استثمار الأراضي الشاغرة للعلويين المُهجرين من ريف حماة
يقول علي، من قرية أصيلة بريف حماة، أن “المئات تركوا القرية ونزحوا باتجاه طرطوس. من لديه القدرة نزح واستأجر في مكان أكثر أماناً”. ويضيف “المشكلة الرئيسية هي غياب الأمن وخوف الأهالي من الحركة أو ممارسة أي نشاط”.
علي، مثل كثيرين من علويي 12 قرية وبلدة في سهل الغاب وريف حماة الشمالي الشرقي، كان يقطن منزله، المقام في أرضه الذي ورثها عن أبيه، والمزروعة بشجر الزيتون والفستق. هذه القرى كانت قد تحولت إلى ما يشبه خط تماس بين قوات النظام والفصائل المعارضة، ما بين العامين 2020-2024. هذا القرب من خط التماس، جعل تلك البلدات والقرى عرضة لهجمات متكررة، ولقصف متبادل بالمدفعية والدرونات، ما تسبب بتدمير كثير من منازلها وتخريب أراضيها الزراعية. وتحاذي هذه القرى العلوية في سهل الغاب، قرى كان يقطنها السنّة، تعرض سكانها للتهجير القسري على يد قوات النظام في حملتها الأخيرة على المنطقة في العام 2020، وخضعت أراضيها الزراعية لعمليات استثمار مكثفة منذ ذلك الوقت، ضمن ما كان يُعرف بمزادات الغائبين.
مع اطلاق هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها معركة ردع العدوان نهاية العام 2024، انقلبت حياة سكان تلك القرى العلوية رأساً على عقب. في ديسمبر 2024، دخلت فصائل المعارضة المسلحة إلى المنطقة لتجد أن معظم القرى قد فرغت من سكانها العلويين. فعلياً، نزح سكان القرى والبلدات الـ12، زمن بينها مريود، الزغبة، الطليسية، معان، الفان، وأبو منسف، وتوجهوا إلى مناطق أكثر أماناً مثل الساحل السوري، ومصياف، وسلمية. ورغم هذا النزوح، لم تسلم أملاك العلويين الشاغرة في تلك القرى، من التخريب، على يد مجموعات من قوات ردع العدوان، فتعرضت لتدمير مقصود، من حرق، تعفيش، وغصب للعقارات.
ناديا، من قرية معان، نزحت مع عائلتها وأغلب أهالي القرية بعد بدء عملية “ردع العدوان”، وتقول لسيريا ريبورت أن المنازل في قريتها “نهبت وسُرقت ثم أُحرقت”، مضيفة أن ما يهمها اليوم لم يعد بيتها المحروق بل استعادة أرضها التي تخشى أن تتعرض أشجارها للقطع كما حدث في العديد من القرى المجاورة.
ياسر، أحد النازحين عن قرية مريود، قال لسيريا ريبورت: “الاستيلاء على الأراضي والمضايقات الطائفية تستهدف العلويين دون سواهم من مكونات المنطقة”. يشير ياسر، إلى أن السكان السنّة (هم بدو من عشيرة طوقان) لتلك القرى لم يغادروها، فقط العلويين من فعلوا ذلك. يضيف ياسر: “لقد بقيت بعض العائلات السنية، ممن تجمعنا بها علاقات طيبة، فكانت مصدراً رئيسياً لنا لمعرفة ما يحدث في قرانا”. ينقل ياسر عن أحد جيرانه السنّة، عمّا جرى بعد النزوح: “منازلكم نُهبت بالكامل، وسُرقت المحاصيل، حتى أسلاك الكهرباء نُزعت من الجدران، كما رُدمت الآبار وسُرقت مشاريع الطاقة الشمسية التي كانت ممولة بقروض أو أقساط طويلة الأجل”.
للمفارقة، أنه مع سقوط النظام، عاد كثير من السنّة، المهجرين قسراً إلى منازلهم وأراضيهم في بلداتهم المهجورة في ريف حماة وسهل الغاب، المحاذية لقرى العلويين الـ12. واستعاد كثير من أولئك العائدون أراضيهم بشكل فردي، وأحياناً استعانوا بقوات الأمن العام أو وزارة الدفاع، في الحكومة المؤقتة، لإثبات ملكيتهم، وإخراج مستثمريها.
أيضاً، عادت إلى ريف حماة الشرقي عشيرة الموالي، التي سبق وقاتل كثير من أبنائها إلى جانب المعارضة المسلحة ضد قوات النظام، وتهجرت قسرياً إلى عفرين بريف حلب. عدا عن اصطفافها ضد النظام في الحرب السورية، فقد انضم كثير من أبناء الموالي لجبهة النصرة منذ العام 2013، قبل أن تغير اسمها إلى هيئة تحرير الشام في العام 2018، وعادوا معها ضمن عملية ردع العدوان التي تسببت بإسقاط نظام الأسد.
