الحكومة الانتقالية تبدأ بإنهاء عقود الإيجار القديمة وردّ العقارات إلى أصحابها
بدأت وزارات في الحكومة الانتقالية، أبرزها وزارتي المالية والتربية، بإجراءات لإعادة عدد من العقارات التي استأجرتها منذ عقود طويلة إلى مالكيها الأصليين. الوزارتان لم تطلبا من أصحاب تلك العقارات مقابلاً لاستعادتها، كما نص على ذلك قانون الايجار رقم 20 لعام 2015. وتخضع هذه العقارات لمبدأ الإيجار بالتمديد الحكمي، الذي أبقى آلاف الممتلكات الخاصة تحت إشغال الجهات العامة منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ويأتي هذا التوجّه في إطار سياسة حكومية جديدة تهدف إلى إنهاء عقود الإيجار القديمة وردّ الحقوق إلى أصحابها، مع الإبقاء مؤقتاً على بعض العقارات المستخدمة كمبانٍ خدمية وتعليمية إلى حين تأمين بدائل لها.
تُعدّ قضية الإيجارات الخاضعة للتمديد الحكمي من أقدم الإشكاليات القانونية في سوريا وأكثرها تعقيداً، إذ يعود أصلها إلى المرسوم التشريعي رقم 464 لعام 1949 الذي ثبّت مبدأ تمديد عقود الإيجار تلقائياً لصالح المستأجرين، ثم المرسوم رقم 111 لعام 1952 الذي رسّخ هذا المبدأ رغم تعارضه مع قاعدة “العقد شريعة المتعاقدين” المنصوص عليها في القانون المدني. لاحقاً، جاء قانون الإيجار رقم 10 لعام 2006 ليُميّز بين العقود القديمة والجديدة، فاخضع التأجير الجديد لإرادة الطرفين، بينما أبقى العقود السابقة خاضعة للتمديد الحكمي. وفي عام 2015 صدر القانون رقم 20 الذي أتاح للمالكين إنهاء العلاقة الإيجارية مقابل تعويض للمستأجر يعادل 40 بالمئة من قيمة العقار، لكنه استثنى من ذلك العقارات المؤجرة للجهات العامة والسياسية. وقد مُدِّد العمل بهذا النظام مراتٍ متتالية عبر القانون 42 لعام 2017 والمرسوم التشريعي 38 لعام 2020، ما جعل آلاف العقارات الخاصة تبقى قيد إشغال الوزارات والمؤسسات الرسمية حتى سقوط نظام الأسد.
مؤخراً، بدأت وزارة المالية في الحكومة الانتقالية، إعادة عدد من العقارات التي كانت تشغلها منذ عقود إلى مالكيها الأصليين، بعدما خلصت إلى أنها لم تعد بحاجة إليها. ووفقاً لمسؤول في وزارة المالية قال لسيريا ريبورت، إن الوزارة وجّهت دعوات إلى أصحاب هذه العقارات لمراجعتها واستكمال إجراءات التسليم من دون مقابل مالي، في خطوة تشمل نحو عشرين عقاراً أغلبها في دمشق. وأضاف أن الوزارة تدرس حالياً وضع الأبنية التي تستأجرها بموجب نظام التمديد الحكمي، التي يمكن الاستغناء عنها، قبل الاجتماع مع أصحابها وتحديد الآلية والمدة الزمنية لإعادتها لهم.
كما قال وزير المالية على منصة أكس، الأسبوع الماضي، أن وزارته ستعيد تخمين بدلات الإيجار للعقارات التي ستبقى قيد الاستخدام وفق القيم الرائجة في السوق، مؤكداً أن هذه الإجراءات تأتي انسجاماً مع روح الإعلان الدستوري الجديد وسياسة الحكومة الانتقالية الرامية إلى “ردّ الحقوق إلى أصحابها”. ونشر الوزير أن وزارته ماضية في هذا المسار “بكل جدّ ومسؤولية”، معتبراً أن استعادة المالكين لعقاراتهم “حافز للاستمرار في تكريس العدالة”.
