التصعيد الأخير في الشيخ مقصود والأشرفية وتأثيره على حقوق السكن والملكية
في مطلع كانون الثاني 2026 تصاعدت موجة العنف في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ضمن سياق اشتباكات بين قوات الحكومة السورية الانتقالية وقوات الأسايش الأمنية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية. ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) الصادر في 08 يناير 2026، فقد تسببت موجة العنف في مقتل 9 مدنيين وإصابة 55 آخرين، بينهم نساء وأطفال، بعد أيام من القصف والاشتباكات داخل أحياء مكتظة بالسكان، وألحق القصف أضراراً واسعة بممتلكات عامة وخاصة، مع تضرر عدة مرافق صحية وقف عمل بعضها نتيجة ذلك.
تزامن هذا التصعيد مع نزوح جماعي وانتشار أمني واسع، حيث وثقت الأمم المتحدة أن عشرات الآلاف العائلات نزحوا من الشيخ مقصود والأشرفية باتجاه أماكن أخرى منها منطقة عفرين، ومراكز إيواء داخل مدينة حلب. كما أصدرت السلطات تحذيرات إخلاء لبعض الأحياء وفرضت حظر تجول وهجّرت السكان بعيداً عن خطوط الاشتباك، بينما بقيت حركة الدخول والخروج إلى مدينة حلب مقيدة بشدة لفترات عديدة.
منظمة ACAPS لتحليل الأزمات في سوريا أكدت أن الاشتباكات أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 23 شخصاً وإلى نزوح نحو 148,000 شخص من الشيخ مقصود والأشرفية، في واحدة من أكبر موجات النزوح في سنوات النزاع، قبل أن يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار جزئي يسمح بإجلاء المدنيين والجرحى، وسحب مقاتلي الأسايش من المنطقة نحو شمال شرقي سوريا.
عشوائيتا الأشرفية والشيخ مقصود
يقع حيا الأشرفية والشيخ مقصود على هضبات مرتفعة شمال مدينة حلب، وشكلا تاريخياً امتداداً عمرانياً مرتبطاً بموجات لجوء سابقة إلى المدينة. في أعقاب مجازر عام 1915 ضد الأرمن في تركيا، استقر عدد من الأرمن والسريان في هذه التلال الشمالية، وحملت المنطقتان حينها تسميتين مختلفتين هما الداودية وجبل السيدة. هذا الحضور المسيحي المبكر ترك بصمته الأولى على التكوين العمراني والاجتماعي للمنطقة قبل أن تتغير ملامحها جذرياً لاحقاً.
ابتداءً من مطلع السبعينيات، شهد الحيان تحولات ديموغرافية واسعة نتيجة موجات هجرة كثيفة من كرد الريف الحلبي والشمالي، ولا سيما من مناطق عفرين وكوباني، مدفوعة بعوامل العمل في المناطق الصناعية القريبة مثل الليرمون وبني زيد، إضافة إلى الدراسة في جامعة حلب. استقر القادمون الجدد في الأشرفية والشيخ مقصود لقربهما من مواقع العمل وانخفاض كلفة السكن، ومع مرور الوقت غلب الطابع الشعبي والكردي على الحيين، مع استمرار وجود أسر مسيحية وأخرى من التركمان والعرب والعلويين، معظمها من ذوي الدخل المحدود والطبقة الوسطى من موظفي المدينة.
ترافق هذا التحول مع مسار طويل من التهميش والقمع الذي مارسته سلطات حزب البعث بحق سكان الحيين من الكرد. فقد ارتبطت المناسبات السياسية والاجتماعية الخاصة بهم بحملات اعتقال وإذلال وقتل، كما جرى توظيف التوترات بين المكونات المحلية، ما عمّق الشرخ الاجتماعي ورسّخ الأشرفية والشيخ مقصود في الذاكرة الجمعية الكردية كفضاء للاضطهاد والصمود في آن واحد.
عمرانياً، يغلب على الحيين نمط السكن الأول المتصل، حيث الأبنية المتلاصقة متعددة الطوابق التي يصل ارتفاع بعضها إلى ستة أو سبعة طوابق، مع شقق صغيرة سيئة التهوية والإضاءة، وشوارع ضيقة تعاني من إهمال مزمن في الخدمات البلدية. هذا النمط لم يكن نتاج تخطيط رسمي بقدر ما كان استجابة ذاتية لحاجة ملحّة إلى السكن، إذ تولى السكان بناء مساكنهم بأنفسهم منذ سبعينيات القرن الماضي. نسبة مخالفات البناء في الشيخ مقصود كبيرة، وتختلط الأبنية المرخصة وغير المرخصة غربي الشيخ مقصود بمساحة تبلغ حوالي 180 هكتار. أما في حي الأشرفية، فمعظم الأبنية السكنية نظامية وفيها سندات تمليك رسمية، ومع ذلك تكثر فيها مخالفات البناء بالتعدي على المساحات المشتركة ببناء طوابق إضافية، أو البناء على الشيوع من دون إفراز.
