السكن العسكري في دمشق بعد سقوط النظام بين الانتهاكات والغموض القانوني
شهدت بعض المناطق في دمشق انتهاكات في مجال حقوق السكن والممتلكات بعد سقوط النظام، لكن يبدو أنها بقيت ضمن حالات فردية ولم تتوسع إلى تهجير قائم على أسس طائفية، خاصة فيما يتعلق بالسكن العسكري. ومع ذلك، تبقى هذه الحالات مؤشراً على التغيرات الطارئة في توزيع السكن المرتبط بالمؤسسة العسكرية، وسط غياب واضح لقرارات رسمية تحدد مصير هذه المساكن.
إحدى الحالات المؤكدة، هي إخلاء أربع شقق في بنايات الضباط في حي المزة 86، التابعة للفرقة الرابعة. تقع هذه الشقق ضمن بنائين، كل منهما مؤلف من أربعة طوابق، وكل طابق يضم ثماني شقق. وفقاً لروايات السكان المحليين، فإن هذه الشقق الأربعة كان يسكنها ضباط في الفرقة الرابعة، ثلاثة منهم من مدينة الرستن في ريف حمص. ومع اندلاع ثورة العام 2011، انشق هؤلاء الضباط، فقامت الفرقة الرابعة بمنح مساكنهم لضباط آخرين موالين لها. بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، عاد أصحاب الشقق الأصليون وقاموا باستعادتها بالقوة، بعد إخلاء قاطنيها.
هناك نوعان للسكن العسكري، أحدهما سكن وظيفي أو عمالي، توفره وزارة الدفاع لبعض أفراد الجيش خلال فترة خدمتهم، مقابل بدل إيجار رمزي، وعند تقاعدهم أو إحالتهم على المعاش، يُطلب منهم إخلاؤه. والثاني، هو سكن اجتماعي توفره مؤسسة الإسكان العسكري، التابعة لوزارة الدفاع، وتعرضه على العسكريين العاملين فيها للاكتتاب عليه. أي فعلياً، تبيع المؤسسة تلك الوحدات السكنية للعسكريين، الذين يسددون قيمتها عبر أقساط شهرية، وبعد اكتمال الدفع، يحق للمالك بيعها أو التصرف بها. مثلاً السكن العسكري في ضاحية حرستا (ضاحية الأسد سابقاً)، هي نموذج لهذا النوع من الإسكان. ويصعب للغاية التمييز بين هذين النوعين، بسبب قلة المعلومات المتاحة من وزارة الدفاع، وأيضاً بسبب اختلاطهما، ووقوع حالات استيلاء على بعض الأبنية منها من قبل ضباط كبار، ممن كانوا يقومون ببيع الشقق فيها لحسابهم أو تأجيرها.
في دمشق بضعة مواقع للسكن العسكري أبرزها في المزة 86، وهو عبارة 6 بنايات فقط؛ اثنتان بالقرب من قصر رياض شاليش، الذي تم إغلاقه بالشمع الأحمر بعد سقوط النظام. وبناية كان يملكها ذو الهمة شاليش، وكانت مخصصة لتكون مستوصفاً لكنها تحولت إلى شقق سكنية وبيعت لصالحه الشخصي. وأيضاً، أربع بنايات مطلة على ساحة الضباط، حيث كان مقر جمعية البستان التابعة لرامي مخلوف، والتي تحولت لاحقاً إلى جمعية العرين التابعة لأسماء الأسد. ذو الهمة ورياض شاليش هما أبناء خالة بشار الأسد، وشغلا مناصب بارزة في الحرس الجمهوري ومؤسسة الإنشاءات العسكرية.
والمزة 86 هو اسم لكتيبة كانت تتبع لميليشيا سرايا الدفاع التي كان يقودها رفعت الأسد، والتي تموضعت في المنطقة نهاية السبعينيات، ومنها استمد الحي اسمه. بعد حل سرايا الدفاع أصبحت المزة 86 منطقة نفوذ للفرقة الرابعة التي قادها ماهر الأسد. وحول هذه التجمعات السكنية والقطع العسكرية، نشأت عشوائية كبيرة تسمى بالمزة 86، ولا تتوفر معلومات مؤكدة عن ملكية الأراضي فيها. ومع ذلك، تشير بعض الروايات إلى أن ملكية العقارات في المزة 86 تتوزع بين أربعة جهات رئيسية: عقارات تتبع لأهالي المزة، وعقارات مستملكة لصالح وزارة الدفاع، عقارات مستملكة لوزارة الزراعة، وأراضٍ مستملكة لوزارة السياحة.
