العدالة المؤجلة: كيف تدير الإدارة الانتقالية ملف السكن والأرض والملكية في سوريا؟
يمكنكم تحميل نسخة PDF من هذا التقرير هنا.
مؤلف هذا التقرير هو مازن عزي، محرر قسم حقوق السكن الأرض والملكية في سيريا ريبورت.
ملخص تنفيذي
تحلل هذه الورقة كيفية تعامل الإدارة الانتقالية مع ملف السكن والأرض والملكية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، ويُشير إلى استمرار الانتهاكات رغم بعض الخطوات الإيجابية الأولية التي اتخذتها الحكومة الانتقالية. ورغم إدراك صعوبة المرحلة وقصر المدة الزمنية على تسلم الإدارة الجديدة للسلطة، تبقى المعالجة الراهنة ظرفية ومرحلية، دون رؤية موحدة أو مسار حقوقي واضح.
تبدأ الورقة برصد التحديات المرتبطة بعودة النازحين، والتي ما تزال محكومة بالعشوائية وغياب التخطيط القانوني والمؤسساتي، وغياب خطة وطنية لتنظيم هذا الملف الشائك، وافتقار السياسات إلى أي بعد حقوقي أو ضمانات تتيح استقراراً حقيقياً للعائدين. وتُعدّ تعقيدات رخص الترميم وغياب سياسة إزالة الأنقاض أبرز المعوقات، إذ يتحمّل السكان عبء الترميم بشكل فردي، في ظل غياب الدعم المؤسسي أو أي تخطيط رسمي. وتبرز الورقة الحاجة إلى إحداث مكاتب ميدانية، كعيادات قانونية وهندسية، تساعد في تقييم السلامة الإنشائية، وتوثيق الحقوق.
وتناقش الورقة استمرار العمل بالترسانة القانونية التي استخدمها النظام السابق لنزع الملكية، كالحجز الاحتياطي والموافقات الأمنية وأحكام محكمة الإرهاب، دون أي محاولة لتفكيكها أو معالجة آثارها. فرغم إصدار مرسوم لرفع بعض قرارات الحجز، لم تترافق الإجراءات مع خطوات جذرية لتفكيك البنية القانونية نفسها أو صياغة بدائل عادلة. ما يدل على غياب إرادة سياسية واضحة لاسترداد الحقوق المصادرة. كما تتبع الورقة قرارات وزارتي المالية والعدل، المتضاربة أحياناً، والخاصة إلغاء بعض مفاعيل الأحكام القضائية التي سبق وأصدرتها محاكم خاصة وتضمنت مصادرة الأملاك، وكذلك المرسوم الخاص بإعادة تشكيل لجنة قضائية للنظر في اعتراضات المتضررين من القرارات العرفية بمصادرة الأملاك. وتوضح الورقة كيف بقي رد الممتلكات رهين لوائح اسمية وانتقائية بلا إطار تشريعي جامع ما يحد من أثرها على مسار العدالة.
وتتناول الورقة ملف العقارات المستولى عليها، حيث أُنشئت لجان محلية في حمص وحلب وحماة لمعالجة الشكاوى، لكنها تفتقر لصلاحيات قضائية ولا تعمل وفق معايير موحدة، ما يحد من فعاليتها. وتُظهر النزاعات بين المالكين العائدين والشاغلين الحاليين هشاشة الوضع القانوني، لا سيما في حالات الشراء بحسن نية لعقارات تم غصبها سابقاً أو تزوير وثائقها.
وتوثق الورقة أنماطاً جديدة من الانتهاكات بعد سقوط النظام، طالت ممتلكات العلويين والدروز وسكان مشاريع السكن الاجتماعي، على خلفيات طائفية أو سياسية أو إدارية، دون وجود مسار للمساءلة أو آليات لحماية الفئات الأضعف. وتُظهر هذه الانتهاكات بنية مستمرة من الفوضى وضعف الرقابة وغياب المعايير القانونية، حتى حين تتم باسم إعادة الحقوق.
تخلص الورقة إلى أن ضمان العدالة العقارية لا يتحقق بإجراءات إدارية معزولة، بل يتطلب مساراً مؤسسياً متكاملاً يتضمن تعليق الموافقات الأمنية، إلغاء آثار محكمة الإرهاب على الملكيات، تأسيس هيئة مستقلة للعدالة العقارية، تبني سياسة إسكانية انتقالية عادلة، وتجميد التصرف بالأملاك المتأثرة بالنزاع لحين تنظيم عملية شفافة. إذ أن العدالة العقارية هي ركيزة للثقة المجتمعية والاستقرار السياسي في المرحلة الانتقالية.
مقدمة
منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، دخلت سوريا طوراً انتقالياً محفوفاً بتحديات قانونية وسياسية كبرى، ليس أقلها ملف العدالة العقارية. هذا الملف الذي راكم النظام السابق فيه انتهاكات ممنهجة على مدى عقود، لم يحظَ بعد بسياق مؤسساتي واضح لمعالجته، رغم حجم التعقيدات التي تركها خلفه، وتعدد أنماط الانتهاكات، من الاستيلاء وغصب العقارات، إلى حجز أملاك المعارضين احتياطياً ومصادرة بعضهما بموجب أحكام محكمة الإرهاب، إلى تدمير مناطق سكنية وتهجير قسري لسكانها.
خلال الأشهر الأولى التي تلت سقوط النظام، اتخذت الحكومة الانتقالية بعض الخطوات المهمة في هذا الملف، كرفع عدد من قرارات الحجز الاحتياطي، ومعالجة بعض قضايا الغصب، وفتح مسارات إدارية لتيسير العودة. غير أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، بقيت محدودة وغير كافية، وغلب عليها الطابع الإجرائي المجزأ، من دون أن تواكبها رؤية سياسية متماسكة أو مقاربة قانونية موحدة. ولا يمكن تجاهل أن الحكومة الانتقالية لم يمضِ على تسلّمها للسلطة سوى بضعة أشهر، وأن العديد من هذه القضايا لا يمكن معالجتها جذرياً دون وجود سلطة تشريعية فاعلة تُقر الأطر القانونية اللازمة.
في هذا السياق، لا تبرز المشكلة فقط في استمرار مفاعيل الانتهاكات القديمة، بل أيضاً في أن المرحلة الانتقالية شهدت بحد ذاتها أنماطاً جديدة من الانتهاك، بعضها نُفذ على يد جهات أمنية وعسكرية تتبع للإدارة الحالية. وبين معالجة ناقصة لقرارات الحجز، واستمرار العمل بالموافقات الأمنية، وظهور لجان محلية تعمل بلا صلاحيات واضحة، بدا أن استرداد الحقوق يُدار بآليات متفرقة تفتقر إلى الانسجام، وتُركت للمعالجة الفردية أو الظرفية، دون أفق تشريعي أو رؤية وطنية موحدة.
تنطلق هذه الورقة من فرضية أن العدالة العقارية في المرحلة الانتقالية لا تزال تُعامل كملف إداري طارئ، لا كقضية سياسية وجوهرية في مسار الانتقال. ومن هنا، تسعى للإجابة على السؤال التالي: كيف أدارت الحكومة الانتقالية ملف العدالة العقارية في الأشهر الأولى التي تلت سقوط النظام، وما الذي تكشفه هذه الإدارة عن موقع هذا الملف في سلم أولوياتها السياسية؟
لم تترافق نهاية حكم نظام الأسد في ديسمبر 2024 مع نهاية الانتهاكات في مجال السكن والأرض والملكية. بل على العكس، واجهت الإدارة الانتقالية الجديدة، التي تسلمت السلطة في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة، تركة ثقيلة من الانتهاكات الممنهجة التي راكمها النظام السابق على مدى عقود. وفي ظل هذه التحديات، اتخذت الحكومة الانتقالية بعض الخطوات الأولية لمعالجة الملفات الأشد إلحاحاً، كرفع بعض قرارات الحجز الاحتياطي، أو فتح مسارات إدارية لاسترداد الملكيات المغتصبة، أو تيسير العودة في بعض المناطق. ولا يمكن تجاهل أن الحكومة الانتقالية لم يمضِ على تسلّمها للسلطة سوى بضعة أشهر، وأن العديد من هذه القضايا لا يمكن معالجتها جذرياً دون وجود سلطة تشريعية فاعلة تُقر الأطر القانونية اللازمة.
لكن هذه الخطوات، رغم أهميتها، غلبت عليها العشوائية، وبقيت محكومة باستجابات ظرفية وغير متجانسة، ولم تُواكب برؤية قانونية موحدة أو سياسات حقوقية شاملة. بل ظهر، في بعض الحالات، أن الجهات الإدارية والعسكرية التابعة للحكومة نفسها مارست أنماطاً جديدة من الانتهاك، سواء عبر الاستيلاء غير المنظّم على الممتلكات، أو عبر ممارسات ذات طابع تمييزي في بعض المناطق، أو من خلال الإخلال بمبدأ الحماية القانونية للفئات الأشد هشاشة. وتُظهر هذه الورقة أن التردد في معالجة موروث الانتهاكات ضمن إطار مؤسساتي شفاف، وعدم تفكيك البنى الاستثنائية التي استخدمها النظام السابق لنزع الملكية، يهددان بتحويل المرحلة الانتقالية إلى استمرارية لانعدام العدالة، بدل أن تكون فرصة لبنائها.
تسعى هذه الورقة إلى ملء الفراغ في فهم العلاقة بين السلطة الانتقالية وحقوق الملكية في سوريا، من خلال تحليل السياسات المتبعة على الأرض، وتوثيق أنماط الانتهاكات المستجدة، واقتراح مسار مؤسسي بديل يراعي العدالة العقارية كأحد ركائز الانتقال العادل. للإجابة على هذا السؤال، يتوزع التحليل في هذه الورقة، على أربعة محاور مترابطة: عودة النازحين وتحديات استعادة السكن؛ استرداد الملكيات المسلوبة خلال عهد النظام؛ الغصب العقاري في ظل غياب معالجة مركزية؛ وأخيراً أنماط الانتهاكات الجديدة بعد سقوط النظام.
