النازحون من لبنان إلى سوريا: الدولة تفتتح مراكز الإيواء للوافدين اللبنانيين، والمجتمع الأهلي يعتني بالعائدين السوريين
تصاعدت وتيرة حركة النزوح من لبنان إلى سوريا، منذ نهاية أيلول 2024، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد ميليشيا حزب الله اللبنانية. وفي محاولة للتمييز، أطلقت وسائل الإعلام السورية على النازحين السوريين مصطلح “العائدين”، مقابل مصطلح “الوافدين” للنازحين اللبنانيين.
وفي تصريح لـ”سيريا ريبورت”، قالت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إنها “تعتبر المواطنين اللبنانيين الفارين من بلادهم لاجئين ينبغي اعتبارهم مؤهلين للتقدم بطلب للحصول على وضع اللاجئ”.
وتزداد أعداد النازحين مع الوقت، وقد بلغت بحسب احصائيات مفوضية شؤون اللاجئين، في 20 أكتوبر 2024، بنحو 421 ألف شخص من الجنسيتين السورية واللبنانية. بينما بحسب الأرقام الرسمية السورية، بلغ عدد النازحين إلى سوريا، عبر المعابر الرسمية، حتى 18 أكتوبر 2024، 397 ألف شخص، منهم 281 ألف سوري، و115 ألف لبناني، وبينهم الكثير من الفلسطينيين السوريين وحاملي الإقامة اللبنانية.
وزير الإدارة المحلية والبيئة لؤي خريطة، أكد في 14 أكتوبر لصحيفة تشرين الرسمية، افتتاح 20 مركز إيواء، 16 منها بدأت استقبال النازحين. وبحسب المعطيات المتوافرة، لم تخصص السلطات السورية مراكز إيواء للسوريين العائدين، بل خصص معظمها للوافدين اللبنانيين، إذ أشار الوزير، كما غيره من المسؤولين السوريين، إلى أن السوريين العائدين يحلون ضيوفاً عند اقربائهم.
بحسب الأرقام الرسمية السورية، والتي تستند إلى تعداد العائدين عبر المعابر الشرعية فقط، فإن أغلب السوريين العائدين من لبنان دخلوا عبر معبر جديدة يابوس-المصنع، بواقع 163 ألفاً، بينما 76 ألفاً عادوا عبر بقية المعابر الشرعية في محافظة حمص. وهناك بضعة معابر شرعية بين سوريا ولبنان؛ الدبوسية، جوسية، تلكلخ، العريضة. في حين تنتشر على امتداد الحدود عشرات المعابر غير الشرعية، وأغلبها طرقات وعرة جبلية تستخدم غالباً في تهريب البضائع والبشر بين طرفي الحدود.
الوافدون اللبنانيون
وفد إلى سوريا منذ نهاية أيلول حتى منتصف أكتوبر، قرابة 115 ألف لبناني، 66 ألفاً منهم عبر المعابر الرسمية بين لبنان ومحافظة حمص. الوجهة الرئيسية للوافدين اللبنانيين كانت ريف دمشق، وحمص. في حين أشارت مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، في 15 أكتوبر، أن 11 ألف لبناني غادروا سوريا إلى الأراضي العراقية.
ولقي الوافدون اللبنانيون اهتماماً دولياً على صعيد السكن والإيواء. وقالت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، في موقعها الرسمي، في 15 أكتوبر، بوجود 25 مركزاً لاستضافة الوافدين اللبنانيين في محافظات دمشق وريفها، وحمص وحماة وإدلب وطرطوس واللاذقية، بسعة إجمالية تبلغ 10,000 شخصاً. وليس واضحاً إن كانت هذه المراكز الـ25، هي نفسها التي تحدث عنها وزير الإدارة المحلية والبيئة.
الوزير قال إن كثيراً من الوافدين سكنوا شققاً مستأجرة وغرف فنادق، بعضها بشكل مجاني، ضمن جهود تنسيقية بين وزارته، ووزارة السياحة. هذا عدا عن المبادرات أهلية لاستيعاب الوافدين، ومنها فتح أبواب ديرين مسيحيين في حمص.
في ريف دمشق، استقبل مركز ايواء حرجلة حوالي 300 عائلة وافدة، بحدود 1000 شخص. صحيفة البعث الرسمية، نقلت عن أمين سر لجنة الإغاثة الفرعية بحمص، أن إجمالي عدد الوافدين اللبنانيين إلى المحافظة حتى 21 اكتوبر، بلغ نحو 78 ألفاً، ونحو 84 ألف عائد سوري. وأضاف المسؤول أن 8 آلاف عائلة لبنانية وافدة إلى حمص، توزعت على مناطق الريف وبعض أحياء المدينة، معظمها تقطن في منازل أقاربها وذويها أو في منازل قدّمت لهم وتمّ التبرع لهم بها، والبعض منهم استأجر منازل لهم رغبةً منهم بذلك. وأضاف المسؤول، أن في المحافظة 5 مراكز إيواء حكومية جاهزة لتقديم الخدمات تتسع لنحو 1200 شخص بإدارة الهلال الأحمر، لكنها لا تزال شاغرة، لأن “المجتمع المحلي استوعب كافة العائلات في منازلهم أو في منازل تبرع بها”. وأضاف أن هناك أيضاً مركزين للإيواء في منطقة ربلة بريف القصير، هما مركزا مار إلياس وكنيسة مريم العذراء، وفيهما حالياً 70 عائلة.
