المزارعون شمال غربي سوريا ومسألة إعادة إحياء الأرض
بعد سنوات من السيطرة الأمنية والعسكرية لقوات النظام، عاد كثير من المهجرين إلى أراضيهم في جنوبي إدلب وشمالي حماة ليجدوا خرابا واسعا وغطاء نباتيا منكوبا. الأشجار التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، من فستق حلبي وزيتون وتين، كانت بمعظمها قد قُطعت أو تُركت حتى يبست. ما لم يطله التحطيب، نال منه الإهمال. المزادات العلنية لاستثمار الأراضي الشاغرة، التي درجت محافظتا حماة وإدلب، على تنظيمها ما بين العامين 2020-2024، كانت قد تسببت باستنزاف الأراضي الزراعية. حيث كانت الأرض تُؤجَّر لمستثمرين لم يهتموا بالعناية بها، بل سارعوا إلى قطف المحاصيل وبيعها، قبل أن تنتهي عقودهم. اليوم، يجد المزارعون العائدون أنفسهم أمام مهمة شبه مستحيلة: إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أشجارهم، أو البدء من جديد.
الضرر الذي لحق بالأراضي الزراعية في هذه المناطق كان واسعاً. ومن خلال أحاديثه مع المزارعين، لاحظ مراسل “سيريا ريبورت” أن قطع الأشجار لم يكن عشوائيا تماماً، بل غالباً ما استهدف أكثر، الأراضي التي تعود ملكيتها لأشخاص منتمين إلى فصائل المعارضة المسلحة. ويضيف ذلك بعدا سياسيا واضحا إلى الدمار الزراعي الحاصل.
في كفرزيتا ومحيطها شمالي حماة، وهي من أبرز مناطق زراعة الفستق الحلبي، تشير تقديرات إحدى ورشات الإنبات إلى أن الضرر طال نحو نصف الأشجار، بين تحطيب مباشر وموت تدريجي. عبد الحميد، أحد المشرفين على هذه الورشة، أوضح أن الأشجار المتبقية تحتاج إلى رعاية مكثفة لتعويض سنوات الجفاف والإهمال، في حين تعمل ورشته على زراعة أشجار جديدة مكان تلك التي فُقدت. منذ سقوط النظام، زرعت ورشة عبد الحميد أكثر من عشرين ألف شجرة، سواء في أراضٍ تعرضت للتحطيب أو اليباس، أو في مساحات زراعية لم تكن مستثمرة من قبل.
هذه الورشات، التي انتشرت حديثا، تعمل بطلب من أصحاب الأراضي، مقابل أجر يُحدد إما على المساحة أو على عدد الأشجار التي تُقلع أو تُزرع أو يعتنى بها. وهي ظاهرة جديدة تعكس تحولا في العلاقة بين المزارع وأرضه، بعد أن فُرضت عليه إعادة الإحياء كضرورة لا كخيار، في ظل غياب شبه تام لأي دعم جماعي أو مؤسسي.
رغم تشابه المناخ والتربة، إلا أن حجم الضرر يختلف من أرض إلى أخرى، بسبب العامل البشري. فقد أظهرت التجربة أن هوية المستثمر لعبت دورا محوريا في العناية بالأشجار: فحين كان المستثمر من أقرباء المالك الأصلي، أبدى حرصا نسبيا على الأرض، أما في حال كان غريبا عنها، فغالبا ما أهملها. ماجد وأعمامه، مثلا، يملكون 15 هكتارا مزروعة بالفستق الحلبي في محيط كفرزيتا. ورغم أنهم اضطروا إلى قلع 150 شجرة وتقليم أكثر من نصف الأشجار الباقية تقليما جائرا سيؤثر على الإنتاج القادم، فإن الخسائر لديهم بقيت أخف نسبيا، كون المستثمر كان من معارفهم. في المقابل، جيرانهم الذين تبلغ مساحة أرضهم 20 هكتارا، خسروا 400 شجرة، بسبب الإهمال من قبل مستثمر غريب.
في كفرنبل جنوب إدلب، لم تكن الخسائر فقط في عدد الأشجار، بل في المشهد الطبيعي نفسه. المنطقة، التي كانت مشهورة بأشجار الزيتون والتين المعمرة، حُوّلت بالكامل إلى منطقة عسكرية مغلقة، بحكم قربها من خطوط التماس. منذ تهجير سكانها في 2019، بدأت عمليات القطع والتحطيب، إلى أن صارت معظم أراضيها جرداء. أبو خالد، أحد سكان معرة حرمة المجاورة، روى كيف قُطعت خمسون شجرة زيتون معمرة كان يملكها قرب منزله، وكانت تنتج سنويا ما يقارب 160 كيلوغراما من الزيت، كمصدر رزق ثابت لعائلته. اليوم، لم يتبق منها شيء.
رغم كل هذه الخسارات، يحاول المزارعون القيام بما في وسعهم. من بقي لديه أغصان قوية، عمد إلى تقليمها وإعادة تأهيلها. ومن خسر كل شيء، بدأ بزراعة شتول جديدة. لكن الجهود فردية، ومبعثرة، ومكلفة. في ظل غياب الدعم، لا مبادرات جماعية واضحة، ولا منظمات تتدخل، ولا حتى إحصاءات رسمية دقيقة. المسؤولون في محافظة إدلب، حين سألهم مراسل “سيريا ريبورت”، اكتفوا بالقول إن عملية إحصاء الأضرار تحتاج إلى وقت ولجان متخصصة، لكن لا شيء على الأرض يوحي بوجود نية حقيقية للبدء بذلك.
ما جرى للأرض في هذه المناطق لا يمكن اختصاره بكلمة “تحطيب”، ولا يُفهم فقط بوصفه دمارا بيئيا. هو امتداد لحرب طويلة طالت الإنسان ومحيطه الحيوي والبيئي. إعادة الإحياء التي يحاولها المزارعون، لا تستهدف فقط إعادة الشجرة، بل إعادة ما تم قطعه عمدا من ذاكرة المكان ومعناه.
