إلغاء الحجوزات الأمنية دون المساس بالبنية الاستثنائية: قراءة نقدية في المرسوم 16 لعام 2025
أصدر رئيس الإدارة الانتقالية أحمد الشرع، المرسوم رقم 16 في 11 أيار الماضي، متضمناً إلغاء قرارات الحجز الاحتياطي، الصادرة بناءً على تعليمات الأجهزة الأمنية إلى وزارة المالية بين العامين 2012-2024، وفقاً لأحكام قانون سلطات الضابطة العدلية رقم 63 لعام 2012.
المرسوم الجديد رقم 16/2025 لم يتضمن إلغاء قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة عن الجهات القضائية؛ بما فيها محكمة الإرهاب، النيابة العامة وقاضي التحقيق. بل نص فقط على إلغاء قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة عن الأجهزة الأمنية.
مرسوم سلطات الضابطة العدلية 63/2012، كان قد نص على منح تلك السلطات صلاحية إصدار أومر خطية إلى وزارة المالية، بإصدار قرارات الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة، للمتهمين بقضايا الإرهاب أو بتهم متعلقة بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي. وهذا المرسوم إشكالي للغاية، لأنه وسّع الجهات الممنوحة سلطات الضابطة العدلية، ووسع حيّز القضايا التي يمكن فيها لتلك السلطات اصدار قرارات الحجز الاحتياطي. وبحسب المرسوم 63/2012، فقد باتت سلطات الضابطة العدلية، تضم كلاً من الأجهزة الأمنية، قاضي التحقيق، والمدعي العام في محكمة الإرهاب. وقاضي التحقيق تابع للسلطة القضائية، وهو من يتولى التحقيق في القضية قبل عرضها على محكمة الجنايات، وليس لديه بالأصل صلاحية إصدار قرارات الحجز الاحتياطي بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري. بينما المدعي العام في محكمة الإرهاب، فهو مخوّل بموجب قانون الإرهاب رقم 19 لعام 2012 بصلاحية تجميد أموال المتهمين بالإرهاب، بما يماثل الحجز الاحتياطي.
ومن المهم هنا توضيح علاقة الأجهزة الأمنية بسلطات الضابطة العدلية. إذ أنه خلال عهد نظام الأسد، أعطيت الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة، وعملها غير منضبط بقانون، وغير مقيد، ما أتاح لها ابقاء الموقوفين لديها دون إحالتهم إلى القضاء. المرسوم 63/2012 زاد من صلاحيات الأجهزة الأمنية، بمنحها الحق في إصدار تعليمات إلى وزارة المالية، بإلقاء الحجز الاحتياطي على أملاك الموقوفين لديها. وهذا يشمل الموقوفين المتهمين بقضايا الإرهاب التي نص عليها قانون الإرهاب رقم 19 لعام 2012، أو المعارضين للنظام المتهمين بقضايا تتعلق بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي وجرائم أمن الدولة المنصوص عليها في قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم 148 لعام 1949. ودرجت الأجهزة الأمنية على القاء تهم الإرهاب أو جرائم أمن الدولة على معارضي النظام، من دون انتظار محاكمتهم. وبموجب المرسوم 63/2012، أعطيت صلاحية إلقاء الحجز الاحتياطي على الموقوفين لديها، من تلقاء نفسها. فقط في حالة اتهام الأجهزة الأمنية لأحد الموقوفين لديها بالإرهاب، يحال من بعدها المتهم إلى محكمة الإرهاب.
المرسوم الجديد 16/2025 لم يلحظ كل تلك التفاصيل، وخص بالإلغاء فقط قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة عن الأجهزة الأمنية. أي أنه لم يتضمن إعادة تحديد الجهات المخولة بسلطات الضابطة العدلية، ولا حدّ فعلياً من صلاحياتها. كان يمكن للمرسوم 16/2025 النص على إلغاء كافة قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة بموجب المرسوم 63/2012، دون تقييده بحالات الحجز التي صدرت بناء على أوامر الأجهزة الأمنية.
