اللاجئون اللبنانيون في حمص وسط مخاوف أهلية من استهداف الطيران الإسرائيلي لهم
التخوفات الأهلية من إمكانية استهداف الطيران الإسرائيلي، للاجئين اللبنانيين الوافدين حديثاً إلى مدينة حمص، على خلفية انتماء بعضهم لحزب الله اللبناني، حالت دون استضافتهم في بعض المناطق. في حالات متعددة، طلب الأهالي من المستأجرين اللبنانيين القدماء، المعروف انتمائهم للحزب، مغادرة مساكنهم التي يستأجرونها.
وكانت ميليشيات تابعة للحرس الثوري الإيراني، ومنها حزب الله اللبناني، تدخلت في القتال إلى جانب قوات النظام ضد فصائل المعارضة المسلحة في مدينة حمص، بعيد اندلاع ثورة العام 2011. وبينما سكن أغلب الإيرانيين في غرف فندقية، مثل فندق سفير حمص في حي الإنشاءات، وفندق حمص الكبير على طريق دمشق، فإن عناصر وأعضاء حزب الله اللبناني استأجروا مساكن وسط مدينة حمص كالإنشاءات والحمراء والملعب البلدي، أو في الأحياء ذات الغالبية العلوية كالزهرة ووادي الذهب، أو وضعوا يدهم على أملاك شاغرة للمهجرين قسرياً عن المنطقة. ومع انتهاء العمليات المسلحة في مدينة حمص، في العام 2014، بقي جزء كبير من أولئك اللبنانيين والإيرانيين، في المدينة، وسط تقبّل أهلي خاصة من العلويين لحضورهم.
لكن، منذ بدأت إسرائيل استهداف قادة الحرس الثوري وحزب الله في سوريا، بدا المزاج العام أقل تقبلاً لوجود هؤلاء الأجانب. في شباط 2024، استهدف الطيران الإسرائيلي بناء في حي الحمرا، أكثر الأحياء الراقية في مدينة حمص، ما تسبب بهدمه، ومقتل ثمانية أشخاص، بينهم مستأجران إيرانيان، سرت أنباء بأنهما من الحرس الثوري الإيراني.
مروة، امرأة خمسينية تعيش في حي وادي الذهب في مدينة حمص، وكان عمّها قد أجر منزله المجاور لها منذ 3 أعوام، لعنصرين من حزب الله. وحي وادي الذهب هو عشوائية تقع جنوبي مدينة حمص، وغالبية سكانه من العلويين. الحي تحول خلال فترة الثورة السورية إلى منطقة تنشط فيها ميليشيا الدفاع الوطني الموالية، حيث أقامت في الحي سجناً لها، وبضعة مواقع عسكرية. ولذلك، استقطب الحي الكثير من عناصر وقادة حزب الله اللبناني للسكن فيه. وبعد انتشار مخاوف من استهداف الطيران الإسرائيلي عناصر الحزب في سوريا، طلبت مروة، من عمها الحديث مع المستأجرين ومطالبتهم بترك المنزل. وبالفعل، استجاب العناصر لطلب صاحب المنزل وأخلياه. وشجّع ذلك أهالي الحي، لمطالبة بقية المستأجرين، المشتبه بانتمائهم للحزب اللبناني، بالإخلاء. تقول مروة، لسيريا ريبورت، أن أحداً لم يكن يتجرأ على مطالبة عناصر الحزب المستأجرين في الحي بالمغادرة، قبل حادثة تفجير أجهزة البيجر الخاصة بأعضاء الحزب في لبنان في أيلول 2024، وما تبع ذلك من استهداف قيادات الحزب وعناصره على امتداد الأراضي اللبنانية، وأيضاً في بعض الحالات في سوريا.
