الأنقاض تعيق عودة أهالي الحجر الأسود
مدينة الحجر الأسود جنوب دمشق ما زالت تعاني من دمار واسع وتراكم الأنقاض الذي يعيق عودة السكان. وعلى الرغم من تسجيل عودة مئات العائلات من الشمال السوري ومن دمشق، يبقى غياب الخدمات الأساسية وشلل عمليات الإزالة عائقاً أساسياً أمام الاستقرار. شهادات الأهالي توضح صعوبة الترميم الفردي وتكاليفه الباهظة، فيما تقتصر جهود المحافظة على تحركات محدودة لم تؤد إلى نتائج ملموسة، مع تأكيد رسمي على ضعف الإمكانيات وحجم الدمار الكبير في معظم الأحياء.
تقع مدينة الحجر الأسود جنوب العاصمة دمشق على بعد سبعة كيلومترات من مركزها. ويقطنها حالياً نحو خمسين ألف نسمة، بعدما كان عدد سكانها قبل عام 2011 يصل إلى نحو خمسمئة ألف، كثير منهم من النازحين من القنيطرة. وقد تعرضت المدينة لدمار شديد بسبب العمليات القتالية، إبان سيطرة المعارضة عليها بين العامين 2012-2015، وكذلك خلال فترة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية ما بين العامين 2015-2018. وقد استعادت قوات نظام الأسد السيطرة عليها في العام 2018 بعد حملة قصف جوية ومدفعية واسعة النطاق تسببت بتدمير أحياء كاملة في المدينة، والتهجير القسري لمن تبقى من سكانها. في نهاية العام 2021 سمحت محافظة ريف دمشق بعودة مشروطة للأهالي إلى بعض أحياء الحجر الأسود التي تعتبرها صالحة للسكن.
وأكدت مصادر محلية لمراسل سيريا ريبورت، أنه بعد سقوط نظام بشار الأسد عادت نحو ألفي عائلة من الشمال السوري إلى الحجر الأسود، إضافة إلى عودة عدد كبير من العائلات التي كانت مقيمة في دمشق خاصة تلك المقيمة في حي التضامن المجاور. وأشارت المصادر إلى أن كميات الأنقاض ما زالت ضخمة وتشكل عائقاً أمام العودة إلى الحجر الأسود، خصوصاً في الشوارع الرئيسية وأمام المنازل.
في الأسابيع الأخيرة شاعت أنباء عن البدء بإزالة الأنقاض في أجزاء من المدينة، لكن مصادر محلية أوضحت أن ورشة عمل مصحوبة بعدد محدود من الآليات، بعضها تابع لمحافظة القنيطرة، أزال بعض الركام من الحي، لمدة يومين فقط، وتوقف بعدها العمل. وبحسب المصادر، فإن الورشة بررت التوقف بسبب عدم توافر الإمكانيات للتعامل مع هذا الكم الضخم من الأنقاض.
تتعدد شهادات الأهالي حول معاناتهم مع تراكم الأنقاض ودمار منازلهم، في ظل غياب أي تحرك جدي من محافظة ريف دمشق لإزالتها بما يسهّل عمليات الترميم والعودة. أبو زهير، رجل خمسيني كان يقطن في حي التضامن، قال إنه مُنع عام 2023 من العودة إلى منزله في الحجر الأسود من قبل قوات النظام، إذ سُمح حينها لقسم محدود فقط من السكان بالعودة بعد الحصول على موافقة أمنية. اليوم، وبعد أن تمكّن من العودة إلى منزله في الحجر، الذي يحتاج إلى ترميم، وجد كميات كبيرة من الأنقاض أمامه، ونقلها يتطلب مبالغ كبيرة لا يملكها. لذلك يكتفي حالياً بزيارات سريعة للتأكد من أن سلامة البناء وأنه لم يتعرض للهدم.
فادي، الذي عاد من الشمال السوري مع أسرته بعد أن غادر مع مسلحي المعارضة بموجب اتفاق مصالحة العام 2018، أكد استعداده لترميم منزله الذي يحتاج إلى نحو خمسين مليون ليرة سورية، أي ما يقارب خمسة آلاف دولار. لكنه أوضح أن وجود الأنقاض أمام منزله يفرض كلفة إضافية كبيرة في حال تكفّل بإزالتها على نفقته الخاصة. لذلك ينتظر تحرك آليات المحافظة لرفع الركام، إلا أن الأمل ما زال بعيداً على حد قوله. الشاب الذي تجاوز الأربعين عاماً ويسكن حالياً مع عائلة زوجته في جديدة عرطوز بريف دمشق، قال إن من الصعب جداً أن يتمكن الأهالي من إزالة الأنقاض بأنفسهم، لأن ذلك يتطلب مبالغ كبيرة تفوق قدراتهم.
