المرسوم 66 بين دراسته، تجميده، أو الغائه
أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في 4 ديسمبر القرار رقم 14 القاضي بتشكيل لجنة خاصة لمعالجة ملف المرسوم 66 لعام 2012، على أن ترفع اللجنة مقترحاتها وتوصياتها إلى الأمانة العامة. ويأتي قرار تشكيل اللجنة في لحظة حساسة، يتقاطع فيها ملف المرسوم 66 مع نقاش أوسع حول كيفية معالجة السياسات العمرانية التي أُقرت خلال السنوات الماضية، وحدود الاستمرارية أو القطيعة معها في المرحلة الانتقالية. فبينما يُطرح المرسوم من قبل الجهات الرسمية كإطار تنظيمي عمراني قابل للمراجعة، ينظر إليه أصحاب الحقوق والمتضررين باعتباره ملفاً مفتوحاً على أسئلة تتعلق بالإنصاف، وجبر الضرر، وحدود مسؤولية الدولة عن نتائج تطبيقه. ضمن هذا السياق، يصبح مسار اللجنة واختصاصها أحد مفاتيح فهم الاتجاه الذي ستسلكه السلطة الجديدة في التعامل مع هذا النوع من الملفات المعقدة.
ويحيط بعض الغموض بدور الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، سواء لجهة توصيفها القانوني أو لجهة حدود صلاحياتها الفعلية. فعلى الرغم من أنها تُقدَّم رسمياً كجهاز إداري تابع لرئاسة الجمهورية يتولى تسيير الشؤون الإدارية والقانونية والتنسيقية، إلا أن دورها العملي توسّع ليشمل إدارة ملفات وقرارات ذات طابع تنفيذي وسياسي تتداخل مع اختصاصات الوزارات والهيئات الأخرى.
القرار رقم 14، نصّ على تشكيل لجنة مختصة لمعالجة ملف المرسوم 66، برئاسة معاون وزير الإدارة المحلية والبيئة للشؤون الفنية. وتضم اللجنة في عضويتها معاوني وزيري العدل والأشغال العامة والإسكان، إضافة إلى عضو المكتب التنفيذي المختص في مجلس محافظة دمشق، ومدير مديرية المرسوم 66 في محافظة دمشق. كما تضم اللجنة المدير التنفيذي لشركة دمشق الشام القابضة، وممثلاً عن نقابة المحامين، وممثلاً عن نقابة المهندسين، إلى جانب خبير عقاري يسميه وزير الأشغال العامة والإسكان، وخبيرين يمثلان المالكين في المنطقتين التنظيميتين ماروتا سيتي وباسيليا، يتم تسميتهما بالتنسيق أصولاً مع محافظة دمشق.
وبحسب القرار، كُلّفت اللجنة بدراسة ومراجعة الإجراءات المتخذة خلال مراحل تنفيذ المرسوم، من حيث تمثيل الحقوق، والتثبت من الحلول المتعلقة بالتظلمات الناتجة عنه، ووضع المقترحات والتوصيات اللازمة لمعالجة الإشكالات القائمة. وحدد القرار مهلة شهر لإنجاز أعمال اللجنة، مع إتاحة الاستعانة بمن تراه مناسباً من خبراء أو من أهالي المنطقتين، على أن تُرفع النتائج النهائية إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية.
بموجب المرسوم 66 لعام 2012 تُقام منطقتان تنظيميتان في مدينة دمشق، وفق مخططات عمرانية جديد، على أن يتم تعويض أصحاب الحقوق من مالكي العقارات المرخصة أصولاً بأسهم تنظيمية في المقاسم السكنية المخصصة للبناء. ويحق لهؤلاء الاكتتاب على المقاسم التنظيمية، بعد تجميع أسهمهم التنظيمية، فتصدر المحافظة قرار تخصيص لهم. بعد ذلك، يمكن لأصحاب الحقوق بناء مقاسمهم السكنية، على نفقتهم. بينما أصحاب المساكن غير المرخصة وأصحاب الأراضي الزراعية، في المنطقة قبل التنظيم، فيحق لهم الاكتتاب على سكن بديل، غير مجاني.
من جهة آخرى، لم يبدِ عدد من أصحاب الحقوق، المشمولين بالمرسوم 66، ارتياحاً لتشكيل اللجنة، معتبرين أنها خطوة شكلية لا تستجيب لمطالبهم الأساسية. محمد، وهو أحد المتضررين، قال لسيريا ريبورت، إن تشكيل اللجنة لا يمكن اعتباره إجراءً إصلاحياً، معتبراً أن المطالب تتعلق بمراجعة الحقوق ضمن إطار العدالة الانتقالية وبما ينص عليه الدستور، وليس عبر لجان يرى أنها تؤدي إلى تسويف الحل بدلاً من معالجته.
من جهته، اعتبر أبو سامر، وهو رجل في الخمسين من عمره وصاحب منزل ضمن منطقة المرسوم 66، أن تشكيل اللجنة لا يشكل استجابة حقيقية لمطالب الأهالي. وأضاف أن الحل يمكن أن يكون مباشراً عبر إصدار مرسوم بإنهاء العمل بالمرسوم الحالي، ثم مناقشة الخطوات اللاحقة، مشيراً إلى أن بقاء المرسوم قائماً مع الاكتفاء بتشكيل لجنة يفتح الباب أمام استمرار العمل به، وهو ما يبقي مخاوف الأهالي قائمة.