في المقابل، ومنذ بدء العملية العسكرية البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، مطلع أكتوبر الجاري، وفد إلى حي وادي الذهب لاجئون لبنانيون، بغرض السكن والاستئجار. مصادر محلية قالت لسيريا ريبورت أن كثيراً من أهالي الحي، يخشون تأجير أي عائلة لاجئة تضم ذكوراً بالغين، بسبب صعوبة التأكد أنهم ليسوا منتمين لحزب الله. وما يدفع الناس في أحياء حمص الشعبية، لتأجير اللبنانيين رغم المخاطر الممكنة، أن غالبية اللاجئين يدفعون بالدولار بدلات الإيجار التي ارتفعت بشكل ملحوظ. حالياً، في وادي الذهب تبلغ قيمة إيجار المسكن غير المفروش 200 دولار، والمفروش 400 دولار، بعدما كانت لا تتجاوز 700 ألف ليرة للشقة غير المفروشة (42 دولاراً)، والمليون ونصف للمفروش (103 دولارات). معظم العقود مع اللبنانيين، تكون لمدي إيجار 3 أشهر، والدفع يكون سلفاً.
وما ينطبق على أحياء مدينة حمص الفقيرة، العشوائية أو الطرفية، لا ينطبق على المناطق المنظمة وسط المدينة. إذ مع زيادة عدد اللاجئين اللبنانيين الوافدين إلى مدينة حمص، انتشرت إشاعة بأن توجيهاً أمنياً قد تم تعميمه على المكاتب العقارية في المدينة، بعدم تأجير أي عائلة لبنانية حتى لو كانت مؤلفة فقط من النساء والأطفال. سيريا ريبورت تواصلت مع عدد من العاملين في مكاتب عقارية في مدينة حمص، ممن أشاروا إلى تفضيلهم عدم تأجير اللاجئين اللبنانيين لأن مراكز إيواء محددة قد خصصت لهم. أياً من أولئك العاملين في المكاتب العقارية، لم يؤكد أو ينفي، وجود توجيه أمني بعدم تأجير اللبنانيين. هذه الإجابات غير الواضحة، تعكس مستوى التوتر السائد في المدينة، وسط غموض يسود العلاقة بين النظام وحزب الله على خلفية عدم مشاركة النظام في القتال ضد إسرائيل.
وبشكل مماثل لوادي الذهب، حي الزاهرة، وهو عشوائية كبيرة شرقي مدينة حمص، تسكنها غالبية علوية يعمل كثير منهم في مؤسسات القطاع العام، خاصة في الأجهزة الأمنية والعسكرية. الحي شهد منذ العام 2013 حضوراً كثيفاً لأعضاء حزب الله اللبناني، وأيضاً لإيرانيين عاملين مع الحرس الثوري الإيراني، ممن استأجروا فيه أو وضعوا أيدهم على عقارات الغائبين خاصة من عشائر البدو السنّة الذين نزحوا عنه. إذ أن العشوائية شهدت صراعاً مسلحاً، اتخذ طابعاً أهلياً بين ميليشياته العلوية ضد فصائل المعارضة المسلحة في الأحياء المجاورة ذات الغالبية السنية. وانخرط كثير من شبابه في القتال ضمن ميليشيات موالية للنظام، أو حتى مباشرة في ميليشيا حزب الله اللبناني. منذ اكتوبر 2023، بدأ المزاج العام في الحي يميل إلى التعبير عن الانزعاج من التواجد الإيراني ولحزب الله، وسط مخاوف من انتقال الصراع بين إيران وميليشياتها وبين إسرائيل، إلى الحي.
سمر، امرأة ثلاثينية، وقريبة أحد قادة ميليشيا الدفاع الوطني في حي الزاهرة، الذي قاتل إلى جانب حزب الله ضد المعارضة، قالت لسيريا ريبورت، أن العلويين اليوم يخشون الوجود الإيراني، وكذلك لعناصر حزب الله، أكثر من مخاوفهم من المعارضة المسلحة بأضعاف. وتشير سمر، إلى أن الخوف يعود بشكل رئيسي، إلى اقتناع أهالي الحي، بغياب الدولة السورية، وضعف النظام، وعدم وجود أي وسائل بيدهم للحد من النفوذ الإيراني. بحسب سمر، إن حضور الميليشيات الموالية لإيران، كان سابقاً مرحباً به، تحت عنوان “الدفاع عن سوريا في وجه المؤامرة الإرهابية عليها”، لكنه بات اليوم غير مرحب به.
