الموافقة الأمنية على الترخيص القانوني تعيق العمليات العقارية للأكراد في الحسكة
لإجراء أي معاملة عقارية في المنطقة الحدودية من محافظة الحسكة الخاضعة فعلياً لسيطرة الإدارة الذاتية الكردية لشمال شرق سوريا، ينبغي القيام بمعاملة إدارية تسمى “الترخيص القانوني” تتطلب موافقة أمنية مسبقة. ولا يمكن الحصول على هذه المعاملة والموافقة الأمنية إلا عبر الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري.
رغم سيطرة الإدارة الذاتية منذ العام 2014 على محافظة الحسكة، وتأسيسها مديريات ومؤسسات ومحاكم، لكنها لم تأسس مديرية مصالح عقارية خاصة بها بسبب عدم امتلاكها لسجلات عقارية. لذا، بقي تثبيت الوقوعات العقارية في الحسكة مقصوراً على حكومة دمشق، عبر مكاتب التوثيق العقارية التابعة لمديرية المصالح العقارية في وزارة الإدارة المحلية، وعلى المحاكم ذات الاختصاص التابعة لوزارة العدل. وتقع مقار تلك المحاكم ومكاتب توثيق المصالح العقارية، في المربعات الأمنية التي تسيطر عليها قوات النظام في مدن الحسكة والقامشلي والمالكية من محافظة الحسكة. وتشترط تلك المحاكم والمكاتب على الراغبين بتثبيت وقوعاتهم العقارية في الأراضي خارج المخططات التنظيمية، في المناطق الحدودية مع تركيا والعراق، الحصول على موافقة أمنية مسبقة تصدر بقرار من وزير الداخلية، بناءً على اقتراح وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، وموافقة من وزارة الدفاع، وذلك بموجب قانون تنظيم الملكية العقارية في المناطق الحدودية رقم 41 لعام 2004، والمعدل بالمرسوم رقم 43 لعام 2011. ويهدف القانون 41\2004 وتعديلاته، إلى فرض حزام أمني ضمن الأراضي السورية على طول الحدود، ويحد من إجراء التصرفات القانونية في الملكية العقارية في المناطق الحدودية.
عملياً، يتوجب على الراغب بإجراء أي معاملة عقارية في المنطقة الحدودية، القيام بمعاملة الترخيص القانوني الإدارية، وهي عبارة عن طلب يقدمه إلى مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي، ويرفق معه إخراجات قيد فردية لأطراف العملية العقارية، وصورة عن العقود القانونية بينهم، وبيان قيد عقاري، وبيان مساحة. ويتم إرسال بيانات العقار وأطراف المعاملة العقارية، وطلب الترخيص القانوني، إلى وزارتي الداخلية والدفاع، ومنهما تجري مخاطبة الأجهزة الأمنية لتقوم بدراسة أمنية عن أطراف العقد. وبناء على تلك الدراسة تتم الموافقة الأمنية أو الرفض على منح الترخيص القانوني.
وحتى العام 2011، كان ينبغي على أطراف عملية بيوع عقارية مثلاً، إبراز الترخيص القانوني أثناء سير دعوى تثبيت عقد بيع العقار في محكمة البداية المدنية. وفي حال عدم إبراز الترخيص القانوني تشطب الدعوى في المحكمة لاحقاً. وكثيراً ما كان المحامون يكتفون برفع دعوى تثبيت عقد بيع عقار وتسجيلها في المحكمة، والحصول على نسخة مصدقة من محضر جلسة الإقرار بالبيع بين البائع والمشتري. وفي حال الموافقة على الترخيص القانوني، يتابعون سير الدعوى، وفي حال الرفض يكتفون بنسخة عن محضر الجلسة الذي يستخدمه المشتري كدليل على ملكيته للعقار.
لكن القانون 43\2011 المعدل للقانون 41\2004، ألغى تلك الإمكانية، واشترط وجود الترخيص القانوني قبل تسجيل الدعوى.