وتكشف القراءة الميدانية لهذه الملفات، التي استندت إلى عشرات المقالات التحليلية والتقارير الإخبارية المنشورة في قسم حقوق السكن، الأرض والملكية، في سيريا ريبورت، بين ديسمبر 2024 وتموز 2025، أن المعضلة لا تكمن فقط في شحّ الموارد أو بطء الاستجابة، بل في غياب المقاربة السياسية الحاسمة لاستعادة الحقوق العقارية، ومنع تكرار الانتهاكات لها. ويُظهر التقييم العام أن التردد في معالجة موروث الانتهاكات ضمن إطار مؤسساتي شفاف، وعدم تفكيك البنى الاستثنائية التي استخدمها النظام السابق لنزع الملكية، يهددان بتحويل المرحلة الانتقالية إلى استمرارية لانعدام العدالة، بدل أن تكون فرصة لبنائها. ولذلك، يهدف هذا البحث إلى ملء الفراغ في فهم العلاقة بين السلطة الانتقالية وحقوق الملكية في سوريا، من خلال تحليل السياسات المتبعة على الأرض، وتوثيق أنماط الانتهاكات المستجدة، واقتراح مسار مؤسسي بديل يراعي العدالة العقارية كأحد ركائز الانتقال العادل. هذه الورقة تتوقف بالتفصيل عند قرارات وزارتي العدل والمالية أرقام 682 و100 و121 و975 و963 الصادرة بين أيار وتموز 2025 باعتبارها دراسة حالة تكشف حدود هذه المعالجات.
أولاً؛ عودة النازحين وتحديات استعادة حقوقهم
رغم عودة عشرات آلاف النازحين محلياً، واللاجئين في الخارج، إلى مناطقهم الأصلية منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، فإن مسار العودة لا يزال محكوماً بالتعثر والعشوائية، ويخضع لاشتراطات ميدانية وإدارية لا ترقى إلى مستوى الاستحقاق الحقوقي المطلوب. فحتى اليوم، لم تبادر الحكومة الانتقالية، ولا المجالس المحلية المنبثقة عنها، إلى وضع خطة وطنية واضحة لتنظيم هذه العودة، أو تهيئة الشروط القانونية والإجرائية التي تسمح باستقرار سكني آمن. في هذا السياق، يُشكّل غياب التخطيط القانوني والمؤسساتي، وتعقيدات الحصول على رخص الترميم، وغياب سياسة منظمة لإزالة الأنقاض، أبرز العقبات التي يواجهها العائدون. يتناول هذا المحور هذه العناوين الثلاثة، بوصفها مكونات مترابطة لأزمة واحدة: فشل إدارة العودة كحق، وتحويلها إلى مسار بيروقراطي مشلول لا يستجيب للحاجة الملحة للسكن، ولا يضمن الحقوق الأساسية للعائدين.
غياب التخطيط القانوني والمؤسساتي لعودة النازحين
منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024 وحتى نهاية مايو 2025، عاد أكثر من مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية داخل سوريا، بحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. كما سُجّلت عودة ما يقارب 513,190 لاجئاً من خارج البلاد، قادمين بشكل رئيسي من دول الجوار مثل لبنان وتركيا والأردن. إلا أن المشكلة المركزية تتمثل في أن العودة تتم، غالباً، دون مراجعة لأسباب النزوح الأصلية، أو ضمانات بعدم تكرارها، دون إطار قانوني يعيد الاعتبار لأصحاب الحقوق في مساكنهم، وخاصة في المناطق التي تعرّضت للدمار أو للتهجير القسري على أساس سياسي أو طائفي. كما أن غياب السياسات العامة لإعادة الإعمار، وانعدام الآليات الرسمية للتحقق من حقوق الملكية، وتضارب صلاحيات المؤسسات، تجعل العودة امتيازاً متاحاً فقط لمن يملك الوثائق، أو يملك القدرة المادية على الترميم، أو يحظى بقبول سياسي أو أمني، ما يعمّق التفاوت ويُهدد بتحويل العودة إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج التهميش والتمييز بدل أن تكون مدخلاً للعدالة.
لم تعلن الحكومة الانتقالية حتى اليوم عن أية خطة رسمية لاستقبال العائدين، أو حتى مبادئ أو أفكار يمكن الاعتماد عليها لتنظيم عملية عودتهم وفق معايير قانونية وإدارية موحدة. كما أن غياب أي مسح شامل لحجم الدمار وتصنيف المساكن وفق قابليتها للسكن، يجعل إجراءات العودة غير قائمة على بيانات دقيقة، ويُعقّد من إمكانية تخصيص الموارد أو تنظيم جهود إعادة الإعمار.
وفي ظل هذا التخبط وعدم الوضوح، ينبغي أن تستند عودة النازحين إلى خطط مدروسة تجمع بين الاستجابة الإسعافية الفورية والسياسات طويلة الأمد، عبر مسح شامل لتحديد المناطق القابلة للسكن أو الترميم، وتصنيف الأضرار، ووضع آليات واضحة لاستقبال العائدين. ومن الضروري تجنّب البناء العشوائي، وتخصيص مواقع مناسبة لإسكان مؤقت في وحدات نظامية أو مراكز إيواء، مع إمكانية استخدام المباني العامة والمرافق الشاغرة التي تمتلكها الدولة بعد تقييم وضعها القانوني، الهندسي، وتهيئتها لصالح العائدين ضمن عقود إيجار مؤقتة وموثقة. يُستحسن أيضاً الاستفادة من الموارد الإقليمية القائمة، مثل البيوت مسبقة الصنع غير المستخدمة في تركيا، وتشجيع الاستثمار المغترب في مشاريع إسكان عادلة ومنظمة. ولضمان العدالة، لا بد من إنشاء آليات سريعة للتحقق من الحقوق العقارية للعائدين، وتوثيق عقود الملكية، وتمكين الهيئات المحلية من إدارة عمليات الإعمار. كما يُفترض أن ترتبط كل مشاريع الإسكان الجديدة بالمخططات الإقليمية، ومعايير بيئية، وتشريعات تُنظم السكن العشوائي وتحمي الأراضي الزراعية من التعدي، بما يضمن استدامة العودة واستقرارها.
رخص الترميم
في الزبداني بريف دمشق، مثلاً، أوقف مجلس المدينة ضبط المخالفات المتعلقة بالبناء والترميم، بشكل مؤقت، في إطار مساعدة العائدين على ترميم وإعادة تأهيل مساكنهم المتضررة. وبذلك، اكتفى المجلس بتوثيق أعمال الترميم، بوصفها مخالفات. وهذه الإجراءات ذاتها، قامت بها بقية المجالس المحلية في المناطق التي عاد إليها النازحون. أي بدل المساعدة في تسهيل اصدار رخص الترميم لهذه المساكن المتضررة، جرى التعامل معها على أنها مخالفات بناء يمكن غضّ النظر عنها مؤقتاً. في مدينة داريا بريف دمشق، ما تزال عودة النازحين معقدة وشاقة. فالأحياء الأكثر تضرراً لا تزال مهجورة، وتعاني من دمار شبه كامل، فيما الأحياء التي شهدت بعض العودة تعاني من انهيار في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه. في حي الجمعيات الإنشائية، لا يزال السكان غير قادرين على العودة إلى منازلهم بسبب عدم استكمال اللجان الهندسية لتقييم السلامة الإنشائية للأبنية، وسط تشدد البلدية في منح تراخيص الترميم. في أحياء أخرى، يقوم السكان بأعمال ترميم بدون ترخيص، وسط خشية من أن تتدخل البلدية لاحقاً لهدم هذه الأبنية بحجة مخالفتها.
وتُظهر شهادات ميدانية من مناطق متفرقة أن الترميم يُدار في كثير من الحالات كمبادرات فردية معزولة، دون دعم مؤسسي أو خطة تنظيمية واضحة. في كفرعويد في ريف إدلب الجنوبي، مثلاً، بادر سكان البلدة إلى ترميم منازلهم بأنفسهم، مستخدمين ما توفر من مواد استُخرجت من خيام النزوح، أو أعيد تدويرها من منازل مهجورة، وسط غياب أي مساعدة رسمية أو غير حكومية. وفي مخيم اليرموك في العاصمة دمشق، يتحمّل العائدون القسط الأكبر من كلفة الترميم، في ظل دعم جزئي تقدمه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وغياب رؤية حكومية لإعادة الإعمار. في المخيم، تشكّلت فرق هندسية، بالشراكة بين البلدية والمجتمع المحلي، لإعادة تنظيم المناطق الأكثر تضرراً، عبر تقييم الحالة الإنشائية للأبنية فيها، وتحديد الآيلة للسقوط منها. الفكرة تطورت إلى اقتراح مخططات لهذه المربعات السكنية حصرياً، بغرض إعادة تنظيمها، من دون العودة إلى المخطط التنظيمي للمخيم. وتُشير هذه التجربة إلى غياب التخطيط المركزي، واضطرار السكان إلى الاعتماد على أدوات تنظيمية بديلة، تُدار محلياً بمبادرات ذاتية، في ظل غياب أي رؤية رسمية شاملة لإعادة الإعمار. هاتان الحالتان، كفرعويد ومخيم اليرموك، تعكسان نماذج مماثلة في بقية المناطق السورية، حيث يتولّى الأهالي ترميم منازلهم بجهود فردية وموارد محدودة، في ظل غياب دعم رسمي أو رؤية تنظيمية واضحة، ما يجعل عملية الترميم عبئاً شخصياً لا استحقاقاً جماعياً.
المشكلة هنا، أن رخصة الترميم، ضرورية لمعالجة الأضرار البنيوية في المباني، كتقوية الأعمدة أو إصلاح التصدعات الناتجة عن الحمولات الزائدة أو العوامل الطبيعية. لرخصة الترميم أهمية مضاعفة في المناطق التي شهدت عمليات قتالية، بسبب احتمال وقوع آثار متبقية للقصف قد تشكل تهديداً حقيقياً بانهيار المساكن. رخص الترميم تُمنح بعد تقييم هندسي دقيق، وتُعتبر شرطاً أساسياً للحفاظ على السلامة الإنشائية للمبنى بعد ترميمه. لكن، الحصول على الرخصة معقّد، ويتطلب وثائق فنية وموافقات جماعية من جميع المالكين، حتى غير القاطنين.
ولذا، إذا كانت الضرورة تقتضي السماح للعائدين بترميم مساكنهم اعتباطياً، ومراعاة ظروفهم المادية وحاجاتهم الملحة للسكن، فإن ذلك يجب ألا يتم مع تجاهل المخاطر المتعلقة بالسلامة الانشائية. وكان أولى بتلك المجالس المحلية، ومجالس المحافظات، أن تتخذ قرارات واضحة بإلغاء كل التكاليف المالية لرخص الترميم، وتسهيل إجراءاتها الإدارية، مع الإبقاء على الهدف الرئيسي منها، وهو الكشف على السلامة الانشائية للمساكن المتضررة قبل ترميمها. ويمكن هنا الإشارة إلى أن تأسيس مكاتب ميدانية في مختلف المجالس المحلية، تضم محامين ومهندسين، وتقدم خدمات استشارية مجانية للعائدين (عيادات قانونية وهندسية)، يمكن أن يساهم في توفير آلية ميدانية لتوثيق الانتهاكات السابقة والحالية، وتقييم الأوضاع الإنشائية.