عوض، شاب ثلاثيني من الطائفة العلوية، موظف في دائرة رسمية في مدينة حمص، من سكان حي الزهرة، روى لسيريا ريبورت، أن شخصاً إيرانياً غير معروف، اشترى منذ سنة قطعة أرض معدة للبناء في الحي، وبدأ بإنشاء بناء سكني مرخص عليها. مؤخراً، ووسط أنباء متواترة عن ارتباط هذا الشخص بالحرس الثوري الإيراني، بدأ الناس يبدون رغبتهم برحيل هذا الشخص من الحي. ووسط عدم تجاوب أي جهة رسمية معهم، زار وفد من أهالي الحي، الرجل الإيراني، وحاولوا معرفة خلفيته، وطالبوه بالمغادرة بسبب خشيتهم من استهداف بناءه، أو اتخاذه ذريعة لاستهداف الحي. الإيراني لم يستجب للأهالي، وأبدى عدم مبالاة بمطلبهم. بعدها، شكل الأهالي وفداً ضم مشايخ علويين ووجاء، لمقابلة محافظ حمص، وطلبوا منه التدخل للضغط على الإيراني للمغادرة. وسرت أنباء بأن المحافظ استدعى الإيراني، وطلب منه وقف العمل في الموقع، ومغادرة الحي. وهذا ما حدث، رغم عدم القدرة على التأكد من تدخل المحافظ بشكل شخصي ومقابلته لهذا الإيراني.
ووسط هذا الحذر الذي يبديه العلويون لإسكان النازحين اللبنانيين في مناطقهم، يبدو بأن الوافدين اللبنانيين، خاصة الشيعة منهم، يفضلون التوجه إلى حي العباسية في حمص، وهو عشوائية شرقي المدينة باتت خلال العامين الأخيرين، منطقة نفوذ للميليشيات الشيعية المسلحة. العشوائية استقطبت خلال سنوات النزاع المسلح 2012-2016 الكثير من الشيعة الوافدين إليها، من قرى وبلدات أرياف حمص وادلب وحلب. جزء من أولئك كانوا من النازحين قسرياً من بلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب حيث سيطرت عليهما المعارضة، وهجّرت سكانهما قسرياً. وينتمي كثير من سكان العباسية لحزب الله علناً، ويتنقلون بمواكب مسلحة تحمل رايات الحزب. كما ينشط بعض تجار المخدرات في الحي، ويتعاونون مع منتجي المخدرات في منطقة البقاع اللبنانية، وكذلك الحدود السورية اللبنانية، التي يسيطر عليها حزب الله. خلال العامين الماضيين ترك كثير من العلويين مساكنهم في العباسية، وانتقلوا للسكن في مناطق أخرى ضمن مدينة حمص.
وإذا كانت الأحياء ذات الغالبية العلوية في حمص، ما زالت تستقبل النازحين اللبنانيين، بعد التأكد من عدم انتمائهم لحزب الله، فهذا الأمر مختلف في بعض الأحياء ذات الغالبية المسيحية. مثلاً، في حي الأرمن، المحاذي لحي الزهرة، طلب الأهالي المسيحيين، من معارفهم من الوجهاء العلويين في مدينة حمص، المساعدة للاستعلام عن هويات اللبنانيين القاطنين في حي الأرمن. وبالفعل، تشكل وفد من الوجهاء العلويين، وطلبوا من كل المستأجرين غير السوريين، في حي الأرمن المغادرة.