وتشترط الأجهزة الأمنية على أطراف المعاملة العقارية في المناطق الحدودية، إقامتهم في سوريا عند طلب التحقيق معهم، أو أن تكون مغادرتهم لسوريا قد تمت بشكل قانوني عبر المعابر والمطارات الرسمية. ويحرم هذا الشرط كثيراً من اللاجئين في دول الجوار الذي غادروا الأراضي السورية بطريقة غير نظامية من الحصول على الترخيص القانوني. وتبلغ مدة الدراسة الأمنية للموافقة أو رفض الترخيص القانوني أربعة أشهر وسطياً، وفي حال الرفض، يجب الانتظار مدة سنة قبل إعادة تقديم معاملة الترخيص القانوني مجدداً إلى مديرية الزراعة.
وفي التطبيق العملي، من الصعوبة الحصول على الموافقة الأمنية للترخيص القانوني إذا كان أحد طرفي المعاملة كردياً. سيريا ريبورت لم تتمكن من العثور على أي تعميم أو قرار عن أي جهة رسمية سورية بعدم منح الأكراد موافقات أمنية على الترخيص القانوني. والأمر لا زال سارياً حتى بعد صدور المرسوم رقم 49 لعام 2011، القاضي بمنح الجنسية السورية للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة. ويعمل عناصر الأمن المكلفون بالدراسة الأمنية، على معرفة تفاصيل دقيقة عن أطراف العملية العقارية، بما في ذلك النسب العشائري والاثني، والأقارب ومناطق تواجدهم ومهنهم، ويسألون في ذلك جيران أطراف العملية العقارية في أماكن سكنهم، وزملائهم في أماكن عملهم، وأيضاً المخاتير وسواهم. ويتم تعليق جداول بأسماء من رفضت معاملاتهم للترخيص القانوني في مكاتب التوثيق العقارية.
لذا، غالباً ما يلجأ الفلاحون الأكراد في المناطق الحدودية عند شراء الأرض إلى إبرام عقود بيع برانية، وعند تأجيرها إلى إبرام عقود مزارعة أو استثمار زراعي برانية. في الحالتين لا يتم توثيق تلك العقود لدى أي جهة رسمية، ما يؤثر على أسعار الأرض.
يقول كاميران، وهو كردي لسيريا ريبورت، إنه اشترى في العام 2020 أرضاً زراعية في المنطقة الحدودية مع تركيا، ودفع رشوة 150 ألف ليرة (حوالي 170 دولار حينها) لعناصر الأمن الذين حققوا معه في منزله، ومع ذلك، جاء طلب ترخيصه القانوني مع الرفض، واضطر لبيع الأرض التي اشتراها بعقد براني.
بينما، حسني، وهو كردي أيضاً، قال لسيريا ريبورت أنه تمكن من الحصول على الترخيص القانوني لتسجيل أرض زراعية اشتراها خارج المخطط التنظيمي باسمه في السجل العقاري، بعدما دفع لوسيط أمني مبلغ ألفي دولار.
في المقابل، يقول محمد، وهو عربي، إنه والده اشترى أرضاً مساحتها هكتارين قبل عشرين عاماً في ريف القامشلي، ولكنه لم يحصل على الترخيص القانوني، لأن البائع كان محكوماً في قضية مختلفة لصالح المصرف الزراعي. ولم يتمكن لذلك والد محمد من الحصول على حكم من المحكمة يقر بصحة شرائه للأرض، وكل ما لديه هو وثيقة تسجيل الدعوى. منذ سنوات قليلة، عاد البائع الأصلي للأرض ووضع يده عليها بذريعة أنها ما زالت باسمه في السجلات العقارية. لذا، لجأ محمد إلى محكمة تتبع للجهاز القضائي في الإدارة الذاتية، ورفع دعوى غصب عقار. لكن المحكمة رفضت الدعوى بدورها لعدم وجود حكم محكمة أو سند ملكية بحوزة عائلة محمد.
