الحق في العشوائيات
خلال دراستي الجامعية في العشرية الأولى من القرن الحالي عشتُ فترات متقطّعة في عشوائيات محيطة بالعاصمة دمشق. حينها، لم أكن أميّزُ الفروق بين المدينة وعشوائيّاتها، فقد كانتا نسيجاً عمرانياً متصلاً، الأقبح فيه كان الأكثر رحابةً بالنسبة لي. العيشُ في العشوائيات كان يُناسب مدخولي الضئيل وحاجاتي المتواضعة من السكن والطعام. دائرة معارفي في تلك الفترة كانت تسكن العشوائيات. وهناك، مع رفاق وأصدقاء من مختلف الخلفيات الطبقية والسياسية، خاصة من اليسار، تناقشنا في المصير والمستقبل، والماضي. وما كنت أعتقده انتماءً طبقياً يجمعنا بتُّ أراه اليوم تسميةً أخرى للانتماء والعيش في تلك العشوائيات، التي لعبت دور الصمغ الخفي اللاصق لتنافراتنا وتناقضاتنا، والموحِّد لنا في وجه غياب المساواة الخانق والتمييز في سوريا البعثية.
في جرمانا، تنقّلتُ بين بيوت مستأجرة كثيرة، بعضها في حارات نبتت للتو في أراضٍ زراعية ما زالت مثقلة بآثار التراب الرطب، وبعض الكائنات والحشرات التي لم تتكيف بعد مع احتلال البشر الفوضوي للمكان. هناك، سكنت قبواً لا يصله ضوء، حيث لا تأخذ مضخات الماء نفساً من الراحة وهي تلوك الهواء بحثاً عن قطرة ماء تمتصّها من أنابيب سيئة التمديد. في القابون، صعدتُ طوابق عليا من مبانٍ بلا أعمدة ولا قضبان تسليح، حيث تشعر بترنح البناء تحتك من الخطو الثقيل. في الحجر الأسود، كان الجامع في شقة مجاورة ونشازُ المؤذنين يخترق الجدران الرقيقة. في الحجر الأسود يمتزج ماء الشرب بالصرف الصحي، والقمامة تتراكم بين المنازل بكل وداعة. في نهاية مخيم اليرموك، وصلت إلى مكان ينفتح على فراغ تنمو فيه الأنقاض والردميات كجبال. زرتُ مرات عديدة أصدقاء في مساكن العرين والحرس، وفي إحداها، شاهدت شلالاً من الصرف الصحي. قضيتُ بضع ليالٍ في المزة 86، ومثلها في أشرفية صحنايا، تجولتُ وأكلتُ في الطبالة، وضِعتُ في الدويلعة.
رغم كل تلك الغرابة، لم أكن غريباً في تلك المناطق. فقد اعتدتُ بشاعتها من اللحظة الأولى؛ منظر البلوك العاري وكابلات الكهرباء المتدلية وشرايين الصرف الصحي المفتوحة. وعدا عن الفوضى وغياب نظام معماري موحَّد، بلا كود بناء ولا دراسة إنشائية ولا مساحة متروكة للحيز العام؛ فإن ما تشترك فيه تلك العشوائيات أن عناصرها الرئيسية الظاهرة تكاد تقتصر على البلوك والإسمنت، لا التنك والصفيح كبعض العشوائيات الأخرى في العالم. مستطيلات البلوك الإسمنتي بينها، ورماديتهما المصفرَّة، هي ما تعتاده العيون من الأبنية المتراصّة المتسلقة على بعضها بعضاً. وفي الفراغات القليلة التي تتراجع عنها تلك العمارة، وحيث يُتاح للفراغ أن يتموضع، تظهر زُرقة السماء أكثر رمادية. السماء هناك مجرد خلفية لصدأ الأنتينات والساتلايت، وخزانات الماء البلاستيكية الحمراء.
هناك، لا دولة لها مؤسسات بل فوضى مزوّدة -عند الضرورة- بأذرع أمنية. فيها، شهدتُ أول صدام عنيف بين السلطة والناس، حين أخلت قوات حفظ النظام بالقوة سكان منطقة الكبّاس العشوائية لتوسيع الطريق العام. لا تعويضات مالية، لا مساكن بديلة، لا شيء لسكّانٍ مرميين في الشارع يشاهدون الجرافات تهدم الخراب الذي كانوا يسكنونه. حينها، دافع الناس عن بيوتهم البائسة بكل ما أوتوا من قوة، دافعوا عن حقهم في سكن تلك الفوضى، في وجه سلطة لا تراهم إلا عبئاً ثقيلاً يُشوِّه الفراغ. في تلك اللحظة، فهمتُ معنى أن يكون لك بيت، حتى في عشوائية.
العنوان: الحق في العشوائيات
الناشر: الجمهورية
الكاتب: مازن عزَي
التاريخ: 20 تشرين الثاني، 2023
الرابط: من هنا
