المزارعون العائدون إلى إدلب وحماة يواجهون تحديات الاسترداد والإنتاج
مع سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، توجه أغلب المهجرين قسراً في مخيمات شمال سوريا إلى منازلهم وأراضيهم في بلداتهم في أرياف حماة وإدلب. وفي حالات باتت نمطية، يستعيد المزارعون أراضيهم بشكل فردي، وأحياناً يستعينون بالقوة العسكرية في مناطقهم لإثبات ملكيتهم، وإخراج مستثمريها. معظم تلك الأراضي الزراعية في تلك المناطق، كان قد تم استثمارها خلال السنوات الماضية من قبل آخرين بموجب مزادات علنية. ولم تلاحظ سيريا ريبورت، حتى الآن، حالات اعتراض من قبل المستثمرين، ربما نتيجة للتخوّف من العواقب، أو الرضوخ للأمر الواقع، أو حتى الاعتراف الضمني بحقوق العائدين.
وكانت محافظتا إدلب وحماة، التابعتين لوزارة الإدارة المحلية والخدمات في حكومة النظام السابق، قد سبق وصنفتا تلك الأراضي شاغرة، لأن أصحابها من الغائبين قسرياً عن المنطقة من المُهجّرين إلى مناطق المعارضة شمال غربي سوريا. وفي عملية منظمة وممنهجة، تطورت تدريجياً منذ العام 2020 حتى سقوط النظام نهاية العام 2024، عُرِضَت جميع تلك الأراضي الشاغرة للاستثمار من قبل الغير، عبر مزادات علنية، بما في ذلك الأراضي السليخ وتلك المزروعة بالأشجار المثمرة.
في 10 كانون الثاني 2024، عاد أحمد الخليف، من مخيمات قاح شمالي إدلب إلى أرضه في مدينة محردة غربي حماة، وهي سليخ تبلغ مساحتها هكتاراً واحداً، ليجدها مزروعة باليانسون. وأرض الخليف بالأصل سليخ، لا أشجار فيها، كان يزرعها قبل الثورة بالحبوب، وكان يسقيها أحياناً من القنوات المائية المارة بالقرب منها. توجه الخليف إلى المستثمر الذي كان يزرعها، وهو صاحب الأرض المحاذية له، وطالبه بإعادة أرضه، وتعويضه عن سنوات من الاستثمار غير المتفق عليه. واقترح الخليف على ذلك المستثمر، بتأجيره هكتاراً من أرضه المحاذية، التي تبلغ مساحتها 30 هكتاراً. لم يعترض المستثمر على طلب الخليف، وأعاد له أرضه الأصلية مباشرة، ووافق على تأجيره هكتاراً من أرضه لمدة 10 سنوات، من دون مقابل. واتفق الطرفان على تنظيم عقد إيجار للأرض، وتوثيقه لدى الكاتب بالعدل في مدينة حماة، كضمان قانوني مستقبلي، وفقاً لما ذكره أحمد الخليف لمراسل سيريا ريبورت في المنطقة.
مزارعون آخرون من خان شيخون، التقى بهم مراسل سيريا ريبورت، أكدوا عزمهم رفع دعاوى قضائية ضد مستثمري أراضيهم السابقين، بسبب امتناعهم عن إعطاء أصحاب الأراضي الغائبين أي نسبة من عائدات الإنتاج مُتذرعين بأنهم دفعوا بدلات استثمار للمحافظات حينها.
من جانب آخر، اليوم وبعدما استعاد كثير من أصحاب الحقوق أراضيهم المزروعة بالفستق الحلبي، فإن تحدياً أساسياً يواجههم؛ إعادة إحياء أشجار الفستق الحلبي، التي تحتاج لنحو 15 عاماً لدخول دورة الإنتاج. مثلاً، وجد ماجد قطيني أن بضع عشرات من أشجار الفستق الحلبي الـ350 التي تركها في أرضه شرقي مدينة خان شيخون، قد يبست. قطيني، عمل مباشرة على إزالة حوالي 30 شجرة يابسة، ثم على زراعة أشجار جديدة بدالها، وتقليم الأشجار المتبقية، وإزالة الأغصان اليابسة، وتسميد الحقل، في محاولة لاستعادة حيويته وإنتاجه السابق.
وحالة القطيني ليست فريدة من نوعها، إذ قد يبست كثير من أشجار الفستق الحلبي، في الأراضي المستثمرة، نتيجة عدم عناية المستثمرين بها، بعدما تركوا الأرض بلا فلاحة وتعشيب وسقاية وتسميد. إذ لم يسعّ أي منهم لاستدامة الإنتاج ولا حماية الأشجار، لأن ما يهمه هو مجرد جني الموسم، ولم تلزمهم المحافظات بالعناية بالأرض.
في العام 2022، استثمرت محامية من حمص أرض القطيني. ولكن، بعد اتفاق مع عمه الذي ظلّ مقيماً في مدينة خان شيخون الخاضعة حينها لسيطرة النظام، تمكن القطيني من إدراج أرضه، للاستثمار ضمن المزادات المخصصة للأقارب، وهي تتم غالباً بالتراضي بين الأقرباء. وبذلك، استثمر عم القطيني أرضه، طيلة السنوات الماضية، مقابل اقتسام التكاليف والأرباح. يقول القطيني، لمراسل سيريا ريبورت، بأنه ينوي مطالبة عمّه بتعويض، لأنه يشكك في صحة الحسابات السابقة. لكن القطيني، أما معضلة، فهو يريد حل المسألة بشكل ودي وشخصي مع عمه، من دون اللجوء الى رفع قضية ضده.
وعلى خلاف موسم الفستق الحلبي الذي انتهى جني محصوله قبل سقوط النظام، عاد المزارعون في بلدات ريف حماة الغربي مثل كفرنبودة، حيالين الغاب، والجلمة ليجدوا أراضيهم مزروعة بمحاصيل تحتاج إلى الجني، مثل البطاطا. وهذه الأراضي كانت مستثمرة عبر المزادات العلنية المخصصة للأراضي الشاغرة السليخ، التي نظمتها محافظة حماة للموسم الزراعي 2024-2025. أصحاب الأراضي العائدين، جنوا البطاطا من دون اعتراض المستثمرين، وباعوها لصالحهم. بعضهم طالب مستثمري أراضيهم السابقين بتعويض عن السنوات السابقة.
في مثال آخر، تمكن عشرة فلاحين عائدين من مخيمات متفرقة شمالي إدلب، من زراعة أراضيهم بالقمح الطري، في سهل الغاب شمال غرب حماة، وبالقرب من بلدة جورين التي كانت قاعدة عسكرية لقوات النظام،. ويملك أولئك الفلاحون أراضي متجاورة، كان ضابط من قوات النظام قد وضع يده عليها ويزرعها لصالحه من دون عقد استثمار، منذ العام 2015. بحسب مراسل سيريا ريبورت، ينوي أولئك الفلاحون العشرة المطالبة بتعويض عن السنوات الماضية، حين تسمح الظروف بذلك.
تعكس عودة المزارعين إلى أراضيهم في إدلب وحماة مشهداً متغيراً من الحقوق والاسترداد، حيث يتفاوت التعامل بين الاسترجاع السلمي عبر التفاوض، والمواجهات القانونية المحتملة مع المستثمرين السابقين. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، من إعادة تأهيل الأراضي، إلى تعويضات السنوات الماضية، وصولاً إلى استعادة الإنتاج الزراعي بعد سنوات من الإهمال والاستغلال.