أم علي، وهي امرأة خمسينية تقطن في نهر عيشة، دخلت إلى الحجر الأسود بعد سقوط نظام بشار الأسد لتفقد منزلها، ثم عادت للإقامة فيه رغم أنه شبه مدمر، بعدما أجرت مع زوجها بعض الإصلاحات البسيطة. غير أن الأنقاض المتراكمة في الطريق الرئيسي المؤدي إلى منزلها ما زالت تشكل عائقاً كبيراً في الحركة من البيت وإليه، لكنها تؤكد إصرارها على البقاء للحفاظ على ما تبقى من بيتها، رغم فقدان أبسط مقومات الحياة من كهرباء ومياه وغيرها. تقول أم علي إن الحي الذي تسكنه يضم عدداً من العائلات التي عادت بعد سقوط النظام، ورغم المطالبات المتكررة بإزالة الأنقاض لم يُنفذ أي شيء على أرض الواقع. وتوضح أنها لمست فقط في الشهر الماضي وجود أربع آليات أزالت كميات محدودة من الركام خلال يومين، ثم توقفت الأعمال من دون عودة.
أبو محمود، رجل سبعيني، يزور كل يومين حي الجزيرة عند مدخل الحجر الأسود ليتفقد منزله شبه المدمر. يقف أمامه مستذكراً سنوات عمله التي ذهبت هباءً. كان الطابق الأرضي من منزله مؤلفاً من محل لبيع المواد الغذائية، لكن ما تبقى من البيت تعرّض للتعفيش على يد عناصر النظام، فيما الأنقاض تملأ الداخل والجدران مهددة بالسقوط. ويسأل بحسرة من الذي يمكن أن يساعده على ترميم منزله أو إعادة بنائه من جديد.
شهادات هؤلاء الأهالي تعكس أوضاع آلاف العائدين إلى الحجر الأسود، في ظل تقصير واضح من السلطات في إعادة أبسط مقومات الحياة. فالمدينة لا تضم سوى مركز صحي واحد ومدرستين، فيما خطوط الكهرباء ما زالت مدمرة من دون أي خطة لإصلاحها، أما المياه فيؤمنها السكان على نفقتهم الخاصة، والأنقاض ما تزال تعيق عودة الكثير من العائلات إلى منازلها.
مصدر في محافظة ريف دمشق أوضح لسيريا ريبورت أن كميات الأنقاض في المدينة ضخمة، وأن الآليات المتوافرة غير كافية للتعامل معها، خاصة وأن المنطقة شبه مدمرة ولا سيما حي الجزيرة. ومع ذلك، أشار المصدر إلى أنه تم السماح للأهالي بالعودة من دون أي قيود، وحتى شرط الموافقة الأمنية الذي كان مفروضاً في عهد النظام جرى إلغاؤه.
وبيّن المصدر أن العمل على إزالة الأنقاض في الحجر الأسود بدأ منذ عام 2021، لكن آليات المحافظة لم تتمكن حتى الآن من رفع أكثر من عشرين بالمئة منها. وأضاف أن الإمكانيات الحالية لا تسمح بإنجاز المهمة سريعاً، وأن الأمر يحتاج إلى سنوات لإزالة جزء كبير من الركام، إن لم يكن كله. وأشار المصدر إلى أن الجهود تتركز حالياً على إزالة الأنقاض من بعض الشوارع الرئيسية لفتحها، وهو ما جرى العمل عليه خلال آب الماضي قبل أن يتوقف مؤقتاً بانتظار تأمين معدات إضافية تساعد في متابعة العملية.
وأكد المصدر أن نسب الدمار تختلف بين أحياء المدينة، إذ تصل في حي الجزيرة إلى ما بين سبعين وثمانين بالمئة، حيث معظم المنازل آيلة للسقوط، بينما تبلغ نحو خمسين بالمئة في شارع الوحدة، وحوالي ثلاثين بالمئة في مناطق أخرى. لكنه شدد على أن المدينة عموماً شبه مدمرة وتحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة إعمارها.
المصدر أكد أنه لا يوجد أي مشروع مطروح حالياً لتنظيم المنطقة أو دخول شركات إعمارها، ولفت إلى أن عدداً من الأهالي رمموا منازلهم ويسكنون فيها حالياً، موضحاً أن إعداد مخطط تنظيمي للمدينة كان قد بدأ عام 2023 لكنه توقف بعد سقوط النظام وجُمّدت أعمال اللجان المسؤولة عن وضع المخططات الجديدة.
تكشف أوضاع الحجر الأسود أن عودة الأهالي ما زالت مشروطة بواقع صعب: الأنقاض باقية وتشكل عبئاً مادياً يعجز الأفراد عن تحمّله، فيما تعجز المحافظة عن توفير استجابة كافية. هذا التناقض يجعل العودة ممكنة شكلياً لكنها غير مستقرة عملياً، لأن العائلات التي رجعت ما زالت تعيش بين منازل شبه مدمرة وخدمات غائبة. كما أن غياب خطة واضحة لإزالة الركام ومعالجة نسب الدمار المختلفة بين الأحياء يترك السكان في حالة انتظار مفتوحة، ويُبقي مستقبل المدينة رهناً بقدرة المؤسسات على الانتقال من الوعود إلى التنفيذ.
