القابون بين الدمار وإعادة التنظيم: من الهدم الممنهج إلى التخطيط العمراني
بعد سنوات من تغطية أخبار الدمار وإعادة التنظيم في حي القابون الدمشقي، تمكن مراسل “سيريا ريبورت” من معاينة الوضع مباشرة بعد سقوط النظام. فاق مشهد الدمار كل التصورات السابقة، مع مناطق سكنية ممسوحة بالكامل.
وبحسب المراسل، ينحصر الدمار في أربع مناطق رئيسية تحيط بالحي وتمتد داخله لمسافات كبيرة: أولاً، المنطقة الممتدة من مركز انطلاق البولمان وصولاً إلى فرع المخابرات الجوية قرب مدخل مدينة حرستا. ثانياً، المنطقة الممتدة من البعلة الملاصقة للبساتين غرب حرستا وصولاً إلى جسر الحوارنة وسط القابون. ثالثاً، الشريط الملاصق للأوتستراد الدولي بعمق حوالي 500 متر. رابعاً، منطقة شارع النهر، من المسجد الكبير حتى دوار البلدية.
الهدم الممنهج منذ 2012
سيطرت فصائل المعارضة على حي القابون بين عامي 2012 و2017، ما دفع النظام إلى اعتماد سياسة الهدم الممنهج، خاصة بسبب قرب الحي من ساحة العباسيين في قلب العاصمة، وخشية تحوله إلى قاعدة متقدمة للمعارضة. في البداية، استهدفت عمليات الهدم إبعاد الفصائل عن دمشق عبر منعها من استخدام المباني للتسلل، التمركز، القنص، أو قصف العاصمة. لاحقاً، توسعت عمليات الهدم لتوسيع الطرق الاستراتيجية بين دمشق ومناطق حيوية في غوطة دمشق، وتأمين خطوط الإمداد إليها.
بدأت عمليات الهدم في يوليو 2012 بعد اندلاع المعارك الأولى، مستهدفة نحو 2000 منزل ومحل تجاري، امتدت من فرع المخابرات الجوية قرب حرستا حتى مؤسسة الكهرباء الجديدة وكازية حجازي. في 2013، توقفت عمليات الهدم مؤقتاً بعد سيطرة المعارضة على المنطقة الصناعية، لكنها استؤنفت نهاية العام ذاته بعد استعادة النظام السيطرة عليها، حيث طالت عمليات الهدم ما تبقى من المباني وصولاً إلى كراجات البولمان والشركة الخماسية. المنطقة السكنية المعروفة بـ “فوق الأوتستراد”، تعرضت خلال معارك العام 2013 لدمار واسع، خصوصاً في محيط الأوتستراد الدولي، حيث دمر النظام قطاع صالة المهند بالكامل. بين شباط وأيار 2017، توسع الدمار مع تجدد المعارك العنيفة، حيث استخدم النظام صواريخ الفيل وخراطيم TNT التي تطلقها كاسحة الألغام الروسية UR-7، ما أدى إلى تدمير شبه كامل لمناطق البعلة، مشروع علوان، والشريط المحاذي لأوتستراد دمشق-حمص. في 2017، استعادت قوات النظام السيطرة على الحي بموجب اتفاق مصالحة وتهجير قسري، حيث بقي فيه نحو 130 عائلة فقط، بعد تهجير 400 عائلة إلى إدلب، ونزوح آلاف العائلات الأخرى إلى دمشق وريفها أو إلى الخارج.
إعادة التنظيم والتخطيط
بعد خروج المعارضة، بدأت محافظة دمشق عملية تخطيط لتنظيم الحي، في حين تواصلت تدريجياً عمليات هدم لمناطق واسعة من الحي. وشمل التخطيط منطقتين رئيسيتين:
أولاً؛ القابون الصناعية
صدر المرسوم رقم 237 في 14 أيلول 2021، الخاص بإحداث منطقة تنظيم مدخل دمشق الشمالي، وفق أحكام القانون 10 لعام 2018 القاضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية. ونصّ المرسوم 237 على إحداث المنطقة التنظيمية استناداً للمخطط التنظيمي التفصيلي رقم 104 لمنطقة القابون الصناعية، الصادر والمصدق في حزيران 2019. أي أن المنطقة التنظيمية المحدثة بالمرسوم 237، تضم بشكل رئيسي منطقة القابون الصناعية، بالإضافة إلى مساحة 50 هكتاراً مقتطعة من مدينة حرستا بريف دمشق. وعدّل المرسوم 237 الصفة التنظيمية العمرانية للمنطقة من صناعية وزراعية، إلى سكنية وتجارية. المخطط التنظيمي رقم 104 كان قد أعطى لشركة دمشق الشام القابضة المساهمة المغفلة التابعة لمحافظة دمشق والمفوضة إدارة أملاكها، الحق بتكليف إحدى شركات الإدارة التابعة لها، بمهام إدارة المنطقة التنظيمية في القابون الصناعية، وتنفيذها والإشراف عليها وإبرام كافة العقود اللازمة.
