العودة إلى الركام: تحديات الترميم وإعادة التأهيل
بعد سنوات من النزوح واللجوء القسري، أتاح سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 فرصة جديدة لعودة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم وبيوتهم. غير أن هذه العودة لا تزال محفوفة بالتحديات، إذ تصطدم بواقع الأضرار الواسعة التي لحقت بالمساكن، والقدرة المحدودة للكثيرين على ترميمها، في ظل أزمات اقتصادية خانقة وغياب آليات دعم واضحة. وبينما يسعى البعض إلى إعادة تأهيل منازلهم، فإن غياب إطار قانوني وتنظيمي يزيد من المخاطر، سواء لناحية فقدان الحقوق السكنية نتيجة مشكلات الملكية، أو من خلال عمليات ترميم غير منظمة قد تهدد السلامة العامة. في هذا السياق، يصبح الحديث عن إعادة الإعمار وإصلاح السياسات العقارية ضرورة ملحة، ليس فقط لضمان عودة آمنة ومستدامة، بل أيضاً لمعالجة الفجوات القانونية والإدارية التي قد تعيق استقرار العائدين. في هذا المقال، يوضح الخبير العمراني معن كفا كيف يمكن إعادة تأهيل المساكن المتضررة دون الوقوع في فوضى عشوائية، وما هي الخطوات اللازمة لضمان سياسات عادلة ومستدامة تسهّل العودة وتحقق الاستقرار.
عوائق عودة اللاجئين والنازحين
رغم انتهاء حقبة نظام الأسد التي منعت عودة كثير من السوريين إلى ديارهم، لا تزال عودة النازحين واللاجئين تصطدم بعوائق مادية وقانونية واجتماعية تجعلها بعيدة المنال لكثيرين. فالدمار الذي لحق بالمساكن خلال سنوات الحرب، سواء بشكل جزئي أو كلي، يجعلها غير صالحة للسكن، في وقت يعاني فيه معظم العائدين من أوضاع اقتصادية متردية تحول دون قدرتهم على الترميم أو إعادة البناء. وبغياب خطط دعم حقيقية أو برامج مساعدة شاملة، تظل العودة ممكنة فقط لمن يملكون موارد مالية كافية، بينما يبقى الأكثر ضعفاً في مواجهة خيارين: العيش في منازل غير آمنة أو البقاء في حالة النزوح.
إلى جانب التحديات المادية، يواجه العديد من النازحين واللاجئين عوائق قانونية مرتبطة بإثبات ملكيتهم لمنازلهم، خاصة في ظل غياب وثائق رسمية أو فقدانها خلال سنوات النزوح. كثيرون كانوا يسكنون في مناطق عشوائية قبل الحرب، وليس لديهم لإثبات ملكيتهم سوى عقود بيع غير موثقة، ما يجعل استعادة مساكنهم أمراً بالغ التعقيد. وفي ظل هذه المعطيات، تتحول العودة من حلم إلى معضلة، تطرح أسئلة ملحة حول كيفية معالجة هذه العوائق وضمان حق السكن للعائدين دون أن تظل العودة امتيازاً لفئة محدودة فقط.
في غياب سياسات واضحة لتنظيم عودة اللاجئين والنازحين، تبرز العودة إلى العشوائيات كأحد أكبر المخاطر التي تهدد الاستقرار الاجتماعي والسكني. فكثيرون من هذه المناطق بدأوا بمواجهة معضلات قانونية معقدة، بعدما وجدوا أن آخرين يقطنون منازلهم بموجب عقود شراء مزورة، أو بوضع اليد. عائدون آخرون، اضطروا للاستيلاء على مساكن شاغرة ليست لهم. كل ذلك يفتح الباب أمام نزاعات عقارية واجتماعية لا نهاية لها. كما أن عدم وجود آليات رسمية للتحقق من حقوق السكن يترك المجال واسعاً لعمليات الاحتيال والاستحواذ غير المشروع على الممتلكات، مما يزيد من تعقيد مشهد العودة بدلاً من تسهيله.
إلى جانب ذلك، فإن العودة إلى المساكن المتضررة، خاصة في العشوائيات، من دون إجراء رقابة هندسية مسبقة، تشكل خطراً مباشراً على حياة السكان. فالكثير من المنازل المتضررة جزئياً قد تكون غير صالحة للسكن بسبب أضرار هيكلية تهدد بانهيارها في أي لحظة. وفي ظل غياب معايير واضحة للسلامة، قد تتحول بعض الأحياء إلى مناطق خطرة غير مؤهلة لاستقبال السكان، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة بدلاً من حلها. كل ذلك يجعل من الضروري وضع ضوابط تنظيمية قبل فتح الباب أمام العودة، بحيث تكون هذه العملية مدروسة وآمنة، بدلاً من أن تتحول إلى فوضى تعيد إنتاج التهجير بطريقة مختلفة.
إعادة تأهيل المنازل المدمرة جزئياً دون إطار ناظم
لا يقتصر التحدي في عودة اللاجئين والنازحين على مجرد فتح الباب أمامهم، بل يمتد إلى ضرورة ضمان عودة آمنة ومستدامة من خلال إعادة تأهيل المساكن المتضررة وفق معايير واضحة. يختلف حجم الأضرار التي لحقت بالمنازل، فبعضها يحتاج إلى إصلاحات بسيطة، بينما هناك منازل أخرى تعرضت لأضرار هيكلية تجعلها غير صالحة للسكن دون عمليات ترميم واسعة. ومع غياب آلية مركزية لتنظيم هذه العملية، يلجأ البعض إلى ترميم منازلهم بجهود فردية، في حين يظل كثيرون عاجزين عن تحمل التكاليف، ما يهدد بإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي بين القادرين على العودة ومن يضطرون للبقاء في النزوح.