أما خالد، وهو أيضاً من أصحاب المساكن في منطقة المرسوم، فأشار إلى أن الأهالي خرجوا في احتجاجات عدة وطالبوا بإسقاط المرسوم، من دون أن يؤدي ذلك إلى نتائج ملموسة، باستثناء تشكيل لجان جديدة. ولفت إلى أن الأهالي يدركون تعقيد الملف، لكنهم يعتبرون أن الانتظار وتشكيل اللجان يشكلان مبرراً للمماطلة، في حين يرون أن إصدار مرسوم يلغي المرسوم القائم يشكل خطوة أكثر جدية لمعالجة الملف.
بالتوازي مع تشكيل اللجنة، يؤكد مسؤول إداري مطلع على الملف في محافظة دمشق، لمراسل سيريا ريبورت، أن العمل في مشروع ماروتا سيتي متوقف بشكل كامل في المرحلة الراهنة. المصدر يشير إلى أن هذا التوقف يأتي في إطار التعامل الحذر مع تداعيات تطبيق المرسوم، ولا سيما الأضرار والانعكاسات المجتمعية التي ترتبت عليه. وأوضح المصدر أن المحافظة لن تنتقل إلى استكمال العمل في المنطقة التنظيمية الثانية باسيليا سيتي، قبل صدور قرار واضح بشأن مصير المرسوم، سواء من رئاسة الجمهورية أو من مجلس الشعب، مشيراً إلى أن أي خطوة لاحقة ستبقى مرتبطة بالقرار النهائي المتعلق بالإبقاء على المرسوم أو إلغائه أو استبداله بإطار قانوني جديد.
وكان محافظ دمشق ماهر مروان إدلبي، قد أعلن في 20 أكتوبر، تجميد العمل في مشروع باسيليا سيتي، حتى عرض المرسوم 66 لعام 2012 على مجلس الشعب للبت فيه، باعتبار أنه ليس من صلاحيات المحافظة تعديله أو إلغائه. وأوضح حينها المحافظ أن العمل يجري على تشكيل لجنة فنية متخصصة من الجهات المعنية والنقابات ذات الصلة، ومشاركة ممثلين عن أهالي منطقتي المرسوم 66، لإيجاد الحلول والمقترحات وتقديم التوصيات اللازمة لرد المظالم.
وفي هذا السياق، اقتصر النشاط القائم في المنطقة التنظيمية الأولى ماروتا سيتي، بحسب مراسل سيريا ريبورت، خلال الفترة الماضية على تنفيذ بعض الأعمال التدعيمية المحدودة لعدد من الأبراج، بهدف الحفاظ على السلامة الإنشائية فقط، من دون استئناف أعمال البناء أو التوسع في المشروع. هذه الإجراءات لا تعكس استمرارية في التنفيذ، بحسب ما قاله المصدر في محافظة دمشق للمراسل، بل تهدف إلى منع تدهور الوضع الإنشائي للأبنية المنفذة جزئياً إلى حين حسم ملف المرسوم 66.
خلال زيارات ميدانية لمراسل سيريا ريبورت في منطقة ماروتا سيتي، خلال الأسبوع الأول من ديسمبر الجاري، بدت الأعمال متوقفة بشكل كامل، من دون وجود أي حركة بناء أو ورشات عمل نشطة داخل المشروع. واقتصر الحضور في المنطقة على عدد من الحراس المكلفين بحماية بعض المواد والمعدات العائدة لأعمال البناء، في ظل غياب تام للآليات والعمال.
من جانبها، عبّرت رابطة إسقاط المرسوم 66 عن موقف رافض للاكتفاء بتجميد العمل أو إدخال تعديلات على المرسوم. المحامية آية سعيدة، عضو الرابطة، قالت لسيريا ريبورت، إن أي خطوة تعترف بتظلمات المتضررين تُعد إيجابية من حيث المبدأ، لكنها شددت على أن استعادة الحقوق لا يمكن أن تتم عبر لجان شكلية، بل من خلال مسار واضح يستند إلى العدالة الانتقالية والحق في الملكية.
وأوضحت سعيدة أن مطلب الرابطة لا يقتصر على تجميد المرسوم 66، بل يتمثل بإلغائه بالكامل، معتبرة أنه يشكل انتهاكاً صريحاً للحق في الملكية ومخالفة للإعلان الدستوري. وأضافت أن المرسوم يمثل إحدى الركائز التي استُخدمت في سياق التهجير القسري الذي تعرض له أهالي المناطق المنظمة بموجب المرسوم. وبحسب سعيدة، فإن البديل عن المرسوم لا يكون بتعديل نصوصه أو آليات تطبيقه، بل بإلغائه وإعادة الأراضي والحقوق إلى أصحابها، مع اعتماد مسار لجبر الضرر يضمن إعادة الحقوق والتعويض العادل للمتضررين.
