الحكومة الانتقالية تدرس إحياء مشروع السكن الشبابي عبر شركات خاصة
تتجه الحكومة الانتقالية إلى إعادة إحياء مشروع السكن الشبابي المتوقف منذ سنوات عبر فتحه أمام الاستثمار مع شركات خاصة، سورية، عربية أو خليجية، في محاولة لتجاوز أزمة التمويل الحادة التي تعيق استكماله. ويُعدّ هذا المشروع، الذي أطلق عام 2002 لتأمين مساكن بأسعار وأقساط ميسّرة للشباب بموجب المرسوم التشريعي رقم 46، أحد أبرز مشاريع الإسكان العامة التي لم تُستكمل، إذ ما يزال نحو عشرين ألف مكتتب من أصل خمسةٍ وخمسين ألفاً بانتظار الحصول على شققهم، بينما توقّف التنفيذ كلياً في مواقع رئيسية في جميع المحافظات.
مشروع السكن الشبابي هو من برامج السكن الاجتماعي، وأسس ليكون نموذجاً لدعم فئة الشباب وتمكينهم من الحصول على مساكن بأسعار تتناسب مع دخولهم، وقد تولّت مؤسسة الإسكان العامة تنفيذه استناداً إلى قانونها الناظم رقم 26 الذي تم تعديله عام 2015. نصّ القانون على أن يُموَّل المشروع بنسبة 30 بالمئة من أقساط المكتتبين، و30 بالمئة من صندوق الدين العام من دون فوائد، فيما تتحمّل المؤسسة 40 بالمئة من التكلفة الإجمالية. ولتنفيذ ذلك، أبرمت المؤسسة عقوداً مع جهات تنفيذية عامة مثل مؤسسة الإسكان العسكرية والشركة العامة للبناء.
لكن هذه الصيغة التمويلية لم تصمد، طويلاً، إذ لم يلتزم صندوق الدين العام سوى بتغطية نحو 20 بالمئة من المبالغ المقررة، فيما لم تتجاوز مساهمة المكتتبين 5 بالمئة فقط من حصتهم، ما اضطر مؤسسة الإسكان إلى تحمّل الجزء الأكبر من التكاليف. وقد أدى ذلك إلى استنزاف سيولتها وتوقف العمل في معظم المشاريع تقريباً.
أمام هذا الواقع، أعدّت وزارة الإسكان في الحكومة الانتقالية مذكرة تفصيلية تقترح طرح مشروع السكن الشبابي للاستثمار مع شركات خاصة، باعتباره الخيار الوحيد المتاح لاستكماله في ظل العجز المالي القائم. وقدّر مصدر مطلع على ملف السكن الشبابي، في الوزارة في حديثه لسيريا ريبورت، أن المشروع يحتاج إلى نحو تريليون ليرة لإتمامه بالكامل وإغلاق ملفه، مشيراً إلى أن عدداً من الشركات العربية، ولا سيما الخليجية منها، طلبت الاطلاع على المخططات التنظيمية للمواقع المتبقية من المشروع، من دون أن تقدّم حتى الآن أي عرض رسمي، ما يجعل النقاشات في حدود المشاورات الأولية فقط.
وتنفتح المؤسسة، بحسب المصدر ذاته، على توسيع نطاق الاستثمار ليشمل مشاريع سكن اجتماعي أخرى متوقفة، مثل مشروعي الادخار والعمالي، لا السكن الشبابي وحده. وتبحث الوزارة في صيغ متعددة للتعاون مع القطاع الخاص، من بينها أن تتولى الشركات استكمال تنفيذ الأبنية مقابل الحصول على حصص من المساحات التجارية والمرافق الخدمية في مواقع المشروع، كالمحلات والمطاعم والحدائق العامة التي يمكن استثمارها لاحقاً لتعويض تكاليف التنفيذ.
