ارتفاع أجور العمال مع توسع أعمال الإعمار في ريف إدلب الجنوبي
يشهد ريف إدلب الجنوبي حركة عمرانية متسارعة ترافقها زيادة حادة في الطلب على الأيدي العاملة، ما أدى إلى ارتفاع أجور العمال إلى أكثر من الضعف مقارنة ببقية مناطق شمال إدلب. ويجري هذا النشاط بتمويل شخصي من العائدين أنفسهم ما انعكس مباشرة على مدخراتهم وقدرتهم على استكمال أعمال الترميم وإعادة البناء.
بلغ عدد العائدين إلى مدن وبلدات ريف إدلب الجنوبي أكثر من 23 ألف عائلة، أي ما يعادل نحو مئة ألف شخصاً، بحسب ما قالته لسيريا ريبورت، مديرية الشؤون الاجتماعية والإحصاء في محافظة إدلب. كما بلغ عدد العائدين طوعاً من تركيا عبر معبر باب الهوى الحدودي نحو 283,911 شخصاً منذ سقوط نظام الأسد، غالبيتهم من المُهجّرين من مناطق إدلب وحلب وحماه، وفق ما أوضح مصطفى الحلاق مدير العلاقات العامة في معبر باب الهوى، لمراسل سيريا ريبورت. وتبقى العودة في المنطقة نسبية، إذ تتركز في القرى الأقل ضرراً مثل كفرعويد وسفوهن غربي معرة النعمان، بينما تبقى محدودة في القرى التي شهدت دماراً واسعاً كمعرة حرمة والشيخ مصطفى وحاس وكفرومة ومدينة كفرنبل.
أدى تزايد أعداد العائدين وحاجتهم الماسة إلى ترميم منازلهم إلى ارتفاع كبير في الطلب على الأيدي العاملة في مختلف المهن، إذ يقدَّر عدد المنازل المتضررة جزئياً أو كلياً بنحو 250 ألف منزل، وفقاً لما قاله لسيريا ريبورت المهندس إبراهيم الاسماعيل، المكلف بإدارة وحدة إدارة المشاريع في مديرية الإدارة المحلية والبيئة بإدلب. هذا الطلب المرتفع جذب ورشات وعمال من حماة التي تبعد أكثر من 80 كيلومتراً، للمشاركة في أعمال الترميم وإزالة الركام. ولأن الورشات تأتي من أماكن بعيدة، لتنفيذ أعمال مؤقتة، فهي تطلب أسعاراً مرتفعة بالمقارنة مع نظيراتها في الشمال السوري. وقد ارتفع متوسط أجر العامل اليومي في مناطق العودة إلى نحو 15 دولاراً، مقابل حوالي 7 دولارات في مناطق الشمال، كما ارتفعت كلفة تركيب المتر الواحد من السيراميك إلى 3 دولارات، مقارنة بـ2 دولار فقط في المناطق الشمالية، وهو ما ينطبق على مختلف الأعمال الحرفية والمهنية الأخرى. أغلب تلك الورشات تعمل وفق نظام “المقطوع”، أي الاتفاق على مبلغ محدد لإنجاز المهمة بدلاً من الأجر اليومي. ومع ذلك، لا يوجد أي تدخل رسمي في تحديد الأجور أو ضبطها، ما أدى إلى تفاوت كبير بين منطقة وأخرى.
استقطبت ورشات البناء في ريف إدلب الجنوبي عمالاً وفنيين من محافظات أخرى، خصوصاً من ريف حماة، حيث تعمل فرق مختصة في الزريقة ونجارة الباطون في المنطقة دون تسجيل أي حوادث أو توترات، رغم أن معظم أفراد هذه الورش ينحدرون من الطائفة العلوية. وأجور هذه الورشات منخفضة بالمقارنة مع الورشات الوافدة من المناطق السنيّة. هذا التفاوت في الأجور خلق منافسة واضحة في سوق العمل، وأسهم في زيادة وتيرة أعمال الترميم والبناء التي تتواصل بوتيرة مرتفعة منذ بداية العودة.
إلى جانب أعمال الترميم والبناء، شهدت المنطقة نشاطاً متزايداً في المسح الطبوغرافي وتحديد ملكيات الأراضي، إذ ارتفعت أجور هذه الخدمات من نحو 50 دولاراً قبل سقوط نظام الأسد، إلى 100 دولار أميركي حالياً. كما رصد مراسل سيريا ريبورت إقبالاً متزايداً من العائلات على فرز الإرث للتركات القديمة وشراء الأراضي بغرض البناء والسكن، ما أدى إلى ارتفاع الطلب في السوق العقارية وحدوث بعض الخلافات والنزاعات بين الأهالي حول حدود الملكيات وتقسيمها.
تعمل مديرية الإدارة المحلية والبيئة في إدلب على تقييم واقع البنية التحتية في مدن وبلدات الريف الجنوبي والشرقي المحررين حديثاً، بالتنسيق مع مكتب العمل الإنساني في المحافظة، بهدف توجيه جهود المنظمات نحو أولويات المنطقة. وكانت حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، قد أسست مكتب العمل الإنساني HAC في محافظة إدلب في العام 2022، وطورت التجربة بعد سقوط النظام وبات يتبع لوزارة الخارجية في الحكومة الانتقالية. وشملت المشاريع المنفذة حتى الآن، بحسب المهندس إبراهيم الإسماعيل، إعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي في مدن سراقب وخان شيخون والتح ودير الشرقي وحيش ومعرة النعمان، وتأمين أغطية الريكارات المسروقة التي بلغ عددها نحو 14 ألف غطاء، تم تأمين جزء منها عبر المنظمات والمحافظة. كما نُفذت مشاريع صرف صحي في بلدات معرشمشة وتلمنس وبليون وكفرعميم، إضافة إلى ترميم أكثر من 4 آلاف منزل بدعم من منظمات إنسانية، وتأهيل الأسواق في خان شيخون وسراقب من قبل منظمتي IYD وعطاء.IYD هي الهيئة الاغاثية الإنسانية تأسست 2013 تعمل في مجال الامن الغذائي والصحة والمياه والصرف الصحي والنظافة والمأوى والحماية في مناطق المعارضة حينها. أما عطاء فقد تأسست 2013 في تركيا تنشط في سوريا في مجال التعليم والصحة ومجالات مختلفة.
وتولت الإدارة المحلية فتح الطرق المغلقة بالركام وإزالة السواتر الترابية بالتعاون مع الدفاع المدني الذي ينفذ حالياً مشروعاً لإزالة الأنقاض في مدن وبلدات الريف الجنوبي. وفي مجال الطاقة، جرى تنفيذ مشاريع إنارة تعمل بالطاقة الشمسية في معرة النعمان وسراقب وخان شيخون وعدد من القرى منها افس، فيما تتركز الجهود الراهنة على تأهيل البنية التحتية الأساسية وإعادة الحياة إلى المناطق التي كانت تحت سيطرة نظام الأسد، بالتوازي مع استمرار تقييم الاحتياجات في قطاعات الطرق والصرف الصحي والخدمات العامة.
