إعادة تخمين عقارات الأوقاف لرفع الإيجارات مبدئياً
بدأت وزارة الأوقاف في الحكومة الانتقالية مؤخراً إعادة تخمين قيمة العقارات الوقفية المؤجرة، سواء كانت أراضي أو محلات تجارية أو مساكن، وفق الأسعار الرائجة، بهدف رفع قيمة إيجارها. وتشمل هذه الإجراءات العقارات الخاضعة لنظامي التمديد الحكمي والفروغ، وتُنفذ بالتنسيق مع وزارة المالية، التي تُصدر بياناً بالقيمة الرائجة للعقار ليُعتمد لاحقاً في تحديد بدل الإيجار. وتُطبّق حالياً هذه الإجراءات في مديرية أوقاف دمشق، حيث يراجع العشرات من المستأجرين دوائر الأوقاف والمالية يومياً، وسط قلق من احتمال دفعهم لإخلاء العقارات لاحقاً.
تعتبر عقارات وزارة الأوقاف ذات طبيعة خاصة، فهي ليست أملاك دولة ولا أملاك أفراد، وإن كان معظمها في الأصل من أملاك الأفراد، إلا أنهم تبرعوا بها، وفق ما نص عليه القانون رقم 31 الصادر في عام 2018 والناظم لعمل وزارة الأوقاف. والأملاك الوقفية تؤول منفعتها للصالح العام، وتُعرّف وفقاً للقانون 31، بأنها “الأموال المنقولة وغير المنقولة المُعدَّة على حكم ملكِ الله تعالى والمخصَّصة للنفع العام وفق أحكام الشريعة الإسلاميَّة”. ومن عقارات الوقف الجوامع والتكايا ودور التوحيد والمدارس والمكتبات والمقابر والمقامات والمزارات. وجزء من الأملاك الوقفية هي أراضٍ زراعية خاصة خصصها أصحابها كوقف يعود بالنفع على الناس. والوقف يعني خروج ملكية الشيء من يد مالكه، بإرادته، بحيث تؤول منافعه للناس، ولا يجوز انتقال ملكيتها لأحد.
وقد أجازت القوانين السورية تأجير العقارات الوقفية لمدد طويلة، على أن يؤدي ذلك إلى تحقيق منفعة أكبر للمال الوقفي والمجتمع. ويتجلى ذلك بمنح حق الاستثمار والمنفعة للغير، مقابل إيجار يُدفع للأوقاف، مع بقاء أصل الملكية وقفياً. وتطبيقاً لذلك، تؤجر وزارة الأوقاف، عبر مديرياتها، العقارات الوقفية عن طريق المزادات العلنية، حيث يدفع الفائز بالمزاد “المُستأجر” هبة لصالح مديرية الأوقاف، مع إيجار سنوي رمزي. المادة 1004 من القانون المدني الصادر في العام 1949، أعطت مديريات الأوقاف حق استغلال عقارات الأوقاف لمدة طويلة عبر ما يسمى حق الإجارتين. وبموجب هذا الحق يكتسب شخص ما، وبصورة دائمة أحقية استعمال واستغلال عقار وقفي، مقابل دفع مبلغ مالي أقل من قيمة العقار، إضافة لتسديده بدل إيجار سنوي رمزي. ويمكن هنا إعادة تخمين ذلك الإيجار السنوي. ويستطيع الشخص أن يستعمل العقار وينتفع به، أو حتى أن يتنازل عنه للغير. كما ينتقل حق المنفعة لورثته من بعده، لكن يجب أن يبقى أصل الملكية وقفياً.
مراسل سيريا ريبورت عن مصدر مطلع في وزارة الأوقاف، بأن الوزارة تعمل أيضاً على استرداد بعض العقارات الوقفية المستثمرة من متنفذين سابقين محسوبين على نظام الأسد، من دون أن يسميهم. كما أشار المصدر إلى أن هناك عقارات وقفية مؤجرة كمساكن وهي خاضعة لنظام التمديد الحكمي، أو مؤجرة كمحال تجارية خاضعة لنظام الفروغ. وتريد الوزارة في الحالتين إعادة تخمين قيم تلك العقارات، بغرض رفع قيمة إيجارها.
