتدمير ممنهج، ما يهدد بفقدان السكان لأمنهم الغذائي ومصادر عيشهم. معن، مزارع من بلدة المزرعة وصاحب مشتل زراعي، يصف ما واجهه بعد اقتحام قوات الإدارة الانتقالية: “دخلوا المزرعة بعد خروجنا منها بأعجوبة، وأخذوا كل شيء منها. الأبقار نُقلت بشاحنات عسكرية، وما تبقى من المواشي ذُبح أو تُرك ليموت جوعاً. الدواجن أُحرقت بالكامل”. ويضيف: “المشاريع المروية المجاورة لمزرعتي، خصوصاً مشاريع الخضار، نُهبت وخُرّبت. شبكات الري بالتنقيط، الأسمدة، والآليات الزراعية كلها سُرقت. حتى المشتل الذي أنشأته منذ سنوات دمروه بالكامل.”
في ريف السويداء الشمالي “منطقة اللوا”، تكرر المشهد ذاته من قصف وتهجير، وتحولت القرى التي نزح عنها سكانها إلى أماكن غير صالحة للحياة. سكان من قرية الخالدية، وصفوا في حديثهم لمراسل سيريا ريبورت، كيف طال القصف العنيف منازل المدنيين بشكل مباشر: “قذائف الهاون سقطت على البيوت البسيطة، ما أدى إلى انهيار عشرات المنازل وتشريد أهلها”. من جهة أخرى، أفاد أهالٍ من قرية لاهثة أنّ القصف استهدف مباشرة المساكن وتسبب بتدمير عدد كبير منها خاصة تلك المحيطة بالطريق العام.
مزارعون من قرية أم الزيتون في الريف الشمالي، أكدوا أن قصفاً مدفعياً أصاب الشبكة المركزية للري التي كانت تغذي مئات الدونمات المزروعة بالقمح والشعير والخضار. كما دُمرت مشاريع زراعية كبيرة في رضيمة اللواء والمتونة في منطقة اللوا، إمّا نتيجة القصف المباشر أو بسبب النهب والتخريب بعد الاقتحام. سعود، أحد سكان قرية الصورة الصغرى في ريف السويداء الشمالي، قال لمراسل سيريا ريبورت: “عشنا على زراعة الزيتون والقمح لعقود. اليوم لم يبقَ شيء. الآبار دُمّرت، وشبكات الري خُرّبت، والأراضي أُهملت بعد نزوح أصحابها. هذه ليست حرباً ضد مقاتلين، بل حرب ضد مصدر رزقنا.”
رامي، أحد سكان قرية قنوات البعيدة عن مناطق تقدم قوات الإدارة الانتقالية، يصف ما حدث قائلاً لمراسل سيريا ريبورت: “لم يكن هناك أي مبرر للقصف. الصواريخ سقطت على منازل وسط القرية، وانهارت عشرات البيوت. الطيران المسيّر استهدف تجمعاً سكنياً عند مدخل القرية فدمّر بناية كاملة تقريباً، كما قصفت طائرة من نوع شاهين مدرسة في وسط البلدة.” رشدي، شاهد آخر من القرية، يضيف: “طال القصف محيط الكنائس القديمة والبرك الحجرية. كان القصف عشوائياً باستخدام أسلحة غير دقيقة هدفها فقط التدمير، مع تركيز خاص على بعض المواقع عبر الطيران المسيّر.”
في مدينة السويداء، تحدث سكان الأحياء المجاورة للمشفى الوطني عن أضرار جسيمة في المباني السكنية جراء القصف المتكرر بالهاون وصواريخ غراد. من حارة الخزانات، أفاد آخرون أن القصف الكثيف أدى إلى نزوح كثير من الأهالي. حسن، أحد سكان حي شارع الكويت، قال: “تعرضنا لأيام وليالٍ طويلة من القصف بصواريخ غراد وقذائف الهاون وحشوات طائرات الدرون. في يوم واحد فقط أحصيت أكثر من مئة قذيفة وصاروخ سقطت في محيطنا. إحداها أصابت سقف بيت جاري فانهار جزئياً، ما دفعه للنزوح إلى مدينة صلخد” جنوبي المحافظة.
فجر، الذي نزح إلى منزل أقاربه في منطقة دوار العمران في مدينة السويداء، يروي ما حدث بعد دخول قوات الإدارة الانتقالية: “البيوت فُتشت بالكامل. كل ما يمكن حمله نُهب: الأثاث، الأجهزة الكهربائية، وحتى الأبواب والنوافذ. بعد ذلك فجّروا بعض المنازل وأحرقوا أخرى.” ويضيف فجر شهادة مفصلة عن عائلة سرايا التي قُتلت ميدانياً في ساحة تشرين: “بعد تصفية العائلة، دخلت قوات الأمن العام إلى منزلهم في منطقة دوار العمران. نهبوا البيت بالكامل، حتى الملابس وأدوات المطبخ لم يتركوها. وبعد أيام، أُحرق المنزل بالكامل. الهدف كان واضحاً: محو أي أثر للعائلة.”
تُبرز الشهادات الميدانية، إلى جانب تقرير خبراء الأمم المتحدة الصادر في 21 آب 2025، أن الانتهاكات في السويداء استهدفت بصورة مباشرة حقوق السكان في السكن والأرض والملكية وسبل العيش. تجريف المنازل، حرق القرى، ونهب المزارع وآبار المياه والمطاحن، ليست مجرد أضرار جانبية للحرب، بل سياسة متعمدة حرمت الأهالي من بيوتهم وأراضيهم ومصادر رزقهم، ودفعتهم إلى النزوح القسري. هذه الانتهاكات تمسّ جوهر الحق في البقاء والعيش على الأرض، وتشكل تهديداً دائماً لإمكانية العودة والحفاظ على استقرار المجتمع المحلي.
