الترميم المستحيل لعقارات دمشق القديمة
خلال الاجتماعات الدورية التي عقدها مجلس محافظة دمشق، في كانون الثاني 2024، تركزت مداخلات الأعضاء على المشاكل التي تعانيها مدينة دمشق القديمة، وبعضها بات يؤثر على حقوق السكن الأرض والملكية. ومن ذلك تأخير إصدار تراخيص ترميم الأبنية القديمة ما قد يُعرّضُها لخطر الانهيار.
لدمشق القديمة مديرية خاصة بها تابعة لمحافظة دمشق، وهي بمثابة البلدية، وحدود صلاحياتها هي المنطقة الواقعة ضمن سور دمشق، والممتدة من قلعة دمشق وسوق الحميدية غرباً وحتى باب شرقي شرقاً. وهذه المنطقة مدرجة في لائحة التراث العالمي منذ العام 1979، التي تصدرها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونيسكو”.
وبحسب ما نشرته صحيفة الوطن شبه الرسمية في 14 يناير 2024، فقد قالت مديرة مديرية دمشق القديمة أميمة عبود، إن لجنة جديدة مؤلفة من ممثلين عن مديرية دمشق القديمة، وعن فرع دمشق في نقابة المهندسين، وعن مديرية دوائر الخدمات في محافظة دمشق. وهذه اللجنة ستكشف على العقارات القديمة في دمشق القديمة، وستقدر مستوى الخطر عليها وتحدد الآيل منها للسقوط.
ومن الملفت في تشكيل اللجنة الجديدة استبعاد مديرية الآثار وهي الجهة الوحيدة التي تمتلك الخبرات والكوادر القادرة على تحديد الأضرار في المدينة القديمة واقتراح طرق لتلافيها واصلاحها بما لا يسيء لنسيج المدينة القديمة.
وهناك تناقض في المهام والحاجة للجنة الجديدة. إذ أن من مهام البلديات في محافظة دمشق، الكشف على الأبنية الآيلة للسقوط وإصدار رخص ترميم عاجلة لها. وبالتالي، فإن مديرية دمشق القديمة هي المسؤولة عن الكشف الدوري على العقارات في نطاق عملها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة المخاطر عليها، ومنح رخص الترميم، والاشرف على تنفيذها.
على أرض الواقع، تُعطّلُ محافظة دمشق صلاحيات البلديات، ومنها مديرية دمشق القديمة، في إصدار رخص الترميم، بحسب ما قاله مصدر مطلع من محافظة دمشق، تحدث لسيريا ريبورت. إذ تتشدد محافظة دمشق في منح رخص الترميم لأصحاب العقارات الخاصة في دمشق القديمة (اسمها الرسمي رخصة التدعيم وإعادة البناء الجزئي). وتبرر المحافظة ذلك بأن المنطقة أثرية لها معاملة خاصة لجهة الدراسة الانشائية، ونوع وكمية المواد المستخدمة في الترميم. وتشترط المحافظة وجود صاحب العقار أو ورثته عند طلب رخصة الترميم. وهذا أمر ليس سهلاً، لأن دمشق القديمة تشهد خلافات قضائية بين أجيال من الورثة على الإرث والتركات القديمة، وكذلك خلافات بين مستأجرين ومؤجرين وفق عقود الإيجار القديمة السكنية والفروغ التجارية الخاضعة للتمديد الحكمي. وقد تسببت تلك التعقيدات في وضع إشارات مانعة من التصرف على كثير من عقارات تلك المنطقة القديمة، ما يحول دون الحصول على رخص الترميم.
ويحدث مثلاً أن عقاراً يضم بضعة مساكن في دمشق القديمة، يظل مسجلاً باسم صاحبه بعد عقود من وفاته، بسبب النزاع بين ورثته على تقاسم التركة. في الوقت ذاته، يكون ذلك العقار مسكوناً من قبل مستأجرين متعددين، وفق عقود إيجار قديمة بأسماء أشخاص متوفين أيضاً. وبالتالي، يكون النزاع أحياناً على العقارات في دمشق القديمة على أكثر من مستوى؛ فيما بين ورثة أصحاب العقار من جهة، ومن جهة أخرى بين أولئك الورثة وبين ورثة مستأجري العقار. في كل تلك الأحوال، لا يحدد قانون الايجار مسؤولية الأطراف المتعاقدة عن الترميم، ولا يلزم أي طرف منهم بالترميم.
بوجود كل تلك التعقيدات لا يمكن لأي طرف الحصول على رخصة ترميم نظامية. وبالتالي، وللحماية من انهيار العقار على رؤوس ساكنيه، يضطر أحياناً قاطنو العقار، للقيام بترميمه من دون ترخيص، وهو ما تعتبره محافظة دمشق مخالفة بناء بموجب المرسوم التشريعي رقم 40 للعام 2012 الخاص بمخالفات البناء. وفي حال المخالفة، يخسر أصحاب العقار الحق بالحصول على رخصة ترميم لاحقاً. إذ يجب في البداية تسوية تلك المخالفة قبل التقدم بطلب رخصة ترميم جديدة. لكن، لم تعد محافظة دمشق تقبل بتسوية المخالفات حتى لو كانت واقعة قبل صدور القانون 40\2012، من دون أي تبرير. إذ يصر محافظ دمشق على أن الحل الوحيد لأي مخالفة بناء هو إزالتها وهدمها. ولذا، يبدو لافتاً مطالبة أعضاء مجلس المحافظة، خلال الاجتماعات الأخيرة، بإعادة العمل بتسوية مخالفات البناء في دمشق القديمة التي يمكن البرهنة على حدوثها قبل صدور المرسوم 40\2012.
من جانب آخر، وفي حال عدم وجود مشاكل بين الورثة والمستأجرين، يجد سكان دمشق القديمة أنفسهم أمام معضلة أخرى لا تقل تعقيداً. المنطقة أثرية وأحياناً تتضارب فيها صلاحيات وزارة الثقافة ووزارة الأوقاف ووزارة السياحة، مع صلاحيات محافظة دمشق، بخصوص ترميم بعض العقارات. وفي حال تمكن مالك عقار خاص في منطقة أثرية، من الحصول على رخصة ترميم، فيجب أن يتم الترميم بإشراف محافظة دمشق ووزارة الثقافة. وإذا كان العقار قائماً على وقف، أو مجاوراً لموقع ديني يجب أن تشارك في الإشراف وزارة الأوقاف. وتضاف إليهما، وزارة السياحة اذا كان العقار يضم منشأة سياحية. في كل الأحوال، يتم الترميم على نفقة صاحب العقار وحده. ولا تقدّم تلك الجهات الوصائية، أي مساعدة أو دعم مالي، ولا أو ضمانات أو تسهيلات مصرفية لترميم العقارات المتضررة، حتى لو كان العقار آيلاً للسقوط. الملفت أن محافظة دمشق لا تتدخل في ترميم أي عقار آيل للسقوط، إلا إذا شكل خطراً على المرافق العامة.