غياب التنظيم والتخطيط العمراني والحضري
على مستوى التخطيط، يظهر مخطط غوتون المعتمد في حلب منذ عام 1954 ملامح تنظيمية جزئية لأقسام من الأشرفية والشيخ مقصود، من حيث شبكة الشوارع وتوزع بعض البلوكات السكنية. كما تكشف المخططات المساحية العقارية الموضوعة في أوائل الثلاثينيات عن وجود أجزاء من الأشرفية تعود إلى ما قبل تلك الفترة، ما يشير إلى أن بعض الأبنية كانت قائمة قبل الانتداب الفرنسي، الذي قام لاحقاً بمسح كادسترالي لها، وتثبيت أوصافها وأحداثياتها وتسجيلها بأسماء شاغليها.
ورغم أن تنظيم الأشرفية جرى في الفترة الزمنية نفسها التي نُظّم فيها حي المحافظة جنوبي حي الأشرفية، فإن المقاربة التخطيطية اختلفت جذرياً. فقد جرى اختيار المحافظة لتكون واجهة حضرية ذات طابع أرستقراطي تحظى بالعناية والتجميل، في حين تُركت الأشرفية لجهود سكانها، نتيجة قصور سياسات الدولة عن استيعاب حجم الطلب على السكن. هذا الواقع دفع الأهالي إلى اللجوء إلى حلول شبه قانونية، أبرزها إفراز العقارات بموجب أحاكم قضائية “إفرازات حكمية”، الناتجة عن دعاوى تثبيت بيع الأسهم، والتي أفضت لاحقاً إلى فرز العقارات. تم تسجيل أغلب الافرازات الحكمية في الصحف العقارية، لأن البناء تم وفق ملامح مخططGutton، وما كان غير مطابق للمخطط فبقي بدون تسجيل وافراز.
أما في الشيخ مقصود، فيُظهر مخطط غوتون تنظيماً محدوداً للجزء المعروف محلياً بالشيخ مقصود الشرقي والمطل على مقابر المسيحيين، حيث تتطابق شبكة الشوارع والبلوكات إلى حد كبير مع الواقع الحالي. في المقابل، فإن القسم الغربي من الشيخ مقصود، إلى جانب مناطق توسع الأشرفية، تشكل بمعظمها مناطق بناء مخالف، تمتد معاً على مساحة تقارب 250 هكتار، ويخلو جزء واسع منها من الإفرازات الحكمية، ما جعل سكانها عرضة دائمة لمخاطر الإخلاء والتهجير تحت ذرائع تنظيمية.
تجلت هذه المخاطر بوضوح خلال إعداد دراسات تخطيطية للمناطق العشوائية في حلب بين عامي 2005 و2006. ففي حين جرى اعتماد مخططات تحاكي الواقع العمراني القائم في أحياء مثل الحيدرية وتل الزرازير وجبل بدرو، رغم أن معظمها مقام على أراض من أملاك الدولة، استُثنيت الشيخ مقصود وتوسعات الأشرفية من هذا النهج. وُضعت لهما دراسات تنظيمية تتجاهل النسيج العمراني القائم، عبر اختراق أحياء سكنية كاملة بشوارع جديدة وتوزعات بلوكات غير منسجمة مع الواقع. وفي ظل الوضع القانوني الهش للحقوق، كان أي تنفيذ لهذه المخططات يعني إخراج السكان من منازلهم دون تعويض، ما أدى إلى ترحيل هذه المشاريع مراراً لأسباب سياسية، عاكساً درجة اللامبالاة الرسمية بمعاناة سكان هذه الأحياء.