أما من الناحية القانونية، فما تزال العقود الموقعة سابقاً مع الشركات العامة المنفذة سارية المفعول ولم تُفسخ بعد. غير أن الوزارة تدرس إمكانية إنهائها بالتراضي في حال تقدّمت شركات خاصة قادرة على إنجاز المشروع، أو الإبقاء على العقود القديمة التي بدأ تنفيذها فعلاً، والتعاقد مع شركات جديدة لإنجاز الأبنية غير المنفذة بعد، في إطار علاقة تعاقدية مرنة تتيح تسريع وتيرة العمل وتخفيف الأعباء عن مؤسسة الإسكان.
وتبرز منطقة الديماس في ريف دمشق بوصفها العقدة الأكبر في هذا الملف، وقد توقّف تنفيذها بشكل شبه كامل، أولاً بسبب نقص السيولة، ثم نتيجة الوجود العسكري السابق للفرقة الرابعة قبل سقوط نظام بشار الأسد. يقع مشروع مدينة الديماس الجديدة على طريق دمشق-بيروت ويمتد على مساحة 600 هكتار، ويُعدّ من أضخم مشاريع السكن الحكومي في ريف دمشق، إذ يضمّ وفق المخططات 350 برجاً سكنياً تحتوي على نحو 26 ألف وحدة، منها 14,300 وحدة مخصّصة لبرنامج السكن الشبابي. ورغم إطلاق المشروع عام 2002 ووضع حجر الأساس له في 2012، لم تُنجز سوى مراحل محدودة حتى اليوم. ووفق المصدر في وزارة الإسكان، فإن الهدف الحالي هو طرح المشروع كاملاً للاستثمار مع شركة خاصة قادرة على إنهائه بأقصر فترة ممكنة.
في المقابل، تبدو المشكلات في بقية المحافظات أقل تعقيداً، إذ تقتصر المناطق غير المنفذة على أجزاء محدودة يمكن إنجازها سريعاً إذا توفرت السيولة لدى المؤسسة. وتعمل الوزارة حالياً على إعادة فتح باب الاكتتاب للمكتتبين السابقين الذين كانوا قد شُطبوا بسبب التأخير في السداد، مع إعفائهم من الغرامات تشجيعاً لهم على استئناف التزاماتهم المالية، في محاولة لإعادة تنشيط المشروع وإحياء الثقة بالمؤسسة.
ويعكس واقع المكتتبين المتضررين حجم الأزمة الاجتماعية التي خلّفها تعثّر المشروع. فقد عبّر عدد منهم عن استيائهم من التأخير المستمر في التسليم رغم مرور سنوات على تخصيصهم. ويعني تخصيص المكتتب بالمسكن، إبرام عقد بين المُكتتب ومؤسسة الإسكان، تتحدد فيه التزامات كل منهما، ويتضمن موقع المسكن وأوصافه. وغالباً ما يتم التخصيص بعدما ينتهي المًكتتب من دفع 30% من قيمة المسكن. ولا يعني التخصيص بالسكن أن البناء قد أنجز أو اقترب موعد تسليمه، ولكنه يعتبر بمثابة سند للملكية شريطة الوفاء بالالتزامات المالية المتبقية.
يقول حسن، أحد المكتتبين في مشروع الجزيرة العاشرة في قدسيا، إنه حصل على قرار التخصيص منذ عام 2018 لكنّه لم يستلم شقته حتى اليوم، رغم الوعود باستلامها خلال ستة أشهر. أما غياث، المكتتب في مشروع الديماس، فما يزال بانتظار تخصيصه أساساً، مؤكداً أنّ الأمر بات يشبه انتظاراً بلا نهاية. وتكرّر هذه المعاناة لدى آلاف المكتتبين الذين يرون في السكن الشبابي حلماً بعيد المنال، بعدما تحوّل المشروع من رمز لدعم الشباب إلى مثال على فشل سياسات الإسكان العام.
