اللاذقية بعد المجازر: لا عودة إلى الريف، ولا بيت في المدينة
في غرفة صغيرة فوق سطح مبنى قديم في حي الرمل الشمالي بمدينة اللاذقية، تجلس أم وليد على فرشة إسفنجية مهترئة. ابنها الأصغر يتقلب بجانبها، بينما يحاول أربعة أطفال آخرين النوم وسط ضجيج المولدات وروائح الطبخ من أحد أطراف الغرفة. منذ أكثر من أسبوعين، والعائلة المكونة من 14 فرداً تعيش في هذا المكان الضيق، بعدما فرت من قريتهم المحترقة في ريف الحفة.
“هربنا بحالنا، بس ما قدرنا ناخد شي معنا غير كم غرض وولادنا”، تقول المرأة بصوت خافت. زوجها وأخوها قُتلا في المجزرة، ولم يتبق لها سوى هذا الملجأ المؤقت الذي وفره قريب بعيد في المدينة. لا معونات، لا طعام كافٍ، ولا أفق قريب للعودة.
كانت المجازر الدموية في ريف اللاذقية مطلع آذار 2025، والتي ارتكبتها قوات وزارة الدفاع السورية، وغالبيتها فصائل سلفية تقودها هيئة تحرير الشام، والتي بدأت كقمع لحركة تمرد مسلحة قادها أنصار النظام السابق، قبل أن تتحول إلى انتهاكات أوسع نطاقاً امتدت على كامل المناطق الجبلية الممتدة من كسب إلى جبلة، والتي تقطنها غالبية علوية. في بيان صدر بتاريخ 29 آذار 2025، أعلنت مجموعة السلم الأهلي في حمص أنها وثّقت مقتل 1743 مدنياً في الساحل السوري بين 6 و10 آذار، من بينهم أطفال وعائلات بأكملها، ينتمون إلى 62 قرية وبلدة وحيّ. وذكر البيان أن الفريق تمكن من توثيق أسماء 1013 ضحية حتى لحظة صدوره، مع الإشارة إلى أن العدد مرشح للارتفاع بسبب وجود عدد كبير من المفقودين. واستندت عملية التوثيق إلى ثلاث ركائز منهجية: التواصل المباشر مع ذوي الضحايا، مقابلة مصادر محلية داخل المنطقة، ودراسة السياق والبيئة المحيطة بالحادثة بشكل شامل، مع التقاطع الدقيق بين مختلف الشهادات والمصادر، مع مراعاة سرية البيانات وسلامة الشهود، وضمان استقلالية وحيادية العمل.
لم تترك الهجمات خلفها فقط قتلى فقط، بل دفعت آلاف العائلات لترك كل شيء خلفها والفرار إلى المجهول. كما أن غياب الأمن واستمرار الفوضى في معظم القرى، ترافق مع انعدام الاستجابة الإغاثية الطارئة. لم تُفتح مراكز إيواء، ولم تصل أي مساعدات عاجلة إلى الناجين. وحدها القاعدة الروسية في حميميم فتحت أبوابها مؤقتاً أمام عدة آلاف، وفرت لهم الغذاء والمأوى لأيام معدودة، قبل أن تغلقها وتتحول إلى منصة لقاءات حكومية تُناقش “تنظيم عودة اللاجئين” دون تقديم أي حلول فعلية للنازحين.
في شوارع مدينة اللاذقية، تتكدس العائلات في منازل الأقارب والمعارف، وسط غياب أي دعم. المبادرات الأهلية، رغم صدقها، لا ترتقي إلى مستوى الحاجة. وفي ظل تعذر العودة إلى الريف المنكوب، بدأت مئات العائلات بالبحث عن إقامة طويلة داخل المدينة، ما تسبب بانفجار أزمة الإيجارات.
يقول أبو علي، وهو وسيط عقاري يعمل في حي الزراعة، إن أسعار الإيجارات “جنّت”. ويضيف: “كنا نتوقع تنزل الأسعار بعد ما سقط النظام، ويفضى البلد شوي. بس اللي صار العكس تماماً”. اليوم، يفرض المالكون شروطاً جديدة على المستأجرين: الدفع بالدولار أو ما يعادله، عقود قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر، وتأمين مرتفع، مع تحديد عدد السكان المسموح به داخل كل وحدة سكنية. يقول أحد المستأجرين الجدد: “طلبوا مني 800 دولار مقدماً لعقد 6 شهور، وشرط إنه ما نكون أكتر من 4 بالغرفة!”
ارتفعت الإيجارات بنسبة 40 إلى 50 بالمئة خلال شهر واحد فقط. في ضواحي المدينة، وصل متوسط الإيجار إلى 70 دولار شهرياً، بينما تخطى 250 دولار في الأحياء الأقرب إلى المركز، كالصليبة والشيخ ضاهر. هذا في ظل غياب كامل لفرص العمل أو الاستقرار الاقتصادي، ما جعل حياة النازحين على شفير الانهيار.
سبق للاذقية أن استقبلت موجات نزوح كبرى خلال الحرب السورية، من حلب وإدلب وحمص، ولاحقاً من جنوب لبنان خلال العدوان الإسرائيلي الأخير. آنذاك، ساعد الريف المحيط والمنتجعات الصيفية في تخفيف الضغط عن المدينة. لكن الوضع اليوم مختلف. أبناء الريف أنفسهم هم النازحون هذه المرة، فارين بأجسادهم من الموت، خاسرين كل شيء، حتى بيوتهم وأراضيهم الزراعية التي كانت بالكاد تؤمّن لقمة العيش.
أما المنتجعات، فقد تحوّل بعضها إلى مقار لفصائل عسكرية وفدت حديثاً إلى الساحل، فيما بقي بعضها الآخر مهجوراً، بلا كهرباء ولا ماء، ولا أمان.
وسط هذا الواقع القاتم، تعيش العائلات حالة قلق دائم حول المستقبل. العودة إلى القرى غير ممكنة حالياً، لا من حيث الأمان ولا من حيث البنية التحتية. تحتاج المناطق المدمرة إلى جهود حكومية أو دعم أممي حقيقي، لإعادة إعمار المنازل وتأهيل الخدمات، وإحياء الأراضي الزراعية التي كانت تمثل الشريان الاقتصادي لسكان الريف.
في ظل غياب أي بدائل أخرى، تلجأ العائلات إلى التشارك في السكن مع أقرباء أو حتى مع غرباء. في شقق صغيرة لا تتجاوز غرفتين، قد تعيش ثلاث عائلات معاً، يتزاحمون في المساحات الضيقة، وينام الأطفال على الأرض، بينما تتناوب النساء على مطبخ بالكاد يتّسع لشخص واحد. يسود المكان توتر دائم، وإحساس ثقيل بأنهم باتوا “عبئاً” لا قدرة لأحد على تحمّله.
هذه الأزمة المعقدة لا يمكن تجاوزها بمبادرات فردية، بل تتطلب توفير حلول سكنية واقعية، وخطط دعم جدية لإعادة تأهيل الريف المنكوب. ينبغي تمكين العائلات من العودة إلى أراضيها، واستعادة منازلها ومحالها التجارية، لا سيما أن كثيرًا منها فقدت معيلها الأساسي. خلال المجازر الأخيرة، تركزت أعمال القتل على الذكور البالغين، تاركة النساء والأطفال وحدهم، بلا حماية، ولا ضمانات، ولا حتى سقف آمن.