إزالة الأنقاض
في عدد من المناطق التي عاد إليها النازحون واللاجئون بعد سقوط النظام، اصطدم العائدون بوجود أنقاض متراكمة داخل الأبنية السكنية أو في محيطها المباشر، ما أعاق إمكانية السكن أو الاستقرار الفعلي فيها. في المقابل، لم تقدم المجالس المحلية، ولا وزارة الإدارة المحلية، أية برامج متكاملة لإزالة الأنقاض، بل تركت الأمر لمبادرات الأهالي أنفسهم، رغم ما تتطلبه هذه المهمة من معدات ثقيلة وكلفة مالية مرتفعة. في بعض الحالات، اضطر السكان لتخزين الأنقاض في الزوايا الداخلية من منازلهم أو فوق الأسطح، بسبب عدم وجود مكان بديل للتخلص منها. ومع غياب أي تدخل رسمي لتنظيم إزالة النقاض، لا يجري الكشف الإنشائي على الأبنية المتضررة.
في بعض أحياء شرق حلب، مثل كرم الطراب والشيخ سعيد، بدأت ورشات بإزالة الأنقاض منذ أوائل عام 2025، بالتعاون بين الدفاع المدني ومجلس المدينة، دون صدور أي قرارات تنظيمية أو قانونية، من وزارة الإدارة المحلية في الإدارة الانتقالية، تحدد شروط أو ضوابط واضحة لهذه العمليات. وتجري هذه العمليات في مناطق مدمّرة كلياً، ويشمل الترحيل أنقاض أبنية متجاورة بعضها لا يزال قائماً جزئياً، مما يثير مخاوف من إلحاق ضرر إضافي بالممتلكات الخاصة المجاورة. لا توجد إجراءات رسمية توثق ما يتم ترحيله أو تحدد ما إذا كانت هناك حقوق مهددة بالضياع، خصوصاً في ظل غياب آليات لمرافقة الإزالة بعمليات حصر الملكية أو التحقق من الوضع العقاري.
المشروع قُسّمَ إلى مراحل، تشمل هدم المباني المتضررة بناءً على تقارير لجنة السلامة العامة، ثم فرز الأنقاض بحسب قابليتها لإعادة التدوير. الأنقاض الصالحة تُنقل إلى معمل إعادة التدوير في منطقة الراموسة، حيث يُعاد استخدامها لإنتاج مواد بناء مثل البلوك والبلاط، أما الأنقاض غير القابلة لإعادة الاستخدام، فتنقل إلى المطامر. رغم انتظام هذه الخطوات من الناحية التقنية، إلا أن غياب أي سياسة ترافق العملية بتوثيق ملكيات العقارات أو إشراك أصحاب الحقوق، يبقى ثغرة أساسية. لا تُنشر لوائح بالأبنية التي تُهدم أو يُرحّل ركامها، ولا توجد آلية لتعويض أصحاب العقارات أو التحقق من اعتراضاتهم، خاصة أن بعض الأبنية المهدّمة قد تكون متضررة جزئياً فقط. إلى جانب ذلك، تُسجَّل فجوة واضحة بين فرق التنفيذ في الميدان، وبين غياب خطة رسمية أو إشراف إداري شفاف حول مستقبل الأحياء التي تُزال أنقاضها. رغم انتظام هذه الخطوات من الناحية التقنية، إلا أنها لم تتم بالاستناد إلى القانون رقم 3 لعام 2018 الخاص بإزالة الأنقاض، بل نُفّذت كإجراءات تقنية مستقلة دون إطار قانوني واضح. ورغم مشاكله الكبيرة، فقد أقرّ القانون رقم 3 لعام 2018، بحق أصحاب العقارات المتضررة بقيمة أنقاضهم، وأتاح لهم الطعن والإثبات والاستفادة من ريع الأنقاض بعد خصم تكاليف الإزالة، على خلاف ما يجري حالياً.
وبالتالي، ينبغي أن تتم إزالة الأنقاض ضمن خطة مركزية واضحة، لا أن تُترك لمبادرات فردية متفرقة يقوم بها المتضررون على نفقتهم، أو تُنفذ دون تنسيق بين الجهات الخدمية. من الضروري ربط هذه العمليات بإجراءات تثبيت الملكية وتوثيق الحالة العقارية للعقارات المتضررة، لضمان عدم ضياع الحقوق، وخاصة في الأبنية التي لم يُستكمل تثبيت ملكيتها سابقاً، أو المبنية في مناطق العشوائيات. لا يجوز تنفيذ الإزالة دون الرجوع إلى أصحاب العقارات المتضررة، بل يجب إشراكهم في التخطيط والتنفيذ، واتخاذ تدابير واضحة لمنع طمس الأدلة على الملكية أو إحداث تغييرات مادية تعرقل أي مطالبة لاحقة بالحقوق. كذلك، ينبغي أن تكون إزالة الأنقاض خطوة تمهيدية في مسار متكامل لإعادة الإعمار، وليس إجراءً معزولاً عنها. الإزالة دون رؤية عمرانية وتنظيمية لاحقة، ودون تحديد الجهة التي ستتولى إعادة البناء، قد تؤدي إلى فقدان دائم للمكان والحق. كما يجب وضع معايير واضحة لتحديد ما يُعدّ “أنقاضاً”، ومن له الحق في اتخاذ قرار الإزالة، وكيفية توثيق ما يُزال، ومتى، وتحت إشراف أي جهة، وبأي ضمانات قانونية.
العودة كحق لا كإجراء إداري
رغم أهمية المبادرات التي أطلقتها المجالس المحلية ووزارة الإدارة المحلية في مجال ترخيص الترميم وإزالة الأنقاض، إلا أن اقتصارها على إجراءات مجتزأة دون رؤية وطنية متكاملة يحدّ من أثرها. ترك السكان يتعاملون فرادى مع أنقاض منازلهم، أو الترميم دون حماية قانونية أو دعم تقني كافٍ، يعكس غياب إطار حقوقي ينظّم العودة باعتبارها حقاً لا مجرد عملية إدارية. إن هذه المعالجة المرحلية، رغم نواياها الإصلاحية، لا تزال قاصرة عن الارتقاء بالعودة إلى مستوى الاستحقاق الجماعي الذي يتطلبه الوضع الراهن. كما أن غياب أدوات توثيق الحقوق أثناء الإزالة، وتعقيد مسارات الترميم، قد يُضعف من قدرة المؤسسات المحلية على لعب دور فعّال في إعادة الإعمار، ويجعلها عرضة للتحوّل – ولو من دون قصد – إلى عائق إضافي أمام العودة المستدامة. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تأطير سياسات السكن والأنقاض ضمن مقاربة عادلة وشفافة، تُوازن بين المتطلبات الفنية والضمانات الحقوقية، لضمان أن تكون العودة مدخلاً فعلياً لاستعادة الحقوق، لا مجرد تكيّف هش مع واقع صعب.
ثانياً؛ استرداد الملكيات في ظل غياب معالجة شاملة
خلال سنوات حكمه، استخدم نظام الأسد مجموعة من الأدوات القانونية والأمنية لنزع الملكية من المعارضين أو المشتبه بولائهم، عبر آليات مثل الحجز الاحتياطي الإداري، ومحكمة الإرهاب، والموافقات الأمنية، وغيرها من الوسائل التي مكّنت أجهزة الدولة من السيطرة على الأملاك دون المرور بإجراءات محاكمة عادلة أو مسارات قانونية سليمة. ومع سقوط النظام في ديسمبر 2024، لم تتخذ الإدارة الانتقالية حتى الآن خطوات شاملة لتفكيك هذه البنية أو إعلان قطيعة مؤسساتية واضحة معها، واقتصرت الإجراءات المتخذة على رفع بعض قرارات الحجز الاحتياطي، دون معالجة الإطار القانوني الأوسع الذي أتاح انتهاك الحق في الملكية. في الوقت نفسه، ما تزال الموافقة الأمنية شرطاً غير مُلغى لتسجيل التصرفات العقارية، رغم غياب سند قانوني معلن لها، فيما لا تزال آثار أحكام محكمة الإرهاب قائمة، من دون وجود خطة تشريعية أو قضائية واضحة لمعالجة تبعاتها على حقوق الملكية العقارية.
رفع الحجوزات الاحتياطية: معالجة جزئية وإبقاء على البنية القانونية القديمة
أصدر رئيس الإدارة الانتقالية المرسوم رقم 16 في 11 أيار 2025، الذي ينص على إلغاء قرارات الحجز الاحتياطي، الصادرة عن الأجهزة الأمنية بين عامي 2012 و2024، استناداً إلى قانون سلطات الضابطة العدلية رقم 63 لعام 2012. ولكن المرسوم، عالج جانباً محدوداً من قرارات الحجز الاحتياطي، من دون مراجعة البنية القانونية الكاملة التي مكّنت الأجهزة الأمنية من فرض الحجوزات الاحتياطية من دون رقابة قضائية فعلية.
في 2 تموز 2025 أصدرت وزارة المالية قرار رفع الحجز الاحتياطي رقم 963 فأعاد أموال أربعة عشر شخصا منهم رجال أعمال مثل معتز الخياط وإخوته. وفي اليوم نفسه رفعت الوزارة حجزا منفصلا عن رجل الأعمال خالد المحاميد. كلا القرارين استندا إلى المرسوم 16 لعام 2025. اختيار أسماء تتمتع بثقل اقتصادي وسياسي من دون إعلان معايير شاملة يعمق الانطباع بأن الإجراءات ما زالت تخدم دوائر محددة وتستجيب لضغوط نفوذ لا لضمانات قانونية عامة.
فعلياً، بين عامي 2012 و2024، نُفّذت آلاف قرارات الحجز الاحتياطي على أملاك مواطنين سوريين بقرارات صادرة عن وزارة المالية بناءً على تعليمات الأجهزة الأمنية، وذلك دون حكم قضائي أو مراجعة قضائية مستقلة. كان الحجز يُنفّذ على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتهمين، الموقوفين لدى الأجهزة الأمنية، أو غيابياً، بقضايا تتعلق بالإرهاب أو أمن الدولة الداخلي والخارجي. قرارات الحجز الاحتياطي، كانت تنُفّذ على نحو إداري مباشر، وغالباً ما استُخدمت كوسيلة للعقاب الجماعي بحق معارضين سياسيين أو أشخاص مشتبه بمعارضتهم للنظام.
المرسوم التشريعي 63 لعام 2012 كان قد وسّع مفهوم “سلطات الضابطة العدلية” بشكل استثنائي، ليشمل إلى جانب قاضي التحقيق والمدعي العام في محكمة الإرهاب، الأجهزة الأمنية. وقد منح المرسوم هذه الجهات صلاحية إصدار أوامر الحجز الاحتياطي، على خلاف ما هو منصوص عليه في قانون أصول المحاكمات الجزائية، الذي لا يُجيز مثلاً لقاضي التحقيق إصدار قرارات من هذا النوع. كما لا يوجد أي أساس قانوني، يتيح للأجهزة الأمنية، صلاحية إصدار أمر بالحجز على ممتلكات الموقوفين لديها، او حتى غيابياً. هذا المرسوم منح الأجهزة الأمنية قدرة واسعة على التدخل المباشر في حقوق الملكية دون إشراف قضائي، وهو ما جعل الحجز الاحتياطي أداة لقمع الخصوم السياسيين والناشطين.
