الحجز الاحتياطي على أملاك معارضين سلميين في السويداء
أصدر وزير المالية قراره رقم رقم 1229/ق في 23 أيار 2024، القاضي بالحجز الاحتياطي على أموال وأملاك 15 من النشطاء المعارضين السلميين في بلدة القريا جنوبي السويداء. وهذه هي المرة الأولى، التي يستهدف فيها نشطاء سلميين في السويداء، بقرار حجز احتياطي على أملاكهم، بذريعة ما وصفه القرار بـ”ثبوت تورطهم في الأحداث التي يشهدها القطر”. وهذه العبارة الفضفاضة تؤشر إلى المدى الذي يمكن للنظام السوري انتهاك حقوق السكن الأرض والملكية، باستخدام إجراءات استثنائية عقابية، ضد معارضيه السياسيين السلميين.
مراسل سيريا ريبورت أشار إلى أن أحداً من أولئك النشطاء لم يتبلغ رسمياً بالقرار. وقد علم النشطاء بالقرار، بعدما حاول أحدهم قبل أسابيع قليلة فتح حساب مصرفي له، ليفاجأ بوجود قرار حجز احتياطي على أمواله المنقولة وغير المنقولة، يمنعه حتى من فتح حساب مصرفي. الملفت أن القرار لم ينشر في الجريدة الرسمية، التي تضمن الجزء الثاني من عددها رقم 26 لعام 2024، قراراً آخر بنفس الرقم 1229 من دون اللاحقة /ق، صادر عن مديرية الجمارك في وزارة المالية، يتضمن رفع الحجز الاحتياطي عن بعض الأشخاص في قضية تهريب بضائع.
وقد مُنحت وزارة المالية القدرة على إلقاء الحجز الاحتياطي “الإداري” تمييزاً له عن الحجز بأمر قضائي، بموجب المرسوم التشريعي رقم 12 لعام 1953، على أموال الموظفين والمحاسبين التابعين لجميع إدارات الدولة العامة والمؤسسات العامة، تأميناَ للخسائر والأضرار التي يلحقونها بأموال الإدارات والمؤسسات المذكورة أو بسبب أخطائهم أو إهمالهم. ولاحقاً تمّ توسيع هذه الصلاحية لتشمل الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة لغير الموظفين وزوجاتهم، بموجب المرسوم التشريعي رقم 177 لعام 1969.
قرار وزير المالية صدر في 23 أيار، بناء على الكتاب رقم 7777 الصادر قبل يوم واحد عن الفرع 285 التابع لإدارة المخابرات العامة “أمن الدولة” والمتضمن طلباً بالحجز على أملاك هؤلاء المعارضين. مراسل سيريا ريبورت أشار إلى أن مديرية مالية السويداء استلمت قرار وزير المالية، في 27 أيار 2024، أي بعد أيام من تاريخ كتاب إدارة المخابرات العامة إلى وزارة المالية. وهذه العجلة غير المسبوقة في إصدار قرار الحجز الاحتياطي تشير إلى أهمية الموضوع لدى السلطات الأمنية السورية.
كما استند قرار وزير المالية أيضاً، إلى أحكام قانون سلطات الضابطة العدلية رقم 63 لعام 2012. ويمكن لسلطات الضابطة العدلية، بموجب القانون 63/2012، أن تطلب خطياً من وزير المالية اتخاذ إجراءات تحفظية على أملاك المتهمين، في معرض التحقيقات التي تجريها بشأن الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي، والجرائم الواردة في قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012. كما أعطى القانون 63\2012 للنيابة العامة، وقاضي التحقيق، أثناء نظر الدعوى، حق اتخاذ تلك الإجراءات التحفظية في مواجهة المتهم، أو المدّعى عليه، بما في ذلك المنع من السفر، وذلك إلى حين صدور حكم قضائي قطعي.
مراسل سيريا ريبورت أكد أن جميع المشمولين بالقرار هم من المواظبين على المشاركة في حراك السويداء السلمي المعارض للنظام والمستمر منذ آب 2023. هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها قرار بحجز احتياطي جماعي، من هذا النوع، على أملاك ناشطين على خلفية الحراك السلمي في السويداء. وأشار المراسل إلى أن النشطاء يبحثون مع محامين، كيفية الاعتراض على القرار. إذ يحق للمشمولين بالقرار، الطعن بالقرار، ومخاصمة وزير المالية خلال مدة 8 أيام من تبليغهم به. لكن، حتى اليوم لم يتم تبليغهم.