وبحسب صحيفة الوطن شبه الرسمية، فقد نزح حتى 14 أكتوبر، إلى محافظة اللاذقية، 1783 عائلة، من دون تحديد إن كانوا عائدين أو وافدين. وقد تم استقبال 574 عائلة منها ضمن مراكز إيواء “استضافة” أقيمت في مناطق الشير، شاليهات العمال والفلاحين في شط البسيط، شاطئ النخيل، شاليهات الضباط، المدينة الجامعية. لكن المعطيات تشير إلى أنها عائلات لبنانية وليست سورية. بينما 75 عائلة سكنت عند أقارب لها في المجتمع المحلي، و248 عائلة سكنت شققاً مستأجرة.
العائدون السوريون
وبينما تركزت الجهود الرسمية للدولة السورية على افتتاح مراكز إيواء للوافدين اللبنانيين، يبدو بأن الدولة السورية تركت المجتمع الأهلي ليتدبر شؤون العائدين السوريين. أبرز وجهة للعائدين السوريين كانت ريف دمشق، وتليها حمص، ثم بقية المحافظات. وأشارت التصريحات الرسمية إلى أن العائدين توجهوا إلى منازلهم في مناطق سيطرة حكومة دمشق إن كانت غير متضررة، او أنهم حلّوا عند أقربائهم، أو استأجروا مساكن خاصة. الإعلام الرسمي، لم يأت على ذكر أي مساعدات على صعيدي الإيواء والسكن، للعائدين السوريين. إذ لم تخصّ الحكومة السورية العائدين السوريين بأي مركز إيواء من المراكز العشرين التي جهزتها لمواجهة أزمة النزوح من لبنان. واقتصر الحديث على تقديم بعض المعونات الإغاثية والصحية، والدعم الحقوقي، لحظة وصول العائدين إلى المعابر، وإعفائهم بشكل مؤقت من شرط تصريف 100 دولار بالسعر الرسمي، المفروض على جميع السوريين العائدين إلى سوريا، جوار أو بحراً أو براً.
مديرية الشؤون الاجتماعية في محافظة ريف دمشق، التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أعلنت لصحيفة تشرين، العمل على إعادة السوريين اللذين “اضطروا لترك سوريا إلى لبنان، قبل سنوات بسبب الحرب على الإرهاب” إلى مدنهم وبيوتهم مرة أخرى، من دون أي توضيح للآليات المتبعة. بينما طالب الناطق باسم هيئة المصالحة الوطنية السورية، بمساعدة العائدين السوريين الذين “فروا قبل 13 عاماً من سوريا، من دون أن يكون معهم شيئاً، وعادوا الآن إليها دون ان يكون معهم شيئاً أيضاً”.
وأشار كثير من الموظفين والمسؤولين الرفيعين، إلى محدودية الإمكانيات المحلية، مطالبين بضرورة زيادة المساعدة الخارجية لتلبية الاحتياجات الإغاثية، وصولاً إلى إعادة الإعمار، للتجاوب مع أزمة النزوح. رئيس الوزراء محمد الجلالي، طالب في 13 أكتوبر، المسؤولين السوريين بإبداء مرونة حيال المشاريع المقدمة من المنظمات الإغاثية والإنسانية، كما طالب بالتنسيق بين الجهات العامة لتسهيل، تنفيذ المشاريع المتعلقة بالإغاثة والإيواء.
في حين قدمت بعض المنظمات غير حكومية للعائدين السوريين، بعض المساعدات المتعلقة بالسكن. مثلاً، رئيسة مجلس إدارة الجمعية السورية للتنمية الاجتماعية في حمص، قالت لصحيفة تشرين الرسمية في 14 أكتوبر، إن الجمعية، أسكنت 270 أسرة سورية عائدة، و158 عائلة لبنانية نازحة، في بيوت شاغرة، قدمها المجتمع المحلي، من دون ذكر وضع تلك البيوت ولا مواقعها ولا ملكيتها. في حين قال رئيس مجلس إدارة جمعية الغدير، أن قرية المختارية في ريف حمص، قدمت 200 مسكناً للوافدين اللبنانيين والعائدين السوريين. وأيضاً لا توجد الكثير من التفاصيل حول تلك المساكن، ولا ملكيتها، ولا أين أصحابها.
أغلب العائدين إلى درعا، عادوا إلى بيوتهم، مع إشارة الإعلام الرسمي، إلى عدم جهوزية غالبيتها للسكن، ونزل البعض ضيوفاً عند أقاربه أو في ضيافة المجتمع الأهلي. أمين سر لجنة الإغاثة الفرعية في السويداء قال لصحيفة الوطن، أن 11 عائلة نازحة سكنت لدى ذويها أو أقاربها في المحافظة، ما يشير إلى أنها عائلات عائدة.
ويعاني كثير من العائدين من صعوبات في تأمين المأوى، في ظل ارتفاع أسعار الإيجارات، وقلة المعروض منها بسبب الطلب الكبير عليها. حتى أصحاب المنازل، من العائدين إلى مناطقهم بعد فترة غياب طويلة، وجدوا أن كثيراً منها غير صالح للسكن، لأنها كانت شاغرة وتعرضت للتعفيش أو التخريب، وباتت تحتاج إلى ترميم.
عائدون إلى ديرالزور، افترشوا الحدائق والكراجات في حمص وحماة، لأيام، بسبب ارتفاع تكاليف النقل، وعجزهم عن السفر إلى ديرالزور، مع غياب أي مساعدة من الجهات الرسمية. نائب محافظ ديرالزور، أشار في حديثه لصحيفة تشرين، إلى عودة 1200 عائلة سورية من لبنان، من دون أي تفاصيل عن إيوائهم أو سكنهم.
كما توجه بعض العائدين إلى مناطق المعارضة في الشمال الغربي، ومناطق الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي. ووثقت الإدارة الذاتية، في 21 اكتوبر، عودة 19,941 شخص من لبنان، توجهوا إلى قراهم، أو مراكز الإيواء المخصصة من دون ذكر تفاصيل.