في المجمل يمكن القول بأن المرسوم 16/2025 عالج جزءاً مهما، لكن من مشكلة كبيرة للغاية. إذ يبقى المرسوم محدود الأثر، كونه لم يتطرق إلى سلطات الضابطة العدلية الأخرى، كقاضي التحقيق رغم الدور الذي لعبه في توسيع الحجز التعسفي على الملكيات. كما أن عدم نص المرسوم، على الغاء قانون الضابطة العدلية، ولا وقف تدخل الأجهزة الأمنية في قضايا الحجز الاحتياطي، تجعل من أثره أنياً، بحيث يشمل شريحة كبيرة من المتضررين بين العامين 2012-2024، لكنه لا يضع حداً للانتهاكات المستقبلية.
رغم البُعد الإجرائي المهم للمرسوم 16/2025، إلا أنه يعبّر عن مقاربة حذرة تتجنب الاعتراف الجذري بالمشكلة الناتجة عن استخدام الحجز الاحتياطي كأداة سياسية للقمع. المعالجة الجزئية، التي اكتفت بإلغاء قرارات الأجهزة الأمنية، أبقت على البنية القانونية التي شرعنت تلك الانتهاكات، وتجنبت تفكيك منظومة سلطات الضابطة العدلية التي كانت جزءاً من منظومة القمع السابقة. كما لم يُنشئ المرسوم أي آلية قانونية للتظلم أو التعويض، ولم يُرفق بخطاب سياسي يعترف بأن الحجز كان وسيلة عقاب جماعي مرتبطة بموقف سياسي، لا بجريمة حقيقية. بذلك، تبقى هذه الخطوة منقوصة، وتُظهر أن الإدارة الانتقالية تفتقر حتى الآن إلى تصور واضح لتحويل العدالة الانتقالية من مجرد تصحيح إداري، إلى مسار سياسي لاستعادة الحقوق ومساءلة المنظومة القانونية التي كرّست القمع.
مسار محدود لرد الممتلكات المصادرة بين قرارات العدل والمالية والمرسوم 121
في 12 أيار 2025 أصدرت وزارة العدل القرار 682 فألغت مفاعيل أحكام بعض المحاكم الاستثنائية وأعادت ملكية أموال منقولة وغير منقولة إلى مجموعة محددة من المحكومين. لم يشرح القرار لماذا اختير هؤلاء دون سواهم. إدراج عائلة العنزروتي، المالكة لشركة كتاكيت، في اللائحة رغم أنّ حكمها صدر عن محكمة الجنايات العادية كشف خللا في التدقيق القانوني وأعاد طرح سؤال الشفافية في اختيار الحالات. ولأن القرار لم ينشر على أي منصة رسمية فقد بقي الوصول إليه بيد قنوات غير رسمية ما يضعف الثقة العامة في الإجراء.
بعد سبعة أسابيع تدخلت وزارة المالية عبر القرار 100 الصادر في 29 حزيران 2025 لتوضح أنّ حكم العنزروتي صادر عن محكمة الجنايات الأولى رقم الدعوى 25505 لعام 2022 وأن الوزارة ستلتزم بإعادة أموالهم تطبيقاً للقانون 26 لعام 2023 الخاص بإدارة الأموال المصادرة. القرار عزّز الصبغة التنفيذيّة للملف لكنه حافظ على نطاقه الضيق إذ استند إلى لائحة أسماء مسبقة ولم يفتح باب الاستفادة أمام من بقيت أحكامهم قيد التنفيذ.
الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025 كان قد قرر إلغاء جميع مفاعيل أحكام محكمة الإرهاب ورد الممتلكات المصادرة. هذا الأساس الدستوري يعطي للسلطة الانتقالية فرصة سن قانون شامل يضمن المساواة لكنه حتى الآن لم يترجم إلا عبر قرارات متفرقة ما يُبقي عملية رد الحقوق رهينة الاجتهاد الإداري. في 23 حزيران 2025 صدر المرسوم 121 الذي كلّف وزارة العدل بإعادة تشكيل لجنة قضائية خاصة باعتراضات المتضررين من الأوامر والقرارات العرفية التي صدرت زمن الطوارئ. أهمية المرسوم أنّه يعترف بشرعية هذه الاعتراضات ويوفر مساراً قضائياً لتحقيقها لكنه أبقى تشكيل اللجنة مركزيا في دمشق ولم يضع جدولاً زمنياً لمعالجة آلاف الملفات المحتملة.
وزارة العدل أتبعت المرسوم بقرار 975 في 30 حزيران 2025 فعينت نائب رئيس محكمة النقض رئيسا للجنة إلى جانب مستشارين من النقض ومجلس الدولة. القرار سمح بتقديم طلبات من جميع المتضررين بلا حصر وإن مثّل خطوة إجرائية ضرورية إلا أنّه لم يحدد معايير الأولوية أو كيفية نشر نتائج عمل اللجنة ما يهدد ببطء الإجراءات، وبإعادة إنتاج المسارات التمييزية والاستثنائية، عبر قنوات اللجان القضائية.
يوضح هذا التسلسل أنّ السلطة الانتقالية تتحرك تحت ضغط الإعلان الدستوري لكنها ما تزال تعتمد مقاربة جزئية وانتقائية. غياب قانون جامع يضبط عمل اللجان القضائية ويضع ضوابط شفافة لرد الملكيات ينعكس مباشرة على ثقة الجمهور بالنظام القضائي الناشئ. فإذا أُريد لمسار رد الحقوق أن يسهم في العدالة الانتقالية وفي إنعاش الاقتصاد لا بد من تشريع شامل يُصاغ بمشاركة المتضررين والمجتمع المدني ويكفل نشر القرارات وأسبابها على الملأ. عندها فقط تنتقل العدالة المؤجلة من مستوى المبادرات المحدودة إلى إطار مؤسسي يرسخ مبدأ المساواة ويغلق الباب أمام المحسوبيات.
استمرار شرط الموافقة الأمنية: التعطيل غير المُعلن لتسجيل الملكية
في الوقت الذي ألغت فيه الإدارة الانتقالية بعض قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة عن الأجهزة الأمنية، لا تزال القيود الأمنية على التصرفات العقارية قائمة عملياً، من خلال اشتراط الموافقة الأمنية المسبقة على عمليات نقل الملكية. هذا الإجراء، الذي شكّل طوال سنوات أداة أمنية للسيطرة على حركة السوق العقاري ومعاقبة المعارضين، لم يُلغَ ولم يُراجع بعد سقوط النظام. بل يستمر بصيغه السابقة، وبإشراف مؤسسات جديدة غير معروفة مسؤولة عن إصدار الموافقات. وهكذا، وبينما تُرفع بعض الحجوزات عن الممتلكات، يُمنع أصحابها في المقابل من توثيقها أو التصرف بها، ما يُبقي على البنية الأمنية للتحكّم بالملكية قائمة، ولو بأدوات مختلفة.
رغم غياب جهاز أمني مركزي معلن لدى الإدارة الانتقالية، لا تزال الموافقة الأمنية شرطاً مسبقاً لتسجيل التصرفات العقارية الناقلة للملكية في السجل العقاري، مثل البيع والهبة. هذا الإجراء يُفترض أن يصدر عن جهة أمنية تجري ما يُعرف بالدراسة الأمنية حول الوضع الجنائي والسياسي لصاحب العقار. لكن حتى تاريخه، لا توجد جهة واضحة مسؤولة عن هذه الموافقة، ولا توجد تعليمات رسمية تُحدد معايير منحها أو رفضها، ما يخلق حالة فراغ قانوني يُعطّل القدرة على إتمام المعاملات العقارية. ورغم أن الحكومة الانتقالية أصدرت التعميم 80/3 في نيسان 2025، لتوضيح الحالات التي تستدعي الموافقة الأمنية، إلا أن التعميم نفسه جاء بصيغة مكررة من تعاميم النظام السابق، دون تعديل جوهري أو إلغاء فعلي لآلية الموافقة.
التعميم 80/3 أوضح بأن بعض التصرفات غير الناقلة للملكية، مثل عقود الإيجار، والاستثمار، والإعارة، والمشاركة بالبناء، لا تحتاج إلى موافقة أمنية. إلا أنه أوضح بأن دفع ضريبة البيوع العقارية لا تستوجب موافقة أمنية مسبقة، طالما لم يُسجَّل التصرف في السجل العقاري. أمر مماثل ينطبق على حالات المزاد العلني أو الإرث، حيث فُرِضَت الموافقة الأمنية المسبقة قبل التسجيل النهائي في السجلات العقارية. أي يمكن إتمام دعاوى التثبيت في المحاكم وتسديد الضرائب، دون أن يعني ذلك تمكين صاحب الحق من نقل الملكية رسمياً، ما يُفرغ الحقوق من مضمونها الفعلي. في الواقع، فإن التعميم الجديد لم يُنشئ نظاماً بديلاً للموافقة الأمنية، بل كرّس استمرار الشكل القديم لها.
استمرار شرط الموافقة الأمنية بعد سقوط نظام الأسد، يعكس خللاً إدارياً في تحديد الجهة المخوّلة بإصدارها، ويُشير إلى استمرار منطق السيطرة الأمنية على الملكية بوصفها امتداداً للولاء السياسي. غياب أي مراجعة لمبدأ “الدراسة الأمنية” كشرط لنقل الحقوق العقارية، يعكس تردداً في القطع مع البنية السلطوية القديمة، ويحوّل الإدارة الانتقالية إلى جهة تُدير الموروث الأمني بدل تفكيكه. المشكلة هنا لا تكمن فقط في أن الشروط غير واضحة أو معلّقة، بل في أنها تُعامل كإجراء روتيني غير قابل للنقاش، رغم غياب أي أساس قانوني يُبرر استمرارها. وهذا ما يجعل الحقوق العقارية مرهونة بمدى “القبول الأمني”. بالتالي، فإن غياب الإلغاء الصريح لهذا الإجراء، أو استبداله بآلية مدنية واضحة، يُبقي على تقييد الحركة العقارية، مُكرّساً آلية غير قانونية للتحكم بالحقوق العقارية.