المراسل أوضح أنه قد صدرت بحق أغلب النشطاء المشمولين بالقرار، “إذاعات بحث أمنية” من المخابرات العامة، خلال العام الماضي. وإذاعة البحث هي تعميم على وحدات الشرطة والأجهزة الأمنية بأسماء المطلوبين للتحقيق، التوقيف أو الاعتقال. وقد صدرت إذاعة البحث بحق أولئك النشطاء، بموجب تقارير أمنية بحقهم، تقدم بها مخبرون من أهالي البلدة، تتهمهم بالمشاركة في تحويل مبنى شعبة حزب البعث العربي الاشتراكي في بلدة القريّا، إلى مركز خدمي، والمشاركة في الإضراب العام وقطع الطرقات والمظاهرات وكافة مظاهر الاحتجاج التي شهدتها البلدة.
وكان أبو غالب زيد الأطرش، أحد قادة الثورة السورية الكبرى 1923-1925، قد تبرع في الثمانينيات بأرض خاصة من أملاكه، بغرض تحويلها إلى مركز خدمي يضم الجمعية الاستهلاكية والجمعية الفلاحية في البلدة. وبالفعل، تعاون الأهالي وجمعوا تبرعات لإنشاء المبنى المؤلف من طابقين. ولكن، حزب البعث استولى على المبنى مباشرة بعد الانتهاء من تنفيذه، بوضع اليد غصباً، وحوله إلى مقر لشعبة الحزب في القريا. في 3 أيلول 2023 استعاد أهالي البلدة، وبينهم بعض النشطاء المشمولين بقرار الحجز، المبنى، وأعلنوا تحويله إلى مركز سلطان باشا الأطرش الخدمي، الذي شهد منذ ذلك الوقت أنشطة وفعاليات اجتماعية ومنها دورات تعليمية لطلاب الشهادات الثانوية والإعدادية.
ولا يمكن للمشمولين بالحجز الاحتياطي، التصرف بأملاكهم، كبيعها أو توريثها، كما تتعطّل معظم معاملاتهم مع مؤسسات الدولة، بما في حرمانهم من نظام الدعم الحكومي. كما يحق للنيابة العامة، وقاضي التحقيق، أثناء نظر الدعوى اتخاذ هذه الإجراءات في مواجهة المتهم أو المدعى عليه، بما في ذلك المنع من السفر، وذلك إلى حين إثبات الاتهامات بحكم قضائي مكتسب الدرجة القطعية، وفق نص القرار. ولا يمكن إلغاء هذا القرار، إلا بقرار “رفع الحجز الاحتياطي” الذي يصدره وزير المالية، بعد إلغاء سبب قرار الحجز. وفي حالتنا هذه، سبب القرار هو كتاب المخابرات العامة، وهي جهة لا سلطة للقضاء عليها.
وكانت القريّا قد شهدت نشاطاً سلمياً لافتاً معارضاً للنظام منذ آب 2023، ونظم فيها النشطاء وقفات احتجاجية، ومسائيات احتفالية يرددون فيها الأغاني ويرفعون الرايات. نشطاء القريا سبق وقطعوا الطريق، في آب 2023، على أمين فرع حزب البعث في السويداء اللواء المتقاعد فوزات شقير، وهو من أهالي القريا، ولم يسمحوا له بالوصول إلى مقر عمله في فرع الحزب بمدينة السويداء.
وتعاني القريا، مثلها مثل بقية مناطق السويداء، من أزمة عطش حادة، بسبب التعطل المتكرر لمضخات الماء المركبة على الآبار، بسبب انقطاع الكهرباء، وعدم الصيانة، والفساد في المجلس البلدي. في صيف العام 2024، كشف النشطاء ملفات فساد في مجلس بلدة القريا بعضها يتعلق بمسألة الماء، ونفذوا حملة أهلية تطالب بإقالة رئيس وأعضاء مجلس البلدة، ووقعوا على بيان مشترك بهذا المحتوى، وأرسلوه إلى محافظ السويداء. تلا ذلك اجتماع مع رئيس المجلس ونائبه، واجههم فيه النشطاء بملفات الفساد، وإغلاق النشطاء لمقر البلدية بشكل مؤقت دام بضعة أيام، مطالبين بإعادة انتخاب المجلس.
