اللاذقية: استيلاء فصيل مسلح على شاليهات في رأس شمرا
مع سقوط النظام وانهيار مؤسساته الأمنية والعسكرية، شهدت محافظة اللاذقية موجة من الفوضى والنهب لأملاك عامة ومؤسسات حكومية، وأيضاً غصباً واستيلاءً على أملاك شخصيات مقربة من النظام السابق، خاصة ممن فروا خارج البلاد.
لم تسلم المنتجعات السياحية، خاصة تلك القريبة من المدينة، من موجة النهب. العديد من العقارات تعرضت لمحاولات السرقة والاستحواذ، سواء من قبل السكان المحليين الذين دفعتهم الظروف الاقتصادية الصعبة، أو من قبل مجموعات مسلحة. ومع دخول بعض فصائل “عملية ردع العدوان” إلى اللاذقية، تم وقف أعمال النهب العشوائية. لكن ذلك لم يمنع وقوع عمليات غصب عقارات، خاصة تلك المملوكة لمسؤولي وضباط نظام الأسد الهاربين، والتي لم تتعرض للدمار أو التخريب، حيث تم تحويلها إلى مراكز إقامة للفصائل المسلحة التي سيطرت على المحافظة منذ سقوط النظام، والعاملة ضمن غرفة عمليات ردع العدوان تحت إدارة هيئة تحرير الشام. ومن أبرز تلك المواقع التي تم الاستيلاء عليها منتجع رأس شمرا.
منتجع رأس شمرا: التطور التاريخي والمكانة الاقتصادية والاجتماعية
يقع منتجع رأس شمرا على بعد 20 كيلومتراً شمالي مدينة اللاذقية، في موقع استراتيجي على الطريق المؤدي إلى القصر الرئاسي الصيفي. أنشئ المنتجع في الأصل بداية الثمانينات كمشروع سكني لرابطة خريجي الدراسات العليا، التي كان يرأسها رفعت الأسد، شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد. نفذت المشروع مؤسسة الإسكان العسكرية في الثمانينات. لكن مع حلّ الرابطة في 1984، بعد النزاع بين الرئيس الأسبق حافظ الأسد وشقيقه رفعت، تحوّل المشروع إلى جمعية سكنية مصنّفة كمنتجع، يديرها مالكوها عبر “هيئة شاغرين”، تقوم بانتخاب لجنة إدارية مسؤولة عن إدارة المنتجع.
توسّع المنتجع مع مرور السنوات، وأصبح يضم حوالي 300 شاليه، بينها ما هو طابقي كجزء من بناء متعدد الطوابق، تتراوح مساحة كل منها حوالي 85 متر مربع. وأخرى منفصلة بشكل كامل، وبمساحة تصل لحوالي ضعف العقار الطابقي.
خلال الألفية الثانية، شهد المنتجع ازدهاراً ملحوظاً، حيث ارتفعت أسعار العقارات فيه بشكل كبير، بفضل موقعه المتميز وكونه منطقة سكنية راقية. هذه العوامل جذبت بعض أبرز وجوه النظام السابق مثل مجد الأسد، الأخ الأصغر للرئيس المخلوع بشار الأسد، وابن عمه منذر الأسد، اللذين اشتريا عدة شاليهات في المنتجع، رغم قلة تواجدهما فيها.
وعلى الرغم من تأثره بالحرب بسبب غلاء المحروقات وصعوبة الوصول إليه، إلا أنه تحول خلال سنوات الحرب إلى قبلة للنازحين الأغنياء من حلب وريفها. إذ بلغ إيجار العقار جيد التجهيز حوالي 50 دولاراً يومياً في الصيف.
فصيل مسلح يستولي على شاليهات في المنتجع
بعد دخول فصائل ردع العدوان، في ديسمبر الماضي إلى اللاذقية، ونتيجة لموقع منتجع رأس شمرا في المدخل الشمالي للمدينة، استولى قيادي في فصيل الحزب الاسلامي التركستاني، ملقب بـأبو خالد التركماني على أحد أكبر الشاليهات في المنتجع. وتعود ملكية هذا الشاليه لرجل الأعمال المهيمن عبود، وهو معروف بنشاطاته الاقتصادية غير الشرعية في مجال تجارة التهريب، وبعلاقاته الوطيدة مع ضباط ومسؤولين في نظام الأسد. ويتكون الشاليه من ثلاثة طوابق، بمساحة تزيد عن 100 متر مربع للطابق الواحد، وهو مجهز بشكل يجعله قابلاً للسكن صيفاً وشتاء. هذا الشاليه بعيد قليلاً عن بقية الشاليهات، وإلى جانبه مساحة واسعة استعملت ككراج للسيارات.
أبو خالد التركماني، وضع يده أيضاً على خمسة شاليهات أخرى ليست مملوكة لهاربين أو مطلوبين للإدارة الجديدة. وقد تم اختيار هذه الشاليهات كونها مجهزة ومناسبة لإقامة طويلة الأمد. في الأيام الأولى، تعامل أصحاب العقارات المتضررين مع الوضع بحذر، حيث تلقوا وعوداً من الفصيل بأن الإقامة لن تتجاوز عشرة أيام، بهدف “حماية المنتجع وتأمين المنطقة ريثما يستتب الأمن”. لكن هذه المهلة انتهت منذ فترة طويلة، ومع ذلك، لا يزال قادة الفصيل وأفرادهم يقيمون في المنتجع حتى اليوم.
تأثير الاستحواذ على العقارات والسكان
مع استمرار وجود الفصيل داخل المنتجع، بدأت تظهر آثار واضحة على السكان والملاك، حيث تم فرض إجراءات أمنية صارمة تحد من حرية التنقل. إذ فرضت أوقات محددة للدخول والخروج، حتى لأصحاب العقارات أنفسهم. كما فُرضت قيود إضافية، منها منع إدخال أو بيع المشروبات الروحية داخل المنتجع. بالإضافة إلى ذلك، تسببت هذه الإجراءات، بتأجيل أعمال الصيانة الدورية، التي يفترض أن تُجرى عادة في شهر آذار استعداداً للموسم الصيفي. التغييرات أثارت قلق الملاك، الذين يخشون أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى خسارة عقاراتهم، خاصة بالنسبة لأولئك الذين لم يظهروا للمطالبة بها بعد.
مستقبل الملكية والمشهد العقاري في رأس شمرا
في ظل استمرار الغموض حول مستقبل المنتجع، لا يقدم فصيل الحزب الاسلامي التركستاني، أية إشارات على نيته المغادرة قريباً، كما أن الإجراءات الأمنية التي فرضها غيرت طبيعة المكان وأثرت على جاذبيته الاستثمارية. هذه المشكلة ليست فريدة من نوعها، بل تتكرر في عدة مناطق في المحافظة، لكن ما يميز منتجع رأس شمرا هو الطابع الخاص الذي فرضه الفصيل وأمنيوه، والذي يؤثر بشكل مباشر على بيئة المكان، وحركة الايجارات فيه، ومستقبل السياحة الموسمية، التي يعتمد عليها أصحاب العقارات.