محكمة الإرهاب: بنية استثنائية انتهت، وآثارها العقارية باقية
رغم زوال محكمة الإرهاب بسقوط النظام، إلا أن آثارها القانونية على حقوق الملكية لا تزال قائمة، دون أن تبادر الإدارة الانتقالية إلى وضع آلية واضحة لمعالجتها أو إبطال الأحكام الصادرة عنها. هذه المحكمة، التي أُنشئت عام 2012 بموجب قانون خاص، شكّلت أداة قضائية استثنائية استخدمت لتجريد المعارضين من ممتلكاتهم تحت ذريعة قضايا الإرهاب، من خلال أحكام غيابية سريعة كانت تؤدي إلى تجميد الأملاك ثم مصادرتها ونقلها إلى الدولة. وحتى اليوم، لم تصدر أي قرارات تشريعية تُبطل مفاعيل تلك الأحكام، أو تُعيد الحقوق لأصحابها، أو تُنهي الآليات القانونية التي شرعنت عمليات نزع الملكية.
المرسوم 16/2025 الذي ألغى قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة عن الأجهزة الأمنية، لم ينص صراحة على إلغاء قرارات الحجز الاحتياطي التي صدرت عن محكمة الإرهاب. كما لم يتضمن المرسوم إعادة نظر في الصلاحيات التي منحها المرسوم 63 لعام 2012 لسلطات الضابطة العدلية، للمدعي العام في محكمة الإرهاب، من إصدار قرارات حجز على الأملاك، دون محاكمة عادلة أو إشراف قضائي فعلي. الكثير من قرارات الحجز الاحتياطي، التي صدرت بأوامر أمنية، كانت قد تحولت لاحقاً إلى حجوزات تنفيذية بأحكام قضائية صادرة عن محكمة الإرهاب، جرى بموجبها نقل الملكية إلى الدولة عبر وزارة المالية ومديرية المصالح العقارية. بعض تلك العقارات جرى عرضها بالمزادات العلنية وبيعت لآخرين. ورغم أن تلك الأحكام صدرت عن محكمة استثنائية، فإنها لم تُشمل بعد بأي إجراء إلغاء أو مراجعة قانونية، ما يعني أن الأحكام لا تزال نافذة، ولا توجد لحد اليوم أي آلية لاسترداد حقوق المتضررين.
من جهة أخرى، تُطرح اليوم أسئلة جوهرية حول سبل استعادة الممتلكات المصادرة بموجب أحكام صادرة عن محكمة الإرهاب، خاصة في ظل غياب أي خطوات تشريعية أو إجرائية من قبل الحكومة الانتقالية. وتتراوح الخيارات المطروحة بين ثلاثة مسارات قانونية رئيسية. الأول: إلغاء القوانين التي أنشأت المحكمة كالقانون 22 لعام 2012 والتي منحتها صلاحياتها كقانون الإرهاب رقم 19 لعام 2012، عبر قانون جديد يصدر عن مجلس الشعب، لكن من دون أن يكون له أثر رجعي يعالج قضايا المتضررين. إذ أن معالجة كهذه، تستوجب مساراً قانونياً ثانياً: الطعن بعدم دستورية هذه القوانين أمام المحكمة الدستورية العليا، ما يتيح إبطال الأحكام السابقة بأثر رجعي، واسترداد الممتلكات المصادرة. المسار الثالث: إنشاء برنامج وطني خاص لاسترداد الممتلكات المصادرة، بدعم دولي، يتضمن لجاناً متخصصة لمراجعة الملفات وتعويض المتضررين. إلا أن هذا الخيار يتطلب توفر إرادة سياسية وتشريعية واضحة، لم تتبلور بعد ضمن أداء الحكومة الانتقالية.
إن استمرار مفاعيل محكمة الإرهاب رغم سقوطها الفعلي، يعكس الصعوبة التي تواجهها الإدارة الانتقالية في تفكيك الأطر القانونية التي شرعن بها نظام الأسد العقوبات الجماعية على الملكية. فالإشكال لم يعد فقط في وجود أحكام قضائية سابقة، بل في صعوبة اجتراح مسار سياسي وقانوني يلغي آثار المحكمة الاستثنائية. كما أن الإبقاء على صلاحيات الضابطة العدلية، وعدم الطعن بقوانين الإرهاب نفسها، يكشف عن تردد بنيوي في مقاربة العدالة الانتقالية كأولوية سياسية، لا مجرد مسار قانوني. وهنا، يمكن التخوف بأن وراثة منظومة قمعية، دون إعلان قطيعة معها، قد يعني إعادة إنتاج آثارها، التعايش معها، لا تصحيحها. وهذا ما يُهدد بإعادة تدوير المظالم، وتكرّيس منطق الإفلات من المساءلة، حتى في أكثر الملفات وضوحاً من حيث الطابع السياسي للانتهاكات.
عوائق سياسية وتشريعية أمام استرداد الحقوق
من خلال تتبّع الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الانتقالية حتى الآن، يظهر غياب مقاربة سياسية وتشريعية متكاملة لتفكيك البنية القانونية التي استخدمها نظام الأسد في مصادرة الملكيات. فالمعالجة المحدودة لملف الحجوزات الاحتياطية عبر المرسوم 16، واستمرار العمل بنظام الموافقات الأمنية، وعدم إبطال آثار أحكام محكمة الإرهاب، كلها مؤشرات على أن استرداد الحقوق ما يزال محصوراً في خطوات إدارية مجتزأة، لم تُواكبها بعد رؤية حقوقية واضحة. كما أن الإبقاء على صلاحيات الضابطة العدلية، وعدم الطعن بالقوانين الاستثنائية، يثيران تساؤلات حول حدود الإرادة الفعلية في إعادة الاعتبار للملكية كحق مصان. حتى اللحظة، لا توجد مبادرات معلنة لإنشاء آليات مراجعة قضائية لقرارات المصادرة، أو لتعويض المتضررين، أو لمساءلة الجهات التي نفذت عمليات النزع خلال السنوات الماضية. هذا التأخر، وإن فُهم أحياناً في سياق تعقيدات المرحلة الانتقالية، قد يُفضي في حال استمراره إلى تحويل العدالة الانتقالية من أداة لتفكيك إرث الانتهاكات، إلى مجرد مسار بيروقراطي محدود لا يمسّ البنى العميقة التي شرعنت نزع الحقوق.
ثالثاً؛ غصب العقارات: لجان إدارية بصلاحيات غير محددة
منذ سقوط نظام الأسد، عاد ملف العقارات المغصوبة إلى الواجهة، وسط محاولات متفاوتة لاستعادتها، تراوحت بين الاسترجاع السلمي وحالات الطرد القسري للشاغلين. وفي ظل غياب آلية وطنية موحدة لمعالجة هذا الملف، ظهرت مبادرات إدارية من بعض مجالس المحافظات، أبرزها في حمص، حلب وحماة، تمثلت في تشكيل لجان محلية للنظر في شكاوى الاستيلاء غير المشروع. لكن هذه اللجان لا تستند إلى صلاحيات قضائية واضحة، وتعمل دون تنسيق مركزي أو تعريفات قانونية موحدة، ما يطرح تساؤلات حول فعاليتها وقدرتها على ضمان الحقوق. تتناول الفقرات التالية طبيعة هذه المبادرات، والتعقيدات القانونية المرتبطة بالغصب، وأبرز أنماط النزاع بين المالكين العائدين والشاغلين الحاليين، بما فيها حالات التزوير العقاري.
وعلى عكس الاستملاك والمصادرة اللذين شرعهما الدستور لنزع الملكية الخاصة، اعتبر قانون العقوبات السوري أن أي استيلاء آخر على الملكية الخاصة للعقارات يعتبر غصباً. وغصب العقار هو الاستيلاء على ملك الغير دون رضاه، أو وضع اليد على ملك الغير دون توفر سند قانوني بالملكية أو وجود سبب مشروع. ورغم هذا الوضوح القانوني، إلا أن غصب العقارات هو أحد أكثر القضايا تعقيداً، بسبب مجموعة كبيرة من المشاكل؛ كغياب التوثيق العقاري خاصة في المناطق غير المنظمة والعشوائية، وعدم اكتمال عمليات التحديد والتحرير لكثير من المناطق العقارية، وجود أحكام بيوع قطعية صادرة من المحاكم من دون إمكانية توثيقها في السجلات العقارية، وكذلك ضياع وثائق الملكية. لذا، فإن كثيراً من قضايا الاستيلاء على العقارات، تتحول إلى بحث في أصل الحق، وتحتاج إلى محكمة للبت فيها، إذ ما رفع أحد الأطراف دعوى استرداد حيازة. في حالات كثيرة اتضح فيها أن الطرف المُدعي وقوع الاستيلاء على عقاره، هو الساعي للاستيلاء على عقار غيره.
معضلات اللجان الإدارية
في محافظتي حمص وحلب، أصدرت مجالس المحافظات قرارات بتشكيل لجان إدارية لمعالجة قضايا الاستيلاء غير المشروع على العقارات. ففي حمص، أنشأ المحافظ لجنة خاصة بموجب القرار رقم 1 بتاريخ 13 يناير 2025، لمعالجة الغصب البين. وتستند صلاحيات اللجنة إلى المادة 45 من قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011، التي تُجيز للمحافظ اتخاذ قرار بإزالة الغصب وإعادة الحال إلى ما كان عليه، على أن يبقى القرار الإداري نافذاً ما لم يُلغَ أو يُعدّل، أو يُبتّ أصل الحق قضائياً. آلية العمل تشترط تقديم المتضررين طلبات مدعّمة بوثائق ملكية، كبيان قيد عقاري حديث أو حكم تثبيت بيع، وتُخوّل اللجنة عند التثبت من صحة الادعاء إصدار قرار بإخلاء الشاغل غير القانوني دون اللجوء إلى المسار القضائي. في حلب، أصدر المحافظ قراراً برقم 9 بتاريخ 4 آذار 2025، يقضي بتشكيل لجنة للنظر فيما سماه “حالات الاستيلاء غير المشروع” على العقارات خلال عهد النظام السابق، واتخاذ إجراءات إدارية لردّ الحقوق إلى أصحابها. في الحالتين، لا تملك اللجنتان، صلاحية قانونية للنظر في أصل الحق، في حال وجود مستندات ملكية لدى الطرف الشاغل.