المرسوم 16/2025 نص على تكليف وزارة المالية بالتنسيق مع وزارتي الداخلية والعدل، لاتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لتسريع رفع الحجز. واستناداً إلى ذلك فقد تم عقد اجتماعات مشتركة بين تلك الوزارات، لتشكيل لجان تخصصية تعمل على إعداد لوائح بأسماء المحجوز على أملاكهم احتياطياً، ومعالجتها.
وهنا يجب التوضيح بأن المرسوم 16/2025 لم يتطرق أيضاً للحالات التي نُفّذ فيها الحجز ومصادرة الأملاك، وهي حالات كثيرة. إذ أن جزءاً من قرارات الحجز الاحتياطي لأملاك الموقوفين لدى الأجهزة الأمنية أو المتهمين غيابياً، كانت قد انقلبت إلى حجوزات تنفيذية، في محكمة الإرهاب. إذ أن المحكمة، وهي من المحاكم الاستثنائية، لم تكن تتوانَى عن إدانة المتهمين المحالة أسمائهم إليها من الأجهزة الأمنية، بقضايا الإرهاب. إذ ترسل المحكمة حينها القرار القطعي، إلى وزارة المالية لتقوم بجرد الأموال المصادرة، والعمل مع مديرية المصالح العقارية على نقل ملكية العقارات إلى الدولة. وبعد نقل وتسجيل ملكية الأموال غير المنقولة المصادرة بحكم قضائي، لاسم الدولة، تتم إدارتها من قبل وزارة المالية عبر مديرية الأموال المصادرة في الوزارة ودوائرها الفرعية في المحافظات.
وبذلك، فإن قرارات الحجز الاحتياطي التي جرى تحويلها إلى حجوزات تنفيذية بأحكام قضائية صادرة عن محكمة الإرهاب، لا تندرج ضمن نطاق تطبيق المرسوم 16/2025. إذ أن المرسوم لم يتطرق إلى إلغاء مفاعيل الأحكام القضائية، ولو كانت صادرة عن محكمة استثنائية، مما يعني أن أصحاب الممتلكات المصادرة بحكم من محكمة الإرهاب لن يستفيدوا من إجراءات رفع الحجز.
رغم الأهمية الرمزية والإجرائية للمرسوم 16/2025 بوصفه أول محاولة لإلغاء قرارات الحجز الاحتياطي، إلا أنه يترك مساحات واسعة من الانتهاكات خارج نطاق المعالجة. فقد اقتصر المرسوم على رفع الحجوزات الاحتياطية الصادرة بأوامر أمنية، في حين ظل طيف واسع من قرارات الحجز خارج أي مراجعة، بما في ذلك تلك الصادرة عن محكمة الإرهاب، أو عن قاضي التحقيق، أو غيرهم من سلطات الضابطة العدلية.
كما أن قرارات الحجز التي تحوّلت إلى حجوزات تنفيذية بموجب أحكام صادرة عن محكمة الإرهاب لم يشملها أي إلغاء أو تصحيح. كذلك، لم يتطرق المرسوم إلى مسألة مراجعة الصلاحيات الواسعة التي منحها مرسوم سلطات الضابطة العدلية، والتي مكّنت الأجهزة الأمنية من التدخل المباشر في شؤون الملكية من دون رقابة قضائية فعلية.
إن تجاهل هذه المسارات لا ينسجم مع الالتزامات المعلنة في الإعلان الدستوري، ولا مع مبادئ العدالة الانتقالية التي يُفترض أن تشكّل مرجعية للإدارة الانتقالية. فالمطلوب اليوم ليس فقط رفع الحجوزات، بل إعادة الاعتبار لأصحاب الحقوق، من خلال آليات قانونية تضمن ردّ الممتلكات إلى أصحابها أو تعويضهم، وتعيد النظر في البنية الاستثنائية التي أرساها النظام السابق في التعامل مع الملكية والعقاب الجماعي.
