التعويضات لا تشمل كل متضرري سهل عكار
أعلن مجلس الوزراء في 6 فبراير 2024، تخصيص 6 مليارات ليرة (455 ألف دولار في السوق الرسمية)، كتعويضات لمتضرري سهل عكار في ريف طرطوس. وكان السهل قد تعرض لأمطار وفيضانات في 12 يناير 2024، ما تسبب بغمر حوالي ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وتلف محاصيلها، وتضرر حوالي 4 آلاف بيت بلاستيكي للزراعة المحمية. ويعاني كثير من الفلاحين في سهل عكار من صعوبة في إثبات ملكيتهم لأراضيهم، ما يعيق عملية حصولهم على التعويضات.
ويمتد سهل عكار على جانبي الطريق الدولي حمص-طرطوس وصولاً إلى طرابلس اللبنانية، وتنتشر فيه عشرات القرى والبلدات وأكبرها بلدة الصفصافة. وتخترق السهل خمسة أنهار؛ الكبير الجنوبي، الأبرش، العروس، خليفة وأبو الورد، وهو غني بالمياه الجوفية، ويشكل النشاط الزراعي المورد الرئيسي لسكانه الـ100 ألف، خاصة العاملين منهم بالزراعة في البيوت المحمية. وهناك اتفاقية لاقتسام مياه نهر الكبير الجنوبي موقعة مع الجانب اللبناني، في العام 2002، وتضمنت إقامة سد مشترك قرب تلكلخ السورية، ولكنها لم تنفذ بعد.
وهناك مشاكل كثيرة في سهل عكار تتعلق بنمط الملكية، ومنها أن كثيراً من أراضيه الزراعية ما زالت مملوكة على الشيوع بين الفلاحين وورثتهم. ومن أسباب عدم إنجاز إزالة الشيوع في السهل، هو عدم الانتهاء من أعمال التحديد والتحرير التي بدأت في العام 1925، ولكنها توقفت أكثر من مرة. كما توقفت عملية إزالة الشيوع بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي 161 لعام 1958، أعيد العمل بها في العام 1980 وفق المرسوم التشريعي رقم 166 لعام 1967 القاضي بتجميل الأراضي الزراعية وإزالة الشيوع، ولكنه توقف بعد صدور قانون تحديد سقف الملكية رقم 31 لعام 1980. وأعيد العمل مرة أخرى على إزالة الشيوع في العام 1988، لكنه اصطدم بمشكلة تتعلق بنقل استملاكات وصلاحيات مؤسسة الإصلاح الزراعي التابعة لوزارة الزراعة والإصلاح الزراعي إلى وزارة الري. في العام 2007 أوقفت وزارة الزراعة العمل بإزالة الشيوع، ولم يتغير شيء منذ ذلك الحين.
ولا توجد أي أرقام موثوقة تشير إلى عدد الفلاحين الذين يملكون أرضهم في سهل عكار، ولا مساحات تلك الأراضي. إذ أن تطبيق قوانين الإصلاح والاستصلاح الزراعي قاد إلى استملاك الدولة لمساحات كبيرة من السهل زادت عن 60% من إجمالي مساحته. وقد جرى توزيع بعض تلك الأراضي المستملكة على الفلاحين ما بين العامين 1958-1974، حيث توقفت من دون تبرير رسمي. كما لم يتم نقل ملكية جميع الأراضي الموزّعة على الفلاحين بموجب الإصلاح الزراعي، بشكل رسمي في السجلات العقارية، بسبب عدم الانتهاء من أعمال التحديد والتحرير.