وفي السياق ذاته، بدأت وزارة التربية دراسة وضع العقارات التي تستأجرها بموجب عقود قديمة خاضعة للتمديد الحكمي، بعدما تلقت عشرات الطلبات من المالكين لإعادة عقاراتهم أو إعادة تخمين بدلات إيجارها. وتنسق الوزارة مع وزارة العدل لإيجاد الصيغة القانونية المناسبة لتسليم العقارات التي تقرر الاستغناء عنها. وتشير المعلومات التي حصلت عليها سيريا ريبورت، من مصدر مسؤول في مديرية الأبنية التابعة لوزارة التربية، إلى أن الوزارة تدرس الاستغناء عن نحو ثلاثين عقاراً تستأجرها بموجب التمديد الحكمي، في دمشق، ومعظمها مبانٍ إدارية يمكن إخلاؤها من دون أن يؤثر ذلك على العملية التعليمية، وإعادتها إلى أصحابها. في المقابل، تواجه الوزارة صعوبة في إعادة بعض العقارات التي حُوّلت إلى مدارس قائمة فعلاً، إذ يتطلب تسليمها إيجاد بدائل مناسبة أو بناء مدارس جديدة، الأمر الذي قد يؤجل تنفيذ القرار في بعض المناطق بسبب النقص الكبير في الأبنية التعليمية المخصصة للطلاب. ويأتي هذا الحرص لضمان استمرارية العملية التعليمية في ظل تضرر جزء كبير من الأبنية المدرسية خلال السنوات الأخيرة، بحسب المصدر ذاته.
وعبّر بعض أصحاب تلك العقارات عن ارتياحهم لهذه الخطوات التي ينتظرونها منذ سنوات طويلة. أبو مؤمن صاحب عقار في شارع بغداد مستأجر لصالح وزارة التربية، قال لسيريا ريبورت، أنه راجع مباشرة الجهات المعنية لاستكمال إجراءات التسليم أو إعادة التخمين. بينما قال سامر شخاشيرو صاحب عقار في حي الميدان مؤجر لجهة حكومية، إلى أن القوانين السابقة كانت تمنعهم من المطالبة بإخلاء عقاراتهم أو تعديل بدلات إيجارها، ما جعلهم يتقاضون مبالغ رمزية لقاء عقارات تقع في مواقع مركزية داخل المدن الكبرى. في المقابل، يرى أبو محمد، صاحب عقار مستأجر لصالح وزارة المالية، أن إعادة هذه العقارات لأصحابها، تمثل فرصة لإعادة إحياء القيمة الاقتصادية لممتلكاتهم بعد عقود من الجمود القانوني.
رغم عدم صدور أي قانون أو قرار رسمي يلزم الوزارات بإعادة العقارات المؤجرة، إلا أن ما يجري حالياً يُعد توجهاً حكومياً واضحاً نحو إنهاء عقود الإيجار القديمة، في انتظار أن يُترجم هذا التوجّه بإطار تشريعي ناظم خلال المرحلة المقبلة. ويبدو أن هذا التوجّه الحكومي يشكّل بداية مرحلة جديدة في معالجة ملف الإيجارات القديمة، بعدما ظلّ طوال عقود خاضعاً للتمديدات القانونية المتتالية التي أبقت آلاف العقارات الخاصة مشغولة من قبل الوزارات والهيئات الرسمية. وتشير تقديرات قانونيي إلى أن عدد هذه العقارات يبلغ الآلاف، كثيرٌ منها في مناطق حيوية من دمشق والمدن الكبرى. ومن المتوقع أن تتوسع الإجراءات لتشمل وزارات وهيئات أخرى خلال الأشهر المقبلة، في إطار سياسة أوسع لإعادة تنظيم إشغال أملاك الدولة الخاصة والعقارات المؤجرة، وإنهاء إرث التمديد الحكمي الذي مثّل أحد أبرز مظاهر اختلال العلاقة بين الدولة والمالكين في التشريعات العقارية السورية.