ثانياً؛ القابون السكنية
أعلنت محافظة دمشق في حزيران 2020، عن صدور المخطط التنظيمي التفصيلي رقم 105 لمنطقة القابون السكنية، بموجب أحكام قانون تخطيط وعمران المدن رقم 23 لعام 2015. ولم يشمل المخطط منطقة أبو جرش السكنية المنظمة غربي القابون، والتي بقيت تحت سيطرة النظام خلال الحرب، وكذلك عشوائية حي تشرين شمالي القابون والتي تعرضت لتدمير واسع النطاق خلال الحرب. المحافظة وافقت على المخطط في تموز 2020، وفتحت باب الاعتراض عليه لمدة شهر. وكان يفترض بعد ذلك دراسة الاعتراضات، وتصديق المخطط 105، وإصداره بمرسوم خاص على غرار ما حدث في القابون الصناعية، وهذا ما لم يحدث بعد. ولم تبرر محافظة دمشق سبب كل التأخير الحاصل في تصديق مخطط القابون السكنية. والقانون 23 يُعطي للوحدة الإدارية عدة خيارات لتنظيم مناطق العشوائيات: أولاً؛ تطبيق أحكام القانون 23 عليها. ثانياً، تطبيق أحكام قانون التطوير والاستثمار العقاري رقم 15 لعام 2008 وتعديلاته بناء على اتفاق بين المطور العقاري والمالكين أو بين المطور العقاري والجهة الإدارية. ثالثاً؛ تطبيق أحكام قانون الاستملاك النافذ لتنفيذ المخطط التنظيمي لهذه المنطقة.
الهدم الممنهج بعد التهجير
بالتوازي مع عمليات التخطيط، بدأت عملية هدم ونهب منظمة، أشرف عليها علي محمود العامر، الملقب بـ”الحوت”، وهو أحد مقاتلي الوحدات الخاصة، التي قاتلت في معارك القابون إلى جانب الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري. بعد انتهاء خدمته العسكرية في 2018، بدأ الحوت بالعمل كمتعهد للهدم واستخراج الحديد، عبر عقود مع ضباط الفرقة الرابعة، حيث التزم ببيع الحديد المستخرج لصالح الفرقة حصرياً.
مع إخلاء مناطق مشروع علوان، البعلة، الأوتستراد، وحي تشرين، أصبحت هذه المناطق هدفاً رئيسياً لأعمال الهدم والنهب. أشرف الحوت على إدخال الآليات الثقيلة لهدم المباني، وجلب عمال متخصصين لتكسير الأسقف والأعمدة الخرسانية واستخراج الحديد. وقد توزعت نقاط تجميع الحديد على عدة مواقع، أبرزها: البعلة مقابل مؤسسة الكهرباء، وفي وسط الحي بالقرب من معهد أوغاريت، وبالقرب من الأوتستراد الدولي بجوار شركة سيرونيكس.
بعد التجميع، كان الحديد يُنقل إلى “القبان” ليُوزن، وتُدفع أجور العمال بناءً على الوزن، حيث كان الحوت يدفع 500 إلى 1500 ليرة سورية لكل كيلوغرام. وفقاً لشهادات من الحي، كانت الشاحنات تفرغ الحديد في معامل محمد حمشو لإعادة تصنيعه في عدرا الصناعية.
رغم العقود التي تضمن احتكاره لجمع الحديد لصالح الفرقة الرابعة، لم يلتزم الحوت بها بالكامل، حيث كان يستقطع كميات من الحديد لبيعها في السوق السوداء بعيداً عن إشراف الفرقة. استمرت عمليات التحميل والنقل بمعدل شاحنتين يومياً، حتى سقوط النظام. غادرت آخر شاحنتين صباح 7 ديسمبر.
خاتمة
يعدّ حي القابون واحدًا من أكثر المناطق تضرراً جراء الصراع، حيث مر بمراحل متتالية من المعارك، والدمار، والتهجير القسري، ثم عمليات إعادة التنظيم التي تثير جدلاً واسعاً. والأسئلة اليوم تتعلق بمدى قدرة السكان الأصليين على العودة، وإمكانيات إعادة إعمار المنطقة وتحقيق العدالة الاجتماعية. القابون ليس مجرد منطقة جغرافية، بل قصة معقدة تعكس مسار الحرب في سوريا وتداعياتها المستمرة.
