القصف الروسي يقيّد وصول أهالي إدلب إلى ممتلكاتهم
تسببت موجة القصف الكثيفة التي نفذتها الطائرات الحربية الروسية، وأيضاً القصف المدفعي وهجمات باستخدام المسيرات من قبل قوات النظام، في أكتوبر الماضي، بدمار طال مرافق حيوية عامة، ومنشآت ومساكن خاصة، في مناطق سيطرة حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام في إدلب وحلب، ما تسبب بتضررها جزئياً أو كلياً. القصف تسبب أيضاً بتخويف المزارعين، وإعاقة وصولهم إلى أراضيهم لجني محصول الزيتون.
ورغم تراجع حدة القصف في نوفمبر الجاري، إلا أن عمليات الاستطلاع الجوية باستخدام الطائرات المسيرة والحربية فوق مناطق سيطرة حكومة الإنقاذ، خاصة في جبل الزاوية وريف حلب الغربي، ما زالت تقيّد حركة المدنيين خشية رصدهم واستهدافهم. في 31 أكتوبر، استهدفت قوات النظام بالمدفعية الثقيلة أراضي زراعية في محيط بلدات النيرب ومعارة النعسان وسرمين شرقي إدلب، ودارة عزة والشيخ سليمان غربي حلب.
في 31 أكتوبر أيضاً، تعرضت ورشة لقطاف الزيتون بالقرب من مدينة النيرب لهجوم بطائرة مسيرة انتحارية أطلقتها قوات النظام من قواعدها في مدينة سراقب. بحسب فريق منسقو استجابة سوريا، فقد استخدمت قوات النظام 874 طائرة مسيرة انتحارية لمهاجمة أهداف في إدلب وحلب، منذ مطلع العام 2024. ويشرف ضباط وتقنيون من القوات الروسية على استخدام الطائرات المسيرة الانتحارية. ويتم تدريب مجموعات مختصة من قوات النظام عليها. ويتم استخدام تلك المسيرات الانتحارية، بتوجيه من طائرات استطلاع، يمكنها لو أرادت التمييز بدقة بين الأهداف المدنية والعسكرية.
الموجة الأكبر من القصف وقعت ما بين 14-17 أكتوبر، عبر 122 هجوماً جوياً ومدفعياً، استهدف بعضها مساكن ومتاجر وأراضي زراعية، بحسب بيان أصدره نائب المنسق الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية ديفيد كاردن، في 17 أكتوبر. وبحسب مراسل سيريا ريبورت فالهجمات استهدفت مواقع كثيرة عسكرية ومدنية في مناطق المعارضة. ورغم توقف الهجمات بالطيران الحربي الروسي، إلا أن القصف المدفعي والهجمات بالطائرات المسيرة من قبل قوات النظام المتمركزة بريف إدلب الشرقي، ما زالت مستمرة.
مراسل سيريا ريبورت قال بأن نحو 45 غارة جوية نفذها الطيران الحربي الروسي، على مناطق مختلفة في إدلب، ما بين 14-17 أكتوبر، في كل مرة منها أغارت طائرتان حربيتان روسيتان، بوقت متزامن على هدف واحد. وتنفذ الطائرات الروسية طلعات جوية على شكل أسراب، كل منها يضم 6 طائرات سوخوي su35 أو su24. وزارة الإدارة المحلية والخدمات التابعة لحكومة الإنقاذ، قالت في بيان لها أن القصف استهدف 62 منزلاً في مدن وبلدات إدلب وكفرنوران والاتارب والسحارة وتقاد ورحاب والابزمو ودارة عزة والبارة ودير سنبل ومعر بليت. وأدى القصف لدمار كامل أو جزئي للمنازل والممتلكات المستهدفة. ومن الملاحظ استخدام صواريخ ذات قوة تدميرية كبيرة، تركت أضراراً واضحة على السلامة الانشائية للأبنية المستهدفة التي لم تتعرض للانهيار الكامل.
وبسبب ذلك التصعيد، تشهد المدن والبلدات القريبة من خطوط التماس بين قوات المعارضة والنظام، في ريف حلب الغربي وإدلب الشرقي، حركة نزوح مستمرة للمدنيين باتجاه داخل إدلب او المناطق القريبة من الحدود مع تركيا، أو الى مناطق سيطرة الجيش الوطني المدعوم من تركيا شمال غربي حلب. ويحدث كل ذلك وسط أنباء عن احتمال وقوع معارك جديدة في المنطقة، تعززها التحضيرات العسكرية للطرفين. وحتى نهاية أكتوبر الماضي، نزح 1843 شخصاً من 37 قرية وبلدة في المنطقة، بحسب ما قاله منسقو استجابة سوريا.