اتخذت الأمور مساراً مختلفاً مع إصدار في محافظة حماة التعميم رقم 917/1 بتاريخ 19 أيار 2025، الذي دعا المواطنين إلى تقديم شكاوى بخصوص الاستيلاء على العقارات. التعميم ميّز بين نوعين من الحالات: الأولى تتعلق بـ”عمليات استيلاء عُرفية سواء تم تسجيل العقار باسم الدولة أو لم يُسجل”. النوع الثاني يشمل العقارات المصادرة بموجب أحكام محكمة الإرهاب أو محاكم مشابهة، شريطة أن تكون مسجّلة باسم الدولة. ولم يُشر التعميم إلى تشكيل لجنة مخصصة لدراسة الطلبات، ولا إلى الجهة التي ستتولى اتخاذ القرار، ما جعل العملية الإدارية غامضة، وغير قابلة للتتبع أو الرقابة. المشاكل في تعميم محافظة حماة، تنبع بشكل رئيسي، من استخدام أوصاف جديدة غير مستخدمة قانونياً لوصف هذا النوع من القضايا مثل “عرفية”، ولا أوضحت ما الفرق بينها وبين الغصب البين. كما أن الخلط امتد إلى قضية العقارات المصادرة بموجب قرارات محكمة الإرهاب، وهذا يعني العقارات التي انقلب حجزها الاحتياطي تنفيذياً. وعلى فرض أن العقارات المصادرة عرفيا هي ذاتها العقارات الواقع عليها غصب بين، والتي تتجاوز إمكانية الفصل فيها صلاحية لجنة إدارية تابعة لمحافظة حماة، فإن اللجنة إياها تنطحت لاستقبال قضايا مصادرة بموجب أحكام صادرة عن محكمة الإرهاب، وهي قضايا يحتاج حلّها بالحد الأدنى، تشريعاً عن مجلس الشعب، أو لجنة عليا للعدالة العقارية، كما سبق وأشرنا إليه أعلاه.
نماذج النزاع مع الشاغلين: بين استرداد الحق ومأزق العدالة العقارية
المالكون الأصليون، المهجّرون قسرياً خلال عهد نظام الأسد إلى إدلب، والعائدون إلى أراضيهم الزراعية في أرياف إدلب وحماة، يوجهون مثلاً نمطاً متكرراً من النزاعات، مع مستثمري أراضيهم خلال السنوات السابقة بموجب مزادات نظمتها المحافظات. أغلب تلك الأراضي كانت قد صُنّفت “شاغرة” بسبب غياب أصحابها القسري، وتم عرضها للاستثمار كأراضٍ سليخ أو مشجرة ضمن مزادات علنية. ولجأ عدد من هؤلاء العائدين للمطالبة باستعادة أراضيهم، أحياناً عبر التفاوض المباشر مع المستثمرين، وأحياناً عبر التهديد باللجوء إلى القضاء. في بعض الحالات، يوافق المستثمرون على الانسحاب، إما خشية من التوتر الأمني أو اعترافاً ضمنياً بحقوق العائدين، بينما في حالات أخرى، يتمسك المستثمرون بحجج مثل دفعهم لبدلات الاستثمار سابقاً للمحافظات، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية محتملة.
في إحدى الحالات التي وثقتها سيريا ريبورت في مدينة محردة بريف حماة الغربي، عاد أحد المالكين إلى أرضه الزراعية بعد سنوات من التهجير، ليجدها مزروعة باليانسون من قبل جار له، كان قد استثمرها خلال فترة غيابه بموجب مزاد علني نظمته محافظة حماة. صاحب الأرض طالب جاره المستثمر بإعادة الأرض، وتعويضه عن سنوات الاستثمار السابقة، غير المتفق عليها. ورغم أن الشاغل كان قد استثمر الأرض رسمياً، إلا أنه لم يعترض على طلب المالك، بل أعاد له الأرض مباشرة، وقدّم له تعويضاً بمنحه حق استثمار هكتار من أرضه المحاذية مجاناً لمدة عشر سنوات. في مثال آخر، مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، يواجه عدد من المزارعين العائدين من مخيمات الشمال السوري توتراً متصاعداً مع مستثمرين سابقين كانوا قد استثمروا أراضيهم المزروعة بالفستق الحلبي خلال السنوات الماضية بموجب مزادات علنية نظّمتها محافظتا إدلب وحماة في عهد نظام الأسد. بعد العودة، شرع بعض المزارعين في استعادة أراضيهم فعلياً، لكنهم اصطدموا برفض المستثمرين تقاسم عائدات المواسم السابقة، متذرعين بأنهم دفعوا بدلات استثمار للمحافظة. دفع هذا الوضع العائدين إلى رفع دعاوى قضائية لاسترداد حقوقهم. وهنا، تبرز الحاجة إلى أن تضطلع الإدارة الانتقالية، بدور محوري في ضمان حقوق المالكين الأصليين، والمكتسبين لها، وتنظيم هذه العلاقات القانونية والاجتماعية المتداخلة.
بعيداً عن الأراضي الزراعية، تظهر دينامية مختلفة تماماً، ترتبط بالمساكن في العشوائيات، أو الأبنية غير المرخصة وغير المسجلة في السجلات العقارية، أو الأبنية المملوكة على الشيوع وغير المفرزة بين أصحاب الحقوق. العقبات الأساسية هنا لا تتعلق بغياب الوثائق فقط، بل بوجود شاغلين حاليين يدّعون الملكية بناءً على وثائق تبدو قانونية لكنها نتاج عمليات تزوير معقدة، تضمنت انتحال الشخصية، وشهادات زور، وحتى أحكام قضائية. التحدي هنا هو أن الشاغلين الجدد ليسوا غاصبين لتلك العقارات، بل مشترين لها، لا علم لهم بالمخالفات التي سبقت عملية الشراء. مثلاً، في حي مساكن هنانو بمدينة حلب، جرت عملية احتيال لنقل ملكية بيت قديم مملوك على الشيوع بين عدد من الورثة خلال عهد النظام السابق. إذ استغل صاحب مكتب عقاري معرفته بأسماء الورثة، وانتحل صفة أحدهم، ثم أبرم عقد بيع مع مشتري لا يعلم بالاحتيال، بمساعدة شاهدين متواطئين. لاحقاً، تم رفع دعوى لتثبيت البيع، بعد تنظيم وكالة قضائية عن المشتري. المحكمة، قامت بتبليغ بقية الورثة بالمحكمة، لكن باستخدام عناوين وهمية قدمها صاحب المكتب العقاري بصفته المنتحلة كأحد الورثة. وحال ذلك دون حضور بقية الورثة لجلسات المحكمة. المحكمة أصدرت بعد ذلك حكماً قضى بتثبيت البيع ونقل الملكية.
مثال أخير، يوضح كيف يمكن لهذه الأفعال الاحتيالية، أن تؤثر سلباً على شاغلي العقارات وتضعهم في موقع غاصبيها، بينما هم مشترون لها بحسن نية، ولديهم وثائق تثبت ملكيتهم لها لكنها مزورة. في منطقة المشروع السابع في مدينة اللاذقية، مباشرة بعد سقوط النظام ودخول قوات هيئة تحرير الشام إليها، طُلب من سكان أحد المباني إخلائه، بحجة أن عقود شراء شققهم غير قانونية. تبيّن أن العقار تعود ملكيته إلى أحد القادة العسكريين في الهيئة، كان قد غُصِب في السابق من قبل مسؤول نافذ في ميليشيا الدفاع الوطني. شقق ذلك المبنى خضعت لسلسلة من عمليات البيع المتكررة، عبر عقود مزوّرة، وانتقلت عبر وسطاء، حتى وصولت إلى الشاغلين الحاليين الذي اشتروها فعلياً ودفعوا ثمنها.
استرداد الحقوق يتطلب رؤية شاملة للعدالة العقارية
تُبرز قضايا استرداد العقارات المغصوبة إحدى المعضلات المعقدة التي تواجه المرحلة الانتقالية، لتقاطعها بين متطلبات العدالة القانونية والاعتبارات الاجتماعية والإنسانية. ورغم اتخاذ بعض الخطوات الإدارية على مستوى المحافظات، إلا أن غياب إطار قانوني موحّد، وتفاوت آليات المعالجة، يهددان بتحويل هذه الإجراءات إلى مصدر توتر إضافي، بدلاً من أن تكون مدخلاً لإعادة الاعتبار للملكية وحقوق السكن. التحدي لا يكمن فقط في محدودية صلاحيات اللجان المحلية أو ضعف أدوات التنفيذ، بل في الحاجة إلى سياسة متكاملة تأخذ بعين الاعتبار واقع الشاغلين الحاليين، بمن فيهم من حصل على العقار أو الأرض بحسن نية، من دون علم بالمخالفات السابقة. لهذا، تبرز أهمية تطوير رؤية إصلاحية شاملة، لا تكتفي بإعادة الحقوق كإجراء تقني، بل تؤسس لنموذج عدالة عقارية متوازن، يُراعي حقوق المالكين الأصليين، ويضمن في الوقت نفسه الحماية القانونية والاجتماعية للفئات الهشّة. مثل هذه الرؤية تتطلب إنشاء هيئة مستقلة مختصة، ووضع آليات قانونية للطعن والاعتراض، إلى جانب دعم جهود المصالحة المحلية، وتوفير بدائل سكنية أو تعويضات حيث يلزم. هذا وحده يمكن أن يُحوّل استرداد الحقوق من ملف متنازع عليه إلى خطوة أولى نحو استقرار اجتماعي وملكية آمنة.
رابعاً؛ أنماط جديدة من انتهاكات حقوق السكن، الأرض والملكية
برزت أنماط جديدة من انتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية، خلال الشهور الستة الماضية من المرحلة الانتقالية، طالت فئات مهمّشة أو مستضعفة، وتم تنفيذها من قبل جهات إدارية أو عسكرية-أمنية بعضها يرتبط مباشرة بالحكومة الانتقالية، أو يتحرك في ظل غياب الرقابة القانونية والإدارية. هذا المحور يتناول هذه الأنماط المستجدة من الانتهاكات، من خلال ثلاثة ملفات رئيسية: أولها، الانتهاكات التي طالت ممتلكات العلويين في الساحل وريف حماة ضمن سياق عسكري وأمني أعقب انهيار النظام، وثانيها، الاستهداف المنظّم للمناطق الدرزية في ريف دمشق والسويداء على خلفيات طائفية وتحريض سياسي، وثالثها، الإخلاء القسري أو الاستيلاء أو التضييق بحق شاغلي السكن الاجتماعي ضمن سياقات إدارية وأمنية تغيب عنها ضمانات العدالة، وتفتقر إلى أية رؤية إسكانية بديلة.
