اتفاق على العودة بلا ضمانات: ماذا ينتظر نازحو عفرين؟
نصّ اتفاق 30 يناير 2026 بين الحكومة السورية المؤقتة و”قوات سوريا الديمقراطية” على “ضمان عودة النازحين إلى مناطقهم”، من دون أن يرفق هذا التعهّد بتفصيل إجرائي يحدّد آلية التنفيذ أو الإطار الزمني أو الجهة المخوّلة بالإشراف على العودة.
ولا يتضمّن النص، وفق ما تم الإعلان عنه، تعريفاً قانونياً لمفهوم “العودة”، وما إذا كان المقصود بها السماح بالعبور إلى المنطقة، أم العودة المقرونة باستعادة الحيازة الفعلية للممتلكات، أم تسوية أوضاع الإشغالات القائمة. كما لا يلحظ الاتفاق إنشاء لجان مختصة بحصر الأضرار، أو آلية لتوثيق الأملاك المستولى عليها، أو مساراً قضائياً أو إدارياً لفض النزاعات العقارية الناتجة عن السيطرة العسكرية. كذلك، لا يرد في صياغة البند أي التزام زمني محدد، ولا ضمانات أمنية واضحة للعائدين، سواء لجهة منع الملاحقة أو الاعتقال، أو لجهة إخلاء المقرات العسكرية المقامة داخل أملاك خاصة. وبغياب هذه العناصر، يبقى بند “ضمان عودة النازحين” تعهداً سياسياً عاماً، لا يرقى إلى مستوى إطار تنفيذي قابل للقياس أو المحاسبة.
في شهادة جديدة حصلت عليها سيريا ريبورت، من رامان، أحد المُهجّرين حديثاً، نجد صدى لتك المخاوف. مراسلة سيريا ريبورت التقت رامان، اسم مستعار لدواعٍ أمنية، في حديقة مركز إيواء وسط مدينة قامشلي “قامشلو باللغة الكردية”، أمام حطب مشتعل يُعد الطعام لعائلته، مرتدياً فروة تقيه البرد القارس. رامان قال لسيريا ريبورت، إنه كان قد نزح أول مرة في العام 2018 عن مدينة عفرين، خلال عملية “غصن الزيتون”. وبسبب اتهامه بالانتماء إلى قوات وحدات حماية الشعب الكردية، أصبح مطلوباً لـ”الجيش الوطني” المدعوم من تركيا، ما حرمه من أي إمكانية للعودة إلى عفرين، كما خسر معظم ممتلكاته، شأنه شأن كثيرين من أبناء المنطقة.
يقول رامان “كانت أولى خساراتي هي منزلي في عفرين. حين دخلت فصائل (الجيش الوطني) إلى المدينة، نهبوا كل شيء في منزلي. حتى شرطان الكهرباء والأبواب وألواح الطاقة الشمسية لم تسلم. أخبرني بعض أهالي قريتي أنهم حطموا منزلي ومحتوياته.” ويضيف أنه كان لديه أرض حول منزله مساحتها 3 دونمات فيها 250 شجرة زيتون تعرّضت جميعها للحرق. وبعد الاستيلاء على منزله وتحطيمه وتعفيشه، استخدمته فصائل “الجيش الوطني” كمقر عسكري. اليوم المنزل شاغر، إلا أنه رامان لا يستطيع العودة إليه خوفاً على حياته.
وكان شمال شرق سوريا قد شهد خلال كانون الثاني 2026 موجة مواجهات عسكرية واتفاقات متكررة بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات الحكومة الانتقالية، أدت إلى تقلص حاد في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وانحسارها تقريباً ضمن المناطق ذات الغالبية الكردية. أعقب ذلك موجات نزوح متسارعة باتجاه مدينتي القامشلي وكوباني، اللتين استقبلتا آلاف النازحين الكرد خلال فترة زمنية قصيرة. كثير من هؤلاء النازحين هم في الأصل نازحين سابقاً من عفرين وسري كانيه وتل أبيض، ممن سبق وتهجّروا خلال عمليتي “غصن الزيتون” عام 2018 و”نبع السلام” عام 2019. وبذلك لا تمثل موجة النزوح الحالية تجربة أولى، بل حلقة جديدة في مسار تهجير متكرر، انتقل خلاله كثيرون بين ريف حلب الشرقي والرقة والطبقة، قبل أن ينتهي بهم المطاف مجدداً في الحسكة والقامشلي.