كما توجد في منطقة الاتصالات، وهي منطقة منظمة في المزة، بضعة مبان تتبع للفرقة الرابعة، تسمى بالزهريات، وكانت مخصصة للضباط من رتبة عقيد وما فوق. جميع سكان هذه المباني، قاموا بإخلائها طوعا، مباشرة بعد سقوط النظام، ونزح عنها سكانها.
أيضاً هناك مساكن للحرس الجمهوري، وهي عبارة من عشرات المباني (قد تتجاوز المئة)، وتقع بين دمر وقدسيا، وتتبع إدارياً لمحافظة دمشق، لكنها تخضع عسكرياً للحرس الجمهوري. هذه المساكن تم بناؤها قبل العام 2000 عبر مؤسسة الإسكان العسكري، وهي مخصصة لضباط وصف ضباط الحرس الجمهوري. بعد سقوط النظام، شهدت المنطقة موجة نزوح كبيرة، لكن قسماً كبيراً من سكانها عادوا إليها خلال أيام. في المقابل، استقر عناصر من هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى في الشقق الفارغة، أو في شقق كان يشغلها أشخاص مطلوبون لهذه الفصائل.
وفق شهادات السكان، لم يتم إصدار أي قرار رسمي بإخلاء هذه المساكن، لكن بعض العائلات تفكر بالمغادرة بسبب المخاوف من المستقبل. كما تداولت مصادر محلية معلومات بأن عناصر الهيئة والفصائل قد غادروا تلك المساكن مؤخراً، دون أي تأكيد رسمي.
كما تعتبر السومرية شمال غربي دمشق من أبرز المناطق التي ينتشر فيها السكن العسكري، بحكم قربها من مطار المزة العسكري. وقد ظهرت السومرية في الثمانينيات، على العقار رقم 3603، المستملك من أراضي كان يملكها أهالي معضمية الشام. وتم توسيع المنطقة تباعاً وأنشئت فيها مساكن عسكرية مخصصة لعناصر الفرقة الرابعة والمخابرات الجوية، ومساكن تابعة للحرس الجمهوري والمخابرات الجوية.
السومرية كانت أحد معاقل سرايا الدفاع خلال حقبة رفعت الأسد، وقد سُميت بهذا الاسم نسبة لابنه سومر الأسد. ومنذ العام 2000، ورثت الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد أملاك سرايا الدفاع، وحوّلت المنطقة إلى أحد أهم مراكز الفرقة الرابعة، والتي ضمت مكاتب قياداتها الأمنية والعسكرية، ومنها مكتب اللواء غسان بلال، الذي كان الرجل الثاني في الفرقة الرابعة.
في يناير 2025، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي شائعات ومنشورات حول احتمال إصدار قرارات رسمية بإخلاء بعض المساكن العسكرية أو تغيير وضعها القانوني. وبعض قاطني تلك المساكن لا يملكون أي وثائق رسمية تؤكد ملكهم أو استئجارهم لها، ما قد يعرضهم للإخلاء في أي لحظة، خاصة منهم العسكريين المتقاعدين الذين دفعوا لسنوات بدلات إيجار رمزية دون ضمانات للملكية. وقد دعا بعض السكان إلى تشكيل لجان قانونية للدفاع عن حقوقهم، ومطالبة السلطات بتوضيح وضعهم القانوني، بينما طالب آخرون بالانتظار إلى حين صدور أي قرار رسمي.
يبقى مصير هذه المساكن العسكرية غامضاً، وسط حالة من الترقب بين السكان، ومخاوف من قرارات قد تؤدي إلى إخلاءات أو إعادة توزيع هذه المساكن وفق سياسات جديدة. في الوقت ذاته، تعكس هذه التغيرات تحولات أوسع في موازين القوى داخل دمشق بعد سقوط النظام، وتثير تساؤلات حول مستقبل العقارات التي كانت مخصصة للجيش، ومدى قدرة شاغليها على الاحتفاظ بها في ظل غياب ضمانات قانونية واضحة.