استهداف ممتلكات العلويين في الساحل وريف حماة
في آذار 2025، تحوّل الساحل السوري، وخاصة القرى ذات الغالبية العلوية في ريف اللاذقية وسهل الغاب وريف حماة الشرقي، إلى مسرح لانتهاكات ممنهجة طالت السكان وممتلكاتهم، في سياق حملة عسكرية وأمنية واسعة قادتها قوات الحكومة الانتقالية لمواجهة بؤر تمرد تابعة للنظام السابق. ترافقت العمليات مع دعوات طائفية أطلقها أئمة مساجد موالون لهيئة تحرير الشام، ما أعطى بعداً جهادياً للهجمات التي شهدتها عشرات القرى. أسفرت الحملة عن اقتحامات عنيفة ترافقت مع القتل الميداني، والتعفيش، والحرق المتعمّد للمنازل والمحال والمزارع، خاصة في محيط جبلة والقرداحة، إلى جانب حالات تهجير قسري ونزوح جماعي، أُجبرت خلاله عائلات بأكملها على الفرار تحت تهديد مباشر أو نتيجة اشتداد المعارك. كما سُجّل تجريف واسع للأراضي الزراعية، وتعفيش المساكن وحرقها. بعد توقف العمليات، بقي الوضع الأمني هشاً، ما منع السكان من العودة، وفتح الباب أمام مجموعات سلفية مسلحة أو عشائر بدوية لوضع اليد على الأملاك الشاغرة، سواء عبر الاستيلاء المباشر على المساكن وتحويل الأراضي إلى مراعي، أو عبر عروض “استثمار” لأراضي الغائبين.
في ريف اللاذقية الجنوبي، استغلّت مجموعات بدوية مسلحة حالة النزوح الواسعة التي تسببت بها المواجهات مع الفصائل السلفية المتمركزة في المنطقة، لتضع يدها على مساكن وأراضٍ زراعية شاغرة. المجموعات البدوية الوافدة استخدمت المنازل الشاغرة كمساكن لها، وأطلقت قطعان ماشيتها في الحقول المزروعة بالزيتون والحمضيات. رغم تكرار الشكاوى من المزارعين، لم تتحرك القوات الأمنية للحد من التعديات، ما شجع المجموعات على التمادي في انتهاك الممتلكات. بعض القرى شهدت أعمال عنف مباشرة، كما في مشقيتا حيث قُتلت عائلة كاملة من المزارعين بسبب اعتراضهم على الرعي الجائر. في حالات أخرى، اضطر الأهالي إلى تفكيك شبكات الري وتجنب حصاد محاصيلهم، تجنباً للمواجهة مع الوافدين المسلحين. الانتهاكات لم تتوقف عند حدود القرى المتأثرة، بل امتدت كنمط متكرر شمل بلدات بأكملها.
في قرى سهل الغاب وريف حماة الشمالي الشرقي، أدى نزوح سكان 12 بلدة ذات غالبية علوية، نتيجة العمليات العسكرية، إلى فراغ استغلّته مجموعات محلية مسلحة وعشائرية بدوية، لوضع اليد على العقارات والأراضي الشاغرة. بالتوازي، عرضت شركة خاصة زراعية على المُهجّرين العلويين، عقوداً لاستئجار أو شراء أراضيهم الشاغرة. “شركة اكتفاء للاستثمار الزراعي“، استخدمت تطبيقات التواصل الاجتماعي لتوزيع صيغ عقود موحدة على المالكين الغائبين، ممهورة باسم الشركة. لم تكن هذه العروض مبادرة فردية أو منعزلة، بل ظهرت ضمن مناخ أوسع شهد اجتماعاً لمناقشة “استثمار الأراضي العلوية”، عُقد في نيسان الماضي، في مكتب قيادي في هيئة تحرير الشام يتولى حالياً منصب “مدير منطقة ريف حماة الشمالي”.
في قرى وبلدات الساحل السوري، خصوصاً صنوبر جبلة وعين العروس والشلفاطية، ترافقت الحملة العسكرية الحكومية مع أعمال نهب منظمة، وحرق متعمد للمنازل والمحال التجارية، واستخدام منهجي للقوة لسرقة الممتلكات ثم حرقها، ما جعل إمكانية العودة القريبة شبه معدومة. في بعض المواقع، استُخدمت القنابل اليدوية والمشاعل لحرق المنازل والآليات الزراعية، في نمط تكرر في قرى متعددة. مع توقف القتال، لم تُباشر أي جهة بإجراءات إصلاح أو تعويض، بل بقيت القرى خالية.
الانتهاكات المنظمة لحقوق السكن والأرض ضد الدروز في ريف دمشق والسويداء
بين نهاية نيسان ومطلع أيار الماضيين، تعرضت المناطق ذات الغالبية الدرزية في صحنايا وأشرفيتها بريف دمشق، وكذلك في بلدات ريف السويداء الشمالي والغربي، لانتهاكات جسيمة طالت حقوق السكن والممتلكات. إذ تعرضت مدينة صحنايا وبلدة أشرفية صحنايا بريف دمشق، ذات الغالبية الدرزية، في أواخر نيسان 2025 لهجوم واسع نفذته قوات من وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة الانتقالية، مدعومة بمجموعات سلفية وعشائرية. الهجوم جاء بعد حملة تحريض أعقبت تسجيلاً صوتياً مفبركاً نُسب لرجل دين درزي يتضمن إساءة لنبي المسلمين، واستُخدم كذريعة لشن هجوم ممنهج على المناطق الدرزية. أدت العمليات العسكرية إلى تدمير 145 منزلاً، 85 في الأشرفية، و60 في صحنايا، ونزوح جماعي لأهالي الأشرفية. بعد القصف والاشتباكات، اقتحمت القوات المهاجمة المنازل بذريعة “التفتيش عن السلاح”، وارتكبت انتهاكات مباشرة بحق السكان، تضمنت إطلاق نار عشوائي داخل المنازل، وتقييد أفراد الأسر أثناء التفتيش، ونهب ممتلكاتهم بما في ذلك المصاغ والأجهزة الإلكترونية والسيارات. كما أضرمت النيران في عدد من المنازل بعد نهبها، باستخدام القنابل اليدوية، ما جعل بعضها غير صالح للسكن. المهاجمون استهدفوا منازل الدروز حصراً، بحسب شهادات من سكان مسيحيين وسنة من المنطقة، وأكدوا أن المهاجمين كانوا يسألون تحديداً عن ملكية المنازل قبل اقتحامها. ورغم التوصل لاحقاً إلى اتفاق بوقف إطلاق النار، إلا أن الانتهاكات استمرت، بما في ذلك مداهمات متكررة بلا مذكرات قضائية، ما أعاق عودة النازحين.
كما قادت قوات وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة المؤقتة، مدعومة بميليشيات عشائرية من درعا والبادية، هجمات في مطلع أيار 2025 على بلدة الصورة الكبيرة بريف السويداء. وتعرّضت البلدة لقصف مدفعي، تلاه حصار من ثلاث جهات، ثم اقتحام بري، أدى إلى نزوح جماعي للسكان باتجاه مدينة السويداء. الهجمات أسفرت عن حرق عدد كبير من المنازل، ونهب المحاصيل الزراعية والمحال التجارية، وسرقة الآليات الزراعية والمركبات الخاصة. وشملت الانتهاكات كذلك الممتلكات الدينية، كما حدث في مقام الخضر الذي تعرّض للحرق والكتابة على جدرانه بشعارات طائفية. هذه الانتهاكات لم تقتصر على بلدة الصورة، بل ترافقت مع قصف قرى ريف السويداء الغربي كعرى ورساس وكناكر، ما ألحق أضراراً جسيمة بـ18 منزلاً على الأقل، معظمها من الطراز القديم التراثي، ما جعل ترميمها شبه مستحيل.
في تموز 2025، تعرّضت محافظة السويداء لحملة عسكرية ممنهجة من قبل قوات وزارتي الدفاع والداخلية في “الإدارة الانتقالية”، مدعومة بميليشيات سلفية وعشائرية، استهدفت الأقلية الدرزية عبر تدمير شامل للقرى والبلدات، وتهجير قسري واسع النطاق طال أكثر من 176 ألف شخص، ومقتل حوالي 2000 شخص معظمهم مدنيون. ترافقت العمليات مع قصف عشوائي، إعدامات ميدانية، واعتقالات تعسفية، بالتوازي مع نهب ممنهج للمنازل والمحال، تدمير متعمد للمزارع وآبار المياه، وتخريب البنى التحتية الحيوية كمحطات الكهرباء والمشافي والمطاحن. واستهدفت القوات بيوت السكان بعد نهبها، بإحراقها أو تفجيرها، فيما حُرقت مخازن الحبوب والصوامع، كما نُهبت مزارع المواشي والدواجن، وخُرّبت تجهيزاتها، وفُجّرت آبار مياه الشرب الرئيسية، في محافظة تعاني أصلاً من الجفاف. وبعد انسحاب القوات الحكومية، واصل مقاتلو العشائر عمليات القتل والنهب. لم يقتصر المشهد على أعمال العنف، بل تحوّل إلى شكل ممنهج من استباحة المناطق الحضرية؛ نهب محتويات البيوت والمحال التجارية، وتعفيش كل ما يمكن فكه منها، في كل المناطق التي سيطرت عليها قوات الوزارتين، او المليشيات العشائرية. وشمل ذلك 35 قرية في الريفين الغربي والشمالي للمحافظة، وأبرزها الدور، نجران، الدويرة، تعارة، المزرعة، ولغا، الثعلة، أم الزيتون، الصورة الصغيرة، الصورة الكبيرة، كناكر والمجيمر. وبعد الانتهاء من عمليات القتل، النهب، أضرمت النيران في المنازل، بشكل منهجي، غالباً باستخدام القنابل، وأيضاً باستخدام أشرطة من المتفجرات سريعة الاشتعال. ما جرى في السويداء خلال تموز 2025 لم يكن مجرّد عملية أمنية عسكرية ارتكبت فيها جرائم ضد الإنسانية. لا، بل كان تدميراً متعمّداً لمقومات الحياة وسبل العيش في منطقة استقرار حضري.
انتهاكات بحق شاغلي السكن الاجتماعي: الإخلاء القسري، التمييز، والغموض القانوني
مباشرة بعد سقوط نظام الأسد، وقعت انتهاكات كثيرة بحق شاغلي مشاريع السكن الاجتماعي والتعاوني، لا سيما في دمشق وريفها، واللاذقية، وحماة. السكن الاجتماعي والتعاوني يشمل مجموعة من المشاريع السكنية المدعومة حكومياً، تهدف إلى تأمين مساكن منخفضة أو متوسطة الكلفة، وتشمل مشاريع السكن الشبابي، السكن العمالي، السكن الوظيفي، والسكن التعاوني وغيرها. وبدلاً من أن تُستخدم هذه المساكن، التي أُنشئت لضمان الحد الأدنى من الحق في السكن، كملاذ للفئات الأكثر هشاشة، تحولت في كثير من الأحيان إلى هدف مباشر للإخلاء القسري أو الاستيلاء أو التضييق، من قبل جهات عسكرية، أمنية، تدعي ارتباطها بالإدارة الانتقالية، أو بهيئة تحرير الشام. وشملت الانتهاكات شاغلي السكن الوظيفي، والعمالي، والعسكري، والشبابي، وتفاوتت في أسبابها بين ذرائع طائفية أو انتقام سياسي أو غياب التوثيق القانوني. في جميع الحالات، برز غياب أي سياسة إسكانية بديلة، ما ضاعف من هشاشة الفئات المتضررة، ودفع بعضها نحو نزوح ثانٍ أو العيش في مساكن غير مستقرة.