وعدا عن النزوح، يعيق التصعيد المزارعين في تلك المناطق من الوصول إلى أراضيهم لجني محصول الزيتون. من أولئك، عبد الله، من بلدة كفرعويد جنوبي إدلب، الذي يخشى الاقتراب من أرضه البالغة مساحتها 6 دونمات والمزروعة بـ100 شجرة زيتون. عبدالله، اضطر للاستعانة بورشة لقطاف الزيتون بعدما نزحت عائلته من المنطقة، ما حمله تكاليف إضافية. وتستغل تلك الورشات فترات انقطاع القصف للقيام بأعمالها. حال عبدالله ليست كحال من نزحوا مؤخراً إلى مخيمات شمالي إدلب، الذين تتعرض أراضيهم المزروعة بالزيتون للسرقة. إذ أن النزوح الكثيف من المنطقة القريبة من خطوط التماس جنوبي إدلب، جعلها أكثر عرضة للاعتداءات. البلدة التي كان تعدادها سابقاً 18 ألف نسمة، لا يسكنها اليوم أكثر من 100 شخص.
في كفرعويد أيضاً، تسببت غارة جوية في 17 أكتوبر بحفرة كبيرة قطرها لا يقل عن 6 أمتار في أرض مزروعة بالتين مساحتها 7 دونمات، لصاحبها علي الأحمد، ما تسبب باقتلاع بضعة أشجار. وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها ارض علي الأحمد، للقصف. في العام 2022 تعرضت الأرض لغارة مماثلة. وليس مفهوماً سبب استهداف هذه الأرض، لكن علي، يقول لمراسل سيريا ريبورت، أنه يظن بأن الغارات تستهدف أرضه لأن هناك مدجنة مهجورة مجاورة لأرضه، ربما يعتقد الروس أنها مستودعاً للأسلحة أو مقراً عسكرياً، رغم أنها مهجورة منذ نحو 7 سنوات.
القصف الجوي طال بشكل مركز، المنشآت المقامة في الأراضي الزراعية، وأكثرها مداجن ومعاصر زيتون، وكذلك أية مواقع تشهد حضوراً بشرياً، كمنشرة للحجر في منطقة الهباط غربي مدينة معرة مصرين. المنشرة التي تبلغ مساحتها 5 دونمات، يملكها أحد سكان مدينة معرة مصرين، تقع بالقرب من مخيم الياسمين. وقد تعرضت المنشرة للقصف في 16 أكتوبر الماضي، بغارة تسببت بهدم سقفها والمستودع، وتضرر ساحة جمع وفرز الكتل الحجرية. كما تعرضت بعض المداجن والمستودعات والمنازل المتطرفة عن البلدات والقرى لغارات مماثلة. وهذه المواقع تعتبر بمثابة أهداف دائمة يواصل الطيران الروسي قصفها، حتى أحجم كثير من أصحابها عن زيارتها أو ترميمها.
من جهته، الفلاح فياض، فضّل إعطاء أراضيه المزروعة بالزيتون، والممتدة على مساحة هكتار، في عدة مناطق في محيط بلدة كفرعويد، لورشة قطاف خوفاً من القصف. وتأخذ الورشة ما بين ثلث ونصف الإنتاج، على أن تتحمل مخاطر الاستهداف. والورشة تضم عائلات بأكملها، يتقاضي واحدهم 200 ليرة تركية في اليوم.
على طريق عين شيب غربي إدلب، تسبب القصف بصواريخ شديدة الانفجار، في 16 أكتوبر بتدمير ورشة لتصنيع الأثاث الخشبي، مكونة من طابقين، وكان يعمل فيها نحو 70 عاملاً على ورديتين، ما تسبب بقتل 10 منهم. ويملك الورشة شخص من آل البلشة، وهي مقامة على أرض خاصة. فرق الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء” عملت 24 ساعة لانتشال المصابين والقتلى من بين الأنقاض باستخدام معدات يدوية وآليات ثقيلة.
في 14 أكتوبر استهدف الطيران بغارتين محطة لتحويل الكهرباء في منطقة عين الزرقا غربي إدلب، ما تسبب بتدمير محولتين باستطاعة 40 MVA (ميغا فولت أمبير)، وغرفة التحكم والقواطع الرئيسة، وإلحاق أضرار بالغة في البناء. وكانت حكومة الإنقاذ قد جددت المحطة وأعادت تشغيلها منذ عامين تقريبا. وكانت هذه المحطة تغذي مضخات المياه في نبع عين الزرقا، ما تسبب بقطع مياه الشرب عن عشرات القرى، وقطع مياه الري عن حوالي 10 آلاف هكتار من الأرض الزراعية بحسب ما نشرته وزارة الزراعة والري في حكومة الإنقاذ في صفحتها في فيس بوك في 16 أكتوبر.