مراسل سيريا ريبورت، أشار إلى أن مديرية الأوقاف في محافظة دمشق، عممت على مستأجري العقارات الوقفية كمحال تجارية، بضرورة مراجعة وزارة المالية، لإعادة تخمين قيمة المحال وفق القيمة الرائجة، لتحديد قيمة الإيجارت الجديدة لها. ويكون دور وزارة المالية في ذلك، إعطاء مستأجري تلك العقارات بياناً يتضمن قيمة العقار المُستأجر، بموجب السعر الرائج في المنطقة. ومن بعدها، يجب على المستأجر مراجعة مديرية الأوقاف في المحافظة، وتقديم هذا البيان. وتحدد مديرية الأوقاف قيمة الإيجار السنوي الواجب على مستأجر العقار الوقفي دفعه، بنسبة 7 بالألف من قيمة العقار بالسعر الرائج. أي أن مستأجر عقار وقفي “تجاري” تبلغ قيمته الرائجة مليار ليرة، سيدفع ايجاراً سنوياً لمديرية الأوقاف بقيمة 7 ملايين ليرة. مراسل سيريا ريبورت، أشار إلى أن قيمة الإيجار ستدفع بالدولار وليس بالليرة السورية.
وبحسب المراسل، فإن العشرات من مستأجري المحلات التجارية الوقفية، يراجعون يومياً مديريات وزارتي المالية والأوقاف في محافظة دمشق، لتنظيم معاملة إعادة التخمين. وفي دمشق لوحدها 4 آلاف محل تجاري وقفي مؤجر.
ويشير المراسل إلى أن إعادة تخمين قيمة العقارات الوقفية، هو مؤقت. ويضيف أنه في العام المقبل، تنوي الوزارة تطبيق إجراءات جديدة. وحتى اللحظة، تواصل مديرية أوقاف دمشق طمأنة شاغلي العقارات الوقفية، بعدم وجود نية لاستعادة تلك العقارات منهم، ولا اخلائهم منها، على الأقل في المدى المنظور. ولكن، يمكن أن ترفع الوزارة نسبة الايجار في العام المقبل.
بينما بخصوص العقارات الوقفية السكنية، وهي قليلة في دمشق مقارنة بالمحال التجارية، فالوضع مختلف. إذ تسعى مديرية أوقاف دمشق، بشكل غير معلن لإعادة تخمين قيمتها، وفق وضع شاغليها. وبحسب المراسل، هناك عقارات منها تمت مضاعفة ايجاراتها عشرة أضعاف، من دون المرور بعملية إعادة التخمين. ويطرح ذلك أسئلة كثيرة حول المعايير التي تعتمدها المديرية في عملية رفع الإيجار. وبحسب المعطيات المتاحة، فالمديرية لن تقوم بفرض إعادة التخمين بشأن العقارات السكنية الوقفية، ولكنها ستعمل على إعادة تقيم لقيم الإيجارات دورياً. ويخشى بعض المستأجرين ممن التقتهم سيريا ريبورت أن ترتفع قيمة الايجار إلى حد يعجزون فيه عن دفعها.
في الحالتين، بخصوص العقارات الوقفية، السكنية والتجارية، فإن حالة من القلق تنتاب المستأجرين، وهذا ما عبر عنه أحدهم بقوله: “في النهاية سنخرج من هذه المحال عاجلاً أم آجلاً، وكل هذه الإجراءات مؤقتة فقط حتى يتم إيجاد الصيغة المناسبة لإخراجنا منها”.
خبير عقاري قال لمراسل سيريا ريبورت، أن هذه الإجراءات لا تبعث برسائل طمأنة للمستأجرين، بل هي إجراءات سريعة لأن الوزارة تعتقد بوجود غبن لها في تأجير تلك العقارات، وتحاول تصحيح ذلك بشكل مستعجل، بانتظار اتخاذ إجراءات دائمة. إذ لا تفصح الوزارة عن كامل تصوراتها حول هذا الموضوع.
من جانب آخر، استرجعت وزارة الأوقاف العديد من العقارات الوقفية المؤجرة لجهات حكومية، وعقارات أخرى طرحت للاستثمار في عهد نظام الأسد مثل مجمع يلبغا، وسينما الكندي العريقة في دمشق.
تكشف الإجراءات التي تتخذها وزارة الأوقاف عن مقاربة تدريجية لاستعادة العقارات الوقفية، من خلال إعادة التخمين ورفع الإيجارات، دون الإعلان صراحة عن نواياها المستقبلية. وبينما تُقدَّم هذه الخطوات كتصحيح لحالات غُبن سابقة، فإن غياب الشفافية وتفاوت المعايير، خاصة بين العقارات التجارية والسكنية، يكرّسان شعوراً بعدم الاستقرار لدى المستأجرين. وتُظهر المراجعات اليومية لمئات الأشخاص للدوائر الرسمية حجم القلق الاجتماعي الناتج عن هذه السياسات، التي يُنظر إليها من قبل البعض كمقدمة لاسترجاع العقارات أو تغيير طبيعة إشغالها.