من التهميش العمراني إلى التنظيم الذاتي المحلي
مع اندلاع الصراع في حلب عام 2012، خضع المنطقة لسيطرة “وحدات حماية الشعب الكردية، لتصبح جيباً مستقلاً عن سلطة النظام والمعارضة. تحول الحي إلى نقطة تماس مشتعلة، حيث تعرض لصراع نفوذ وحصار خانق وقصف مكثف، خاصة بين عامي 2015 و2016، من قبل جبهة النصرة التي كانت تحاول اختراق المنطقة خاصة من جهة “السكن الشبابي” ومنطقة “المغاسل”، لكنها باءت بالفشل بسبب الطبيعة الجغرافية المرتفعة للحي والتحصينات الدفاعية القوية التي أقامتها الوحدات الكردية وعزز ذلك من عزلة المنطقة السياسية والإدارية عن بقية أحياء حلب. وتسببت الأعمال العسكرية والقصف المركز إلى دمار واسع في البنية التحتية الهشة أصلاً، وخاصة في منطقة الشيخ مقصود غربي المكتظة. وبسبب غياب أي دور للتنظيم العمراني الرسمي فقد حل محله “ترميم اضطراري” وعشوائي قام به الأهالي للبقاء، مما جعل الواقع العمراني الحالي أكثر ابتعاداً عن المخططات التنظيمية التي وضعت قبل 2011.
ومع تهجير سكان عفرين عام 2018 ونزوح أعداد كبيرة منهم إلى أحياء الأشرفية والشيخ مقصود، دخلت هذه المناطق مرحلة جديدة من التحولات الاجتماعية والسياسية، تزامنت مع تغيّر موازين السيطرة العسكرية في مدينة حلب. في هذا السياق، شكّل سكان الحيين مجالس محلية تابعة للإدارة الذاتية، وترافقت هذه الخطوة مع تشكيل لجان عسكرية محلية انضمت لاحقاً إلى قوات سوريا الديمقراطية، بهدف حماية الأحياء وسكانها. تحولت الأشرفية والشيخ مقصود خلال هذه المرحلة إلى فضاء مكتظ بالنازحين والمهمشين، وملاذ لمن هربوا من الخدمة العسكرية الإلزامية، أو ممن اعتمدوا على تحويلات مالية محدودة من أقاربهم في أوروبا لتأمين سبل العيش، وهو ما جعل سكان هذه الأحياء عرضة لحصار وضغوط وابتزاز متكرر من حواجز النظام.
بالتوازي، شهدت الأحياء نشاطاً اجتماعياً ملحوظاً تمثل في تشكيل لجان محلية لإدارتها، وتنظيم جلسات حوار وندوات نسوية، ركزت على تمكين المجتمع المحلي وطرح اللامركزية بوصفها خياراً سياسياً وإدارياً قابلاً للتطبيق. استمرت هذه التجربة إلى حين سقوط نظام البعث، ما دفع بعض حواجز قوات سوريا الديمقراطية إلى توسيع نطاق انتشارها وصولاً إلى تخوم هذه الأحياء، في إطار تفاهمات أولية مع السلطة الجديدة، رافقتها مفاوضات تناولت إمكانات التعاون والمشاركة في إدارة بعض بلديات حلب، إضافة إلى إقامة حواجز مشتركة.
ليلة الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية
غير أن هذه المسارات انتهت بشكل فجائي مع إعلان السلطة الانتقالية إنهاء المفاوضات في 8 يناير، وأعقب ذلك تصعيد عسكري واسع تخللته أعمال انتقامية بحق المدنيين والعسكريين في المنطقة، وسط تقديرات أهلية بمقتل العشرات. مراسلة سيريا ريبورت أكدت وقوع أضرار جسيمة بالأبنية المتصدعة أصلاً. في الأشرفية تركز الدمار حول مشفى عثمان والأبنية حوله كونها تقع على مشارف الحي وفي أعلى نقطة فيه. الوضع مشابه في الشيخ مقصود حيث تعرضت الأبنية المطلة على مقابر المسيحيين لأضرار كبيرة، تمثلت في احتراق بعضها وإحداث فجوات كبيرة في الواجهات نتيجة القذائف، ودمار بعض الواجهات والتراسات بشكل كامل. خلال عمليات التمشيط قامت عناصر قوات الحكومة السورية بتخريب العديد من البيوت وخاصة بيوت الكورد التي تحوي رموزاً قومية. هذا إلى جانب تهجير جديد لأهالي عفرين نحو مناطقهم، التي ما تزال غالبية منازلهم فيها محتلة من قبل قادة فصائل تابعة لوزارة الدفاع. كما فُقد الاتصال بمئات الأشخاص ممن تعرضوا للاعتقال أو الخطف، في تطور يفتح فصلاً جديداً في سلسلة التغييرات الديموغرافية وأشكال التهميش التي يتعرض لها كورد حلب منذ عقود على يد الدولة.
