استملاكات الإدارة الذاتية تثير نزاعاً حول التعويض
في آب 2023، أطلقت هيئة الإدارة المحلية والبيئة في مقاطعة الجزيرة، مشروعاً لجرّ الماء إلى مدينة الحسكة، يتضمن استملاكات لأراضي زراعية جنوبي مدينة عامودا. ويبدو أن حاجة سكان مدينة الحسكة الملحة للماء، تفرض على الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا تسريع تنفيذ مشروع جر الماء، قبل إصدار قانون للاستملاك. ويجعل ذلك من عملية التعويض على استملاك الأراضي خاضعة لتقديرات المسؤولين المحليين، ما يثير إعتراض أصحاب الأراضي.
هيئة الإدارة المحلية والبيئة، بحسب التنظيمات الإدارية للإدارة الذاتية، هي أعلى سلطة تتبع لها بلديات الأقاليم. وإقليم مقاطعة الجزيرة يضم مدن القامشلي والحسكة وعامودا والمالكية. الهيئة قررت في آب 2023، استملاك خمسة هكتارات من الأراضي الزراعية في قرى سنجق سعدون وكندور وسنجق خليل وكر خالد وقزلاجوخ جنوبي عامودا، لحفر عشرين بئراً، وتركيب محطة ضخ، ومدّ أنابيب جر، وتنفيذ حوض لتجميع للماء. ولكن، بسبب بعض الاعتراضات، لم تتمكن الهيئة من تنفيذ سوى تسعة آبار لحد اليوم. والملفت أن هيئة الإدارة المحلية هي من قامت بدراسة المشروع هندسياً، وتقوم حالياً بتنفيذه.
المادة 58 من قانون البلدية واتحاد البلديات الديمقراطية رقم 4 الصادر في العام 2024 عن مجلس الشعوب الديمقراطي، فإن مجلس اتحاد بلديات الإقليم هو المسؤول عن إقرار المشاريع الاستراتيجية، كشق الطرق وتوسعتها، وإقامة منشآت البنى التحتية. بينما يتيح القانون للبلديات استملاك أي عقار للمنفعة العامة لقاء تعويض عادل وفق قانون الاستملاك، وبعد التحقق من عدم توفر عقارات مملوكة للإدارة المحلية تفي بحاجة المشروع الخدمي.
الرئيسة المشتركة السابقة لهيئة الإدارة المحلية والبيئة في شمال شرق سوريا ميديا بوزان، سبق وصرحت في العام 2022 للموقع الالكتروني للإدارة الذاتية، إن بضعة لجان قد تشكلت لإعداد مسودة نهائية لقانون الاستملاك. المشكلة أن قانون الاستملاك ما زال مشروعاً تحت الدراسة منذ العام 2022، ولم يتم اقراره بعد، كما أفاد مصدر قانوني لسيريا ريبورت. وأوضح المصدر أن سبب التأخير يعود لعدم وجود سجلات عقارية خاصة بالإدارة الذاتية.
عدم وجود قانون استملاك، دفع اللجنة العقارية في اتحاد الأصناف التابع للإدارة الذاتية لتشكيل لجنة متفرعة عنها، مطلع العام 2024، لدراسة بدل التعويض على أصحاب الأراضي المستملكة. واتحاد الأصناف هو من مؤسسات الإدارة الذاتية، ومهمته تنظيم عمل المهن في الأسواق. تألفت اللجنة من 3 خبراء أعضاء في اللجنة العقارية، وحددت قيم التعويض لكل أرض مستملكة على حدا، من دون الإفصاح عن معايير التسعير. قيم التعويض حددت بالدولار عن كل دونم مستملك من الأرض. وقد درجت العادة في مناطق الإدارة الذاتية على تسعير البيوع العقارية وقيم التخمين العقاري بالدولار، على عكس الإيجارات التي توثق بالليرة السورية. مثلاً، قررت الهيئة أن قيمة بدل التعويض، هي 3000 دولار للدونم الواحد، في منطقة مروية بالآبار الارتوازية، و تحاذي الطريق العام، بينما قدرت قيمة الدونم في مناطق أخرى غير بعيدة بـ1500 دولار.