إلى جانب ذلك، فإن غياب رقابة هندسية على عمليات الترميم يخلق خطراً حقيقياً على السلامة العامة، حيث قد يتم تنفيذ إصلاحات غير مدروسة تؤدي إلى انهيارات مستقبلية، خاصة في المناطق التي تعرضت للقصف أو الدمار الكبير. الحلول المؤقتة التي يلجأ إليها السكان قد تؤدي إلى تفاقم المشكلة بدلاً من حلها، ما يجعل من الضروري وضع إطار تنظيمي يشمل لجاناً هندسية متخصصة لمراقبة عمليات الترميم، وتقديم دعم تقني ومادي للأسر غير القادرة على تحمل التكاليف، بحيث لا تتحول العودة إلى مجرد محاولة للبقاء في مساكن غير آمنة.
ربط إعادة تأهيل المساكن المتضررة بالسياسات المستقبلية
إعادة ترميم المنازل المتضررة لا يمكن أن تكون مجرد استجابة طارئة، بل يجب أن تندرج ضمن رؤية أوسع تعالج المشكلات البنيوية المرتبطة بالإسكان والملكية في سوريا. فالعديد من المنازل المتضررة تقع في مناطق عشوائية أو تفتقر إلى التخطيط العمراني السليم، ما يفرض ضرورة دمج إعادة التأهيل ضمن سياسات طويلة المدى تعيد تنظيم هذه المناطق وتضمن حقوق سكانها. غياب إطار قانوني واضح يجعل من الترميم عملية محفوفة بالمخاطر، خاصة في ظل استمرار القوانين المقيّدة، مثل المرسوم 40 لعام 2012 الذي يجرّم أي أعمال بناء من دون ترخيص، ما يعني أن الكثير من العائدين قد يواجهون تهديدات قانونية حتى بعد ترميم منازلهم.
إلى جانب ذلك، فإن إعادة الإعمار دون ضوابط تفتح الباب أمام المضاربة العقارية واستغلال حاجة السكان، ما يستدعي تبني سياسات تحمي الحق في السكن وتمنع تحول عملية الترميم إلى فرصة لتحقيق مكاسب غير مشروعة. إصدار تشريعات تضمن حماية حقوق الملكية، وإيجاد آليات لتعويض المتضررين، وربط إعادة الإعمار بسياسات تنموية تضمن الاستقرار الاجتماعي، كلها خطوات ضرورية لضمان ألا تتحول العودة إلى مجرد محاولة فردية للبقاء في مساكن مؤقتة، بل إلى جزء من مشروع إعادة بناء يرسخ العدالة ويمنع إعادة إنتاج الأزمة في المستقبل.
نحو رؤية شاملة لإعادة التأهيل
لضمان عودة آمنة ومستدامة، لا بد من اعتماد آليات تقييم دقيقة للأضرار، تجمع بين المسوحات الهندسية الميدانية واستخدام الطائرات المسيرة لتحليل المناطق المتضررة وربطها بخرائط رقمية لتحديد حجم الدمار وتوجيه جهود الترميم بشكل أكثر كفاءة. كما أن إشراك النقابات المهنية ولجان من المهندسين المتطوعين في عمليات الترميم يضمن الحد الأدنى من معايير السلامة، خاصة في المناطق العشوائية التي تعاني من غياب التخطيط العمراني السليم. وفي ظل تفاوت القدرة المالية للعائدين، يصبح من الضروري أن تعمل الوحدات الإدارية بالتنسيق مع المجالس المحلية على تحديد الأسر الأكثر فقراً وتأمين موارد لدعمها، سواء من السوريين في الخارج أو عبر الجهات المانحة. لكن أي جهود لإعادة التأهيل ستظل مقيدة بوجود قوانين معوقة مثل المرسوم 40 لعام 2012، ما يستدعي إقرار تشريعات استثنائية تسمح للعائدين بإصلاح مساكنهم ضمن إطار قانوني منظم. ويمكن الاستفادة من تجارب سابقة، مثل المسوحات التقييمية التي أُجريت بعد زلزال 2023 في حلب، لوضع منهجية موحدة تضمن عدالة توزيع الموارد، وتحد من المخاطر التي قد تنتج عن عمليات الترميم العشوائية.
استعادة السكن بين التحديات والحلول الممكنة
لا يمكن اختزال عودة اللاجئين والنازحين إلى سوريا بمجرد قرار سياسي أو رغبة شخصية، بل هي عملية معقدة تتطلب معالجة جذرية للعقبات التي تعترضها، من الأوضاع الاقتصادية المتردية إلى غياب الدعم القانوني والتنظيمي. فإعادة تأهيل المنازل المدمرة جزئياً دون إطار واضح قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى والمخاطر، سواء لناحية فقدان الحقوق السكنية أو تعرض العائدين للإقامة في مساكن غير آمنة. وفي ظل غياب رؤية شاملة، قد تتحول العودة من حل إلى أزمة جديدة تعيد إنتاج النزوح بشكل آخر.
لذلك، لا بد من سياسات واضحة ومنظمة تضمن حق الجميع في السكن، بعيداً عن العشوائية أو التمييز، عبر دعم مشاريع إعادة التأهيل، وضبط عمليات الترميم وفق معايير السلامة، وتوفير حلول قانونية للفئات الأكثر ضعفاً. فنجاح العودة لا يقاس فقط بعدد العائدين، بل بمدى قدرتهم على الاستقرار في بيئة آمنة تحفظ حقوقهم وتمنحهم فرصة حقيقية لإعادة بناء حياتهم من جديد.