في 6 نيسان 2025، نفّذت قيادة شرطة محافظة حماة، بالتنسيق مع المؤسسة العامة للإسكان، عملية إخلاء جماعي لـ170 شاغلاً غير شرعي في مشروع السكن الشبابي بحي الحاضر شمالي المدينة، من دون توفير أي بدائل سكنية. هؤلاء الشاغلون هم في معظمهم من نازحي إدلب أو العائدين من الشمال السوري بعد سقوط النظام، ممن لم يكن لديهم أي مأوى بديل. رغم إنذارهم مسبقاً بالإخلاء، لم تُعرض عليهم أي مساكن انتقالية أو مساعدات طارئة. واللافت أن وزارة الإسكان لم تتعامل مع الحالات كأزمة إنسانية بل كأمر إداري، مبرّرة غياب الحلول بـ”ضعف الإمكانيات”. وفي المقابل، تمّت عملية الإخلاء استجابة لمطالب المكتتبين الأصليين على الشقق منذ عام 2002، والذين ينتظرون تسليم مساكنهم منذ أكثر من عقدين.
أغلب الانتهاكات التي وقعت بعد سقوط النظام، استهدفت قاطني المساكن الوظيفية والعمالية، وهم غالباً من الموظفين من مناطق بعيدة، ممن يؤدون وظائفهم في مواقع قريبة من موقع المجمعات السكنية. وهناك غموض في ملكية هذه المساكن، يعود إلى تشابك القوانين والجهة العامة المنفذة للمساكن. مثلاً السكن الوظيفي يكون للاستفادة منه بشكلٍ مؤقت، على أن تبقى ملكيته للدولة. بينما يحق لشاغل السكن العمالي تملكه، بموجب المرسوم التشريعي رقم 46 لعام 2002، على أن يدفع قيمته على شكل أقساط.
في دمشق وريفها، شهدت مجمعات السكن العمالي والوظيفي، عقب سقوط النظام، حالات إخلاء تعسفي طالت بالخصوص عائلات تنتمي إلى الطائفة العلوية أو إلى موظفين مرتبطين بمؤسسات أمنية أو علمية. في مساكن الشرطة بحرستا، اضطرت عائلات علوية إلى مغادرة مساكنها بعد تعرّضها لتهديد مباشر من مجموعات محلية مسلحة، استولت على الشقق، رافضة أي تسوية. في حالة أخرى، اقتُحمت شقة مهندس ضابط في سكن الأكاديمية العسكرية بضاحية حرستا، رغم حصوله على مهلة رسمية بعد إجراء “تسوية”، وطُردت عائلته بالقوة. كما طُردت عائلة أخرى من مساكن عسكرية في ضاحية 8 آذار بريف دمشق، وواجهت تهديدات ذات طابع طائفي. هذه الانتهاكات لم تقتصر على العلويين، بل طالت عائلات مسيحية أيضاً، كما حدث مع إحدى الأسر المقيمة في مساكن البحوث العلمية ببرزة.
من جانب آخر، المساكن العسكرية في دمشق تعرضت لانتهاكات تمثّلت بغصب الشقق وإعادة توزيعها من دون أسس قانونية. في المزة 86، استعاد بعض الضباط المنشقين سابقاً شققهم بالقوة، بعد أن كانت مسكونة من قبل ضباط موالين للنظام، مما أطلق موجة توتر بين الشاغلين القدامى والجدد. وفي مساكن الحرس الجمهوري الواقعة بين دمر وقدسيا، دخل عناصر من هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى إلى شقق مهجورة أو غير مأهولة. لاحقاً، خصصت محافظتا دمشق وريف دمشق، مئات الوحدات السكنية في مساكن العرين في قدسيا بريف دمشق، لإيواء حوالي 45 ألف نسمة من مُهجّري حي جوبر الدمشقي العائدين من الشمال السوري بعد سقوط النظام. ومساكن العرين كانت مخصصة للضباط في قوات النظام، ممن نزح عنها قاطنوها بعد سقوط نظام الأسد، أو أجبروا في حالات كثيرة على مغادرتها.
إرساء قواعد عدالة عقارية في المرحلة الانتقالية
تُظهر الحالات المعروضة في هذا المحور نمطاً متكرراً من الانتهاكات بحق حقوق السكن والأرض والملكية، لا يمكن اختزاله في تصرفات فردية أو حالات فوضى عابرة، بل يكشف عن تحديات عميقة في طريقة تعامل بعض المؤسسات والإدارات الجديدة مع قضايا الملكية بعد سقوط النظام. سواء جاءت هذه الانتهاكات من جهات إدارية محلية، أو وحدات أمنية، أو فصائل مسلّحة موالية للحكومة الانتقالية، فإن غياب إطار تشريعي واضح، وغياب المعايير القانونية الناظمة، أديا إلى ممارسات غير منضبطة، غالباً من دون رقابة أو محاسبة.
في بعض الحالات، تم تنفيذ إجراءات إخلاء بدعوى إعادة الحقوق لأصحابها، لكن دون مراعاة ظروف الشاغلين أو توفير بدائل سكنية، ما أفرغ هذه الإجراءات من مضمونها الحقوقي. وفي حالات أخرى، شكّلت أحداث ذات طابع طائفي أو سياسي بيئة خصبة لارتكاب انتهاكات ممنهجة، من دون أن تقابلها تحقيقات رسمية أو آليات تعويض فعّالة. هذه الممارسات تُبرز الحاجة الملحة إلى تطوير مسار واضح للعدالة العقارية، يُعيد الاعتبار لمبادئ الإنصاف، ويؤسّس لآليات تضمن الحقوق وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، ضمن مقاربة متكاملة تراعي البُعدين القانوني والاجتماعي معاً.
خاتمة: نحو مسار واضح للعدالة العقارية؛ من المعالجات الجزئية إلى الرؤية الشاملة
تُظهر هذه الورقة أن تعامل الإدارة الانتقالية مع ملف السكن والأرض والملكية، رغم احتوائه على بعض المبادرات الإيجابية، ما يزال محكوماً بمقاربة إجرائية مجزّأة، تفتقر إلى رؤية حقوقية متماسكة. فالإجراءات المتخذة حتى منتصف عام 2025 – كرفع بعض الحجوزات الاحتياطية، أو تشكيل لجان إدارية لمعالجة قضايا الغصب، أو تنظيم ملفات العودة – لم تُواكب بتشريعات بديلة ولا بسياسات متكاملة تضمن حماية الحقوق أو تفكيك البُنى القانونية التي رسّخها النظام السابق لنزع الملكية والاستثناء القانوني. كما أنّ حصر ملف العدالة العقارية في إجراءات تنفيذية متفرقة ينقل الانحياز من القنوات القضائية إلى الإدارية ويقوّض ثقة المتضررين بمسار الإصلاح.
كما تُبيّن الورقة أن بعض الجهات المرتبطة بالحكومة الانتقالية، سواء كانت إدارية أو عسكرية، تورطت في ممارسات أفضت إلى أنماط جديدة من الانتهاك، طالت فئات مهمّشة أو مناطق بعينها. هذه الحالات – وإن لم تكن ناتجة بالضرورة عن قرارات مركزية – إلا أنها تعكس هشاشة الرقابة، وغياب آليات الطعن والمساءلة، ما قد يُقوّض ثقة المواطنين بمرحلة يُفترض أن تُرسّخ العدالة وتستعيد الحقوق.
انطلاقاً من ذلك، تبرز الحاجة إلى الانتقال من المعالجات الظرفية إلى مسار مؤسسي واضح للعدالة العقارية، يستند إلى رؤية متكاملة تُوازن بين إعادة الحقوق ومراعاة الواقع الاجتماعي والاقتصادي الهش. وتشمل أبرز التوصيات:
- تعليق العمل مؤقتاً بجميع شروط الموافقة الأمنية العقارية، والتدقيق في مرجعياتها، تمهيداً لإلغائها بالكامل، باعتبارها من الأدوات التي كرّست الإقصاء السياسي والاجتماعي في عهد النظام السابق.
- إلغاء آثار محكمة الإرهاب على الملكيات العقارية، من خلال قانون خاص يُبطل أحكام المصادرة الصادرة عنها، ويعيد الحقوق إلى أصحابها ضمن إطار قضائي واضح.
- تأسيس هيئة مستقلة للعدالة العقارية، تُناط بها صلاحيات البت في قضايا نزع الملكية، وتوثيق الانتهاكات، والإشراف على لجان الاسترداد، وتقديم مقترحات تعويض شاملة.
- إقرار سياسة إسكانية انتقالية عادلة، تعالج حالات الإخلاء القسري لشاغلي السكن الاجتماعي، وتؤمن مساكن بديلة أو دعم مباشر للفئات الأكثر هشاشة.
- تجميد جميع عمليات الاستثمار أو التصرف بالأملاك العامة والخاصة المتأثرة بالنزاع، إلى حين وضع آليات وطنية للشفافية والمساءلة، والتثبت من الوضع القانوني للملكيات.
- فتح تحقيق مستقل حول الانتهاكات الجديدة التي جرت خلال المرحلة الانتقالية، بما يشمل أعمال الاستيلاء القسري، والاقتحام، والإخلاء، والتمييز الطائفي، وتقديم مقترحات واضحة لمحاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم تكرارها.
- تطوير آليات بديلة لحل النزاعات العقارية، مع تحديد أنماط النزاع التي يمكن اللجوء فيها إلى هذه الآليات، ووضع ضوابط تضمن وصول الفئات الأكثر هشاشة إليها، ومنع أي شكل من أشكال التمييز القائم على الجنس أو الخلفية المناطقية أو الطائفية، أو الانتماء السياسي.
- إرساء أدوات مؤسساتية لردّ المساكن والممتلكات في إطار العدالة الانتقالية، تُشرف عليها جهة مستقلة، وبدعم من خبرات دولية متخصصة، وبما يعزز الثقة المجتمعية بإجراءات استرداد الحقوق.
- إعداد خطة تشريعية متكاملة لمعالجة الثغرات القانونية في قضايا الملكية في العشوائيات، من خلال تعديل أو إقرار قوانين تنسجم مع الطابع الخاص لهذه المناطق، وتُعيد الاعتبار لحقوق الملكية التي طالها الغموض أو التهميش.
إن ضمان العدالة العقارية في سوريا لا يمكن أن يتحقق من خلال إدارة موروث الانتهاك بأدوات مؤقتة أو مترددة، بل عبر التأسيس لسياسات حقوقية شاملة، تُعيد الاعتبار للملكية بوصفها حقاً دستورياً، وتحوّلها إلى رافعة للثقة المجتمعية والاستقرار السياسي.