من جانب آخر، تمكن بعض الفلاحين من تسجيل ملكياتهم للأراضي التي اشتروها من مؤسسة الإصلاح الزراعي قبل أن يتوقف البيع في العام 1986. كما جرى تسجيل ملكية شريحة أخرى من الفلاحين معروفة باسم “البحث الاجتماعي” وهم الذين تم توزيع أراضي الإصلاح الزراعي عليهم بموجب دراسة اجتماعية بيّنت عدم ملكيتهم لأي أرض أخرى. كما ينتشر نمط من عقود المغارسة في السهل، وهو بحسب قانون تنظيم العلاقات الزراعية رقم 56 لعام 2004، عقد يحصل المُغارس عند انتهائه، على ملكية جزء من الأرض وذلك لقاء غرسها والعناية بالغراس. ويجب الإشارة هنا أيضاً إلى انتشار عقود استئجار أراضي الدولة، كذلك انتشار وضع اليد على الأملاك العامة. كما يوجد تنازع على الملكيات العامة بين وزارتي الري والزراعة، كما توجد عقارات تتبع لأوقاف طرابلس اللبنانية وتديرها أوقاف طرطوس بالنيابة والأمانة.
كل تلك التعقيدات في أشكال الملكية، والبيروقراطية، والاستملاكات الواسعة، وعدم إنجاز الأعمال الضرورية في التحديد والتحرير، توزيع الملكية، إزالة الشيوع، قاد إلى حرمان كثير من أصحاب الحقوق من الحصول على التعويضات. لذا، ومن دون دراسة واقعية لحجم الأضرار على الفلاحين، اعتمد مجلس الوزراء في 6 شباط، في معرض استجابته للأضرار الناجمة عن الفيضانات، على مذكرتين أصدرتهما وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، ووزارة الموارد المائية. واستندت المذكرتان في تقدير قيمة التعويضات إلى نتائج عمل لجان تقييم الأضرار المشكلة سابقاً والمكلفة حصر الأضرار الزراعية في محافظة طرطوس. وتشكلت تلك اللجان في الأصل بموجب قرار محافظة طرطوس رقم 961 لعام 2009 بغرض جرد وتقييم الموجودات الثابتة الخاصة بمرافق الصرف الصحي في مدينة طرطوس. وليس واضحاً ما علاقة تلك اللجان ولا خبرتها في تقدير الأضرار الناجمة عن الفيضانات في سهل عكار.
في كل الأحوال، تم التعويض على المتضررين، ودفع تكاليف إعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات والطرق الزراعية وتعزيل المصارف، عبر “صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية على الإنتاج الزراعي” الذي تم إحداثه بموجب المرسوم 114 لعام 2011، والمرتبط بوزير الزراعة. للصندوق سقف للتعويضات التي يقدمها، ويعتمد في ذلك على حجم موجوداته وإيراداته من الخزينة العامة والاتحاد العام للفلاحين والهبات وفوائد أمواله في المصارف. وبحسب مرسوم إحداثه لا يجوز أن تزيد التعويضات التي يقدمها الصندوق عن 80% من موجوداته. ومهمته التعويض على المتضررين في إنتاجهم الزراعي بسبب الجفاف والكوارث الطبيعية وتغيّر الأحوال المناخية.
وسائل الإعلام المحلية أشارت إلى صدمة الفلاحين المتضررين بحجم التعويضات الضئيل المقرر لهم، من دون إيراد أي جداول بقيم بتلك التعويضات. كما رددت وسائل الإعلام المحلية شكاوى المتضررين من أن المشمولين بالتعويض هم أقلية بين الفلاحين. وزير الزراعة قال إن من كان مالكاً لأرضه وحاصلاً على التنظيم الزراعي يستحق التعويض، بشرط التقدم باعتراض إلى لجنة الاعتراضات.
مجلس مدينة طرطوس، وخلال انعقاد دورة انعقاده الأولى في العام 2024 ما بين يناير وشباط، اقترح إعادة تقديم توصية مكررة لمجلس الوزراء بإحداث هيئة إدارة واستثمار سهل عكار، أسوة بالهيئة المحدثة لاستثمار سهل الغاب. إحداث هذه الهيئة يعني وجود جهة رسمية تتولى مشاريع البنية التحتية والصرف الصحي وتصريف المياه، لمواجهة الفيضانات، خاصة فيضان النهر الكبير الجنوبي الذي يشكل تهديداً سنوياً للفلاحين في فصل الشتاء.