وبحسب الإجراءات التي تتبعها هيئة الإدارة المحلية، فإذا ما قبل صاحب أرض مستملكة بقيمة بدل التعويض، فالخطوة التالية هي توقيعه صك تنازل عنها ينظمه قبل مكتب الهيئة القانوني. ويتبع ذلك، توقيع عقد استملاك للأرض بين الهيئة والمالك، يتضمن تصريحاً بقيمة بدل الاستملاك.
بعض أصحاب الأراضي اعتبروا قيمة التعويض مجحفة بحقهم، بالمقارنة مع الأسعار الجارية في المنطقة. بعض أولئك، رفضوا تسليم أراضيهم للهيئة، ورفضوا استلام قيمة بدل التعويض. ولذا، وجهت الهيئة إنذارات عبر الكاتب بالعدل، لأصحاب الأراضي لمراجعة هيئة الادارة المحلية وتوقيع صكوك التنازل والاستملاك. الإنذارات تقول بأنه في حال رفض استلام بدل الاستملاك، سيتم ايداع التعويض في صندوق المحكمة، وسينفذ المشروع قسرياً.
وكان يفترض بعد ذلك أن تودع الهيئة بدلات التعويض لدى صندوق الكاتب بالعدل في مدينة عامودا. لكن ذلك لم يحدث بعدما رفع أحد أصحاب الأراضي المستملكة دعوى قضائية ضد هيئة الادارة المحلية. وبحسب مصادر سيريا ريبورت، فقد قررت الهيئة أن تتريث في إيداع بدل الاستملاك إلى حين صدور حكم قضائي في الدعوى.
من جانب آخر، ليس واضحاً كيف يمكن نقل العقارات المستملكة إلى بلديات الإدارة الذاتية، في ظل عدم وجود سجلات عقارية خاصة بها، واستمرار اعتمادها على وثائق الملكية الصادرة عن السجل العقاري في الحسكة التابع لحكومة دمشق. إذ لا تعترف حكومة دمشق، وبالتالي مصالحها العقارية، بالإدارة الذاتية وبلدياتها وأقاليمها، ولا بأية قرارات تصدرها. وبحسب مصادر سيريا ريبورت، ما زالت الأراضي المستملكة جنوبي عامودا، مسجلة بأسماء مالكيها الأصليين في السجلات العقارية التابعة لحكومة دمشق، ولم تتحول إلى أملاك عامة باسم إقليم الجزيرة أو هيئة الإدارة المحلية.
من جهة أخرى، يتواصل العمل منذ ثمانية شهور بتوسعة الطريق العام بين مدينتي القامشلي والمالكية، التي تتضمن استملاك مسافة 18 متراً على جانبي الطريق، بواقع تسعة أمتار لكل طرف. ويهدد المشروع أصحاب الأراضي المحاذية للطريق، في أكثر من عشرين قرية، باستملاك جزء من أراضيهم بغرض المنفعة العامة. وتقوم هيئة الإدارة المحلية والبيئة بتنفيذ المشروع، ببطء، وتموله منظمات دولية لم تصرح الهيئة عنها، ولكنها تدرج في إطار برامج التعافي المبكر في المنطقة.
وعلى عكس مشروع مدّ مدينة الحسكة بالماء، رفضت الإدارة الذاتية دفع تعويض مالي لقاء الاستملاك، مبررة ذلك بأن الأراضي المتبقية على جانبي الطريق ستصبح ذات صفة تجارية، ما سيزيد من سعرها. مصدر حقوقي قال لسيريا ريبورت، إن البلديات ترفض لحد اليوم الاستجابة لعرائض تظلم اتقدم بها أصحاب الأراضي المستملكة على جانبي الطريق. وفي حال استمر ذلك التجاهل، سيقوم المتضررون برفع دعاوى قضائية على البلديات للمطالبة بالتعويض عن استملاك مساحات من أراضيهم