في شهادة جديدة حصلت عليها سيريا ريبورت، فإن نسرين، اسم مستعار، وصلت إلى قامشلي مؤخراً قادمة من الطبقة. وتشير نسرين إلى أن عائلتها كانت تملك 100 دونم مزروعة بأشجار الزيتون في ريف عفرين، إلا أن جميع الأشجار اقتُلعت، وفق ما نُقل إليها من أهالي القرية الذين بقوا هناك. كما تعرّض منزل العائلة للتعفيش بالكامل عند دخول الفصائل، بما في ذلك غطاس البئر الذي رُكّب قبل فترة قصيرة من التهجير. تقول “لم نجد فرصة لشرب المياه بعد تركيب الغطاس، حتى فقدنا المنزل وما فيه.”
وتضيف نسرين أن عائلة نازحة من دمشق ما زالت تسكن منزلها في عفرين، من دون أي صيغة تأجير، ومن دون موافقة عائلة نسرين. واكتشفت نسرين من تواصلها مع تلك العائلة، أن الفصائل لم تترك في المنزل شيئاً قبل أن تخليه، إلا ملعقة وسكين. نسرين طلبت من العائلة التي تقطن منزلها، الاحتفاظ بالملعقة والسكين، لتتمكن من رؤية شيء من مقتنياتها إذا عادت يوماً. وتتساءل بحرقة عن سبب عدم عودة العائلة التي تقطن منزلها، إلى دمشق، بعد سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024. وتضيف “كل ما نطلبه أن نستعيد ممتلكاتنا وأن نعود إلى عفرين بعد سنوات مليئة بالجروح والقهر.”
شهادة نسرين تؤكد ما سبق ونشرته سيريا ريبورت في مقال سابق بعنوان “عفرين: الانتهاكات لا تتعلق فقط بالضرائب على الأشجار!“، يوضح أن ممارسات الفصائل في عفرين لم تقتصر على فرض ضرائب كل شجرة زيتون، بل شملت ابتزاز مالكين، وفرض غرامات إضافية، والاستيلاء على منازل وأراضٍ تعود لغائبين مهجّرين قسراً. كما أشار المقال إلى نزوح مئات العائلات الكردية مقابل استقدام عائلات وافدة سكنت منازل الغائبين. أيضاً في مقال سابق بعنوان “الجيش الوطني يسطو على زيتون الأكراد في عفرين بريف حلب” وثّقت سيريا ريبورت مصادرة محاصيل أراضٍ تعود لكرد مهجّرين قسراً، وإبطال وكالات استثمار قانونية، ووقوع اعتداءات وتهديدات بحق محتجين طالبوا باستعادة محصولهم.
نازح ستيني، فضّل أيضاً عدم الكشف عن هويته، يروي لسيريا ريبورت، أنه ترك خلفه في عفرين محلاً صغيراً لبيع المواد الغذائية، كان يشكّل مصدر دخل رئيسي له ولعائلته، إضافة إلى 30 رأس ماشية و10 أسطوانات غاز. ويقول إن خسارته لم تقتصر على الممتلكات، بل أيضاً فقدان مورد رزقه. الرجل الستيني وعائلته نزحوا في البداية إلى قرية الباسوطة بريف عفرين ومنها إلى مدينة الرقة الواقعة وقتها تحت سيطرة الإدارة الذاتية. إذ أن العائلة خشيت على حياتها بعدما ألقت فصائل “الجيش الوطني” القبض على ابنها الذي كان مقاتلاً في صفوف وحدات حماية الشعب. الابن بقي معتقلاً لمدة 4 سنوات و3 أشهر.
اليوم، العائلة تقيم في مركز إيواء في قامشلي، من دون ممتلكات أو مصدر دخل. بالنسبة للرجل الستيني، لا تعني العودة إلى عفرين مجرد الرجوع إلى مدينة غادرها قسراً، بل استعادة محل أُغلق، ومواشٍ فُقدت، وابن خرج من المعتقل بعد سنوات طويلة. ويقول إن أمله يقتصر على أن يتمكن يوماً من إعادة فتح باب محله في عفرين، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الذي فقده منذ 2018.
