السماح بالتنازل عن المساكن في الجمعيات السكنية
يُعتبر التنازل (البيع) عن المساكن التعاونية، أو ما يُعرف بعملية الفراغ، إحدى الأدوات الأساسية في تداول الحقوق داخل الجمعيات السكنية. غير أن هذه العملية توقفت منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، ما أدى إلى تجميد حركة البيع والشراء وتعليق عشرات الدعاوى القضائية، فضلاً عن زيادة الضغوط على المكتتبين والمستفيدين من هذه المساكن. ومع استمرار أزمة السكن وتراجع قدرة التعاونيات على إنجاز مشاريعها، باتت العودة إلى تنظيم عمليات التنازل خطوة محورية لإعادة تنشيط القطاع وضمان حقوق الأعضاء.
في 21 أيلول، أصدر مدير مديرية التعاون السكني سامر البيتموني، القرار رقم 4023، سمح بموجبه بإعادة العمل بعمليات التنازل (الفراغ) عن المساكن التعاونية بعدما توقفت منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024. والتنازل عن السكن التعاوني، غالباً عبر البيع، يتم بعملية الفراغ في سجلات الجمعيات التعاونية لا في السجل العقاري. وقد جرى إيقاف عمليات التنازل خوفاً من استغلالها من قبل أشخاص محسوبين على نظام الأسد من التنازل عن مساكنهم لأشخاص آخرين، ما يعيق عملية ملاحقتهم وأصولهم.
وتتبع مديرية التعاون السكني لوزارة الأشغال العامة والإسكان، وهي مسؤولة عن إدارة وتنظيم قطاع السكن التعاوني بعد حلّ الاتحاد العام للتعاون السكني عام 2019 وتحويل جميع صلاحياته إليها. نشأت المديرية في العام 2008، وتطورت لتصبح المرجع الوحيد في الإشراف والرقابة على آلاف التعاونيات السكنية المنتشرة في المحافظات، عبر فروعها المحلية التي تتابع الأعمال الإدارية والمالية، وتنظيم الاجتماعات، وحصر البيانات والإحصاءات. يقوم دور المديرية على ضمان التزام التعاونيات بالقوانين والأنظمة، ومتابعة تمويل المستفيدين وآجال المشاريع، إضافة إلى اتخاذ قرارات الحل أو التصفية بحق الجمعيات غير الفاعلة أو المتعثرة. ورغم أن القطاع التعاوني أسهم تاريخياً في بناء أكثر من 220 ألف وحدة سكنية، متقدماً على مشاريع السكن الاجتماعي التي لم تنجز سوى 77 ألف وحدة، إلا أن دوره تراجع بشكل حاد خلال العقد الأخير. وما يزال قرابة 800 ألف مكتتب بانتظار مساكنهم، مع وجود 94 ألف وحدة قيد التنفيذ لم ينجز معظمها. ولم تُنشأ تعاونيات جديدة، ولم تُسلّم مساكن، خلال السنوات الأخيرة من عهد نظام الأسد، فاقتصر دور المديرية على الإدارة البيروقراطية وحماية الشكل القانوني للقطاع أكثر من إنتاج مساكن فعلية.
قرار مدير التعاون السكني الأخير رقم 4023، توجّه إلى مديريات التعاون السكني بالمحافظات وطلب منها إيقاف العمل بتعميم سابق رقمه 1567 صادر عن المديرية في 25 أيار 2025 والذي أوقف بدوره عمليات التنازل عن السكن التعاوني، بأثر رجعي اعتباراً من 8 ديسمبر 2024، لجميع أعضاء الجمعيات؛ منتسبين، مكتتبين أو متخصصين بالسكن.
القرار 4023 منع في المقابل التنازل عن رقم العضوية في مرحلة الانتساب للتعاونية أي مرحلة تأسيسها، وأكد على أن التنازل يتم حصراً وفق أحكام القوانين النافذة بهذا الخصوص (المرسوم التشريعي رقم 36 لعام 2014، والقرار رقم 20 بتاريخ 22 نيسان 2015، والمرسوم رقم 99 لعام 2011). وتنص تلك القوانين والقرارات على أن التنازل يسمح فقط للمكتتبين على السكن التعاوني، أو المتخصصين به، أو المستلمين له، أو المرقن قيدهم، وبالتالي فلا يشمل ذلك بيع رقم العضوية في مرحلة التأسيس.
بحسب احصائيات حديثة لوزارة الأشغال العامة والإسكان، حصلت عليها سيريا ريبورت، فأن عدد الجمعيات السكنية المشهرة في سوريا 3248 جمعية سكنية، الفاعل منها 1432 جمعية، على حين بلغ عدد الجمعيات المتعثرة 172، و34 جمعية بحاجة إلى حل وتصفية، و130 بحاجة إلى تشكيل مجلس إدارة مؤقت.
مصدر مطلع من مديرية التعاون السكني أوضح لسيريا ريبورت، التعميم 1567 الصادر في أيار 2025، أوقف عمليات التنازل بأثر رجعي، بحيث اعتبر أن أية عملية تنازل حدثت بعد سقوط النظام لاغية. وهذا الاجراء كان فيه غبن بحق من قاموا بعمليات الفراغ بشكل طبيعي، ومن غير المحسوبين على النظام السابق. ولذلك، كان من الأفضل تحديد الحالات التي يتم بموجبها إلغاء عمليات التنازل.
المصدر أشار إلى وجود العديد من الدعاوى التي كانت منظورة في القضاء والتي لم يصدر بها أحكام نتيجة وقف عمليات التنازل. إذ عمد العديد من القضاة على تأجيل مواعيد تلك الجلسات في المحكمة لحين صدور قرار يسمح بعمليات التنازل. المصدر اعتبر أن صدور القرار رقم 4023 سيعجل البت في تلك الدعاوى. وتوقع المصدر أن ترتفع أسعار المساكن التعاونية خلال الفترة المقبلة بعد صدور القرار، نظراً لوجود الكثيرين ممن ينتظرون فتح واقعات التنازل لبيع مساكنهم، والكثير ممن يرغبون بشراء المساكن التعاونية.
قرار مديرية التعاون السكني الأخير أعاد فتح الباب أمام عمليات التنازل وفق ضوابط قانونية محددة، الأمر الذي من شأنه أن يخفف من التعقيدات الإجرائية ويتيح للمتضررين متابعة قضاياهم أمام القضاء. غير أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لا تشكل حلاً جذرياً لأزمات القطاع التعاوني، إذ تبقى مئات الآلاف من الأسر بانتظار تسلّم مساكنهم في مشاريع متعثرة منذ سنوات، فيما تظل قدرة المديرية على معالجة تراكمات الماضي وتوفير بدائل فعلية موضع اختبار في المرحلة المقبلة.