ولم يعد جميع العائدين من عشيرة الموالي إلى مناطقهم الأصلية بريف حماة الشرقي، بل توجه بعضهم إلى قرى العلويين الـ12، واستولى بعضهم على البيوت الشاغرة فيها، في حين فضل آخرون السكن في أراضي تلك القرى الزراعية، ونصبوا فيها خيامهم، وأدخلوا إليها قطعان الماشية. تسبب ذلك بأضرار جسيمة على الأشجار المثمرة، من زيتون وفستق، وهي أشجار لا تعوّض بسهولة، وتحتاج سنوات طويلة لتثمر من جديد.
القيادي الملقب بـ”أبو خالد السلفي”، قائد ميليشيا محلية من أبناء بلدة السمرة السنيّة بريف حماة الشرقي، عاد إلى المنطقة ضمن معركة ردع العدوان. السلفي، اطلع على الوضع في مريود المحاذية للسمرة، مباشرة بعد سقوط النظام. ونقل شهود عيان عن السلفي، الذي سبق وبايع تنظيم الدولة الإسلامية قبل أن ينضم لجبهة النصرة، اعترافه بوجود صعوبة في التفاهم مع بدو الموالي، الذين ألحقوا أضراراً كبيرة بالمزروعات في مريود وغيرها من القرى. وقال السلفي، بحسب شهود عيان، أنه لا يمكن إخراج البدو من المنطقة إلا إذا عاد السكن الأصليون إليها، في إشارة إلى العلويين. ووجه السلفي دعوة غير مباشرة للعلويين بالعودة، قائلاً “إن عادوا سنحميهم ونحمي أراضيهم مقابل نسبة من العائدات”.
في المقابل، توافق بعض وجهاء العلويين النازحين عن المنطقة، على تكليف “الأمير” أبو معتز مهرب الشايش، أحد وجهاء عشيرة الموالي، للتواسط مع أبناء عشيرته، ومع ممثلي الحكومة الانتقالية، وقادة المليشيات المسلحة المتحالفة مع وزارة الدفاع، لحماية أملاكهم الشاغرة، والتمهيد لعودة النازحين إليها. ولكن لم تسفر هذه الوساطة عن شيء، لعدم تجاوب ممثلي الحكومة الانتقالية معها. كما يُلاحظ أيضاً أنه، كما هو الحال في العديد من عمليات الوساطة المشابهة، لم يتم إشراك النساء، رغم التأثير المباشر لهذه القضايا على النساء المُهجّرات.
قالت مصادر محلية لمراسل سيريا ريبورت إن اجتماعاً مغلقاً، تناول مسألة “الاستثمار في الأراضي العلوية”، عُقد مطلع نيسان في مكتب يونس فارس “أبو اليمان”، القيادي في هيئة تحرير الشام المنحدر من بلدة صوران المجاورة، والذي عُيّن في 17 كانون الثاني مديراً لمنطقة ريف حماة الشمالي. لا يزال غير واضح ما هو الدور الفعلي لأبو اليمان، وما الذي يعنيه لقب “مدير المنطقة”، وكيف يمكن عقد اجتماع يناقش قضية ذات طابع طائفي دون أي مساءلة رسمية.
في المقابل، وردت أنباء عن إشراف “لجنة اقتصادية” تابعة للمحافظة على وضع اليد على أملاك الغائبين العلويين. في حين نفت مصادر من داخل المحافظة أي علاقة لها بملف الاستثمار، مما عمّق حالة الغموض وانعدام الثقة. ولا يزال الغموض قائماً حول ما إذا كان طرح هذه الأراضي للاستثمار يتم ضمن إطار رسمي منظم تشرف عليه محافظة حماة عبر محافظها الجديد المعيّن من قبل هيئة تحرير الشام، أم أنه مجرد مبادرة من قوى الأمر الواقع المحلية.
من جانب آخر، أشار بعض النازحين العلويين، لسيريا ريبورت، بأنهم تلقوا عروضاً من أشخاص ادعوا تمثيل “شركة اكتفاء للاستثمار الزراعي“، عرضوا عليهم توقيع عقود تأجير أراضيهم لمدة سنتين، أو بيعها بسعر 1000 دولار للدونم الواحد. وحصلت سيريا ريبورت على نسخة من هذه العقود الممهورة باسم الشركة، والمرسلة عبر الواتس أب لأحد النازحين بغرض استثمار أرضه.
وتشير هذه التطورات المتلاحقة بسرعة، إلى وجود اتجاه مقلق لاستثمار أراضي الغائبين. إذ يوجد من يرغب بالاستفادة القصوى من ظرف نزوح قد يكون مؤقتاً، وربما يدفعه إلى ذلك الرغبة بتحويل النزوح المؤقت إلى أمر دائم، وفرضه عبر ما يشبه عقود إذعان. ويفاقم في هذه المشكلة، غياب أي جهة موثوقة تعمل على طمأنة الناس، والعمل على إعادتهم إلى مناطقهم. قد تكون هذه الديناميكيات أكثر تعقيداً بالنسبة للنساء المُهجّرات، اللواتي غالباً ما تكون روابطهن القانونية بملكية الأراضي أو العقارات أضعف (على سبيل المثال، عندما تُسجّل الأملاك بأسماء ذكور آخرين من العائلة)، مما يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال أثناء محاولاتهن لاستعادة حقوقهن.
