إعادة إعمار جوبر والقابون تطرح نموذج اقتطاع الملكيات وتمويل الشركات
عقدت محافظة دمشق اجتماعاً في مبنى المحافظة في 13 آذار 2026، لمناقشة ملف إعادة الإعمار نتيجة الدمار الواسع الذي طالهما خلال فترة الحرب السورية 2012-2018. وحضر الاجتماع حوالي 30 شخصاً من لجان الأحياء ووجهاء القابون وجوبر بالإضافة إلى حقوقيين ومهندسين. وعَرَضَت المحافظة خلال الاجتماع، مقترح مشروع لما وصفته بإحياء المناطق شرقي العاصمة، بما يشمل جوبر والقابون، وأيضاً باب شرقي الذي لم يحضر ممثلون عنه.
بحسب مراسل سيريا ريبورت، فقد أشار مدير مكتب لجان الأحياء في محافظة دمشق محمد إسماعيل البزري، خلال الاجتماع، إلى وجود توجه رسمي لاستقدام شركات أجنبية تموّل وتنفذ المشروع وبنيته التحتية، مقابل حصولها على نسبة 50 بالمئة من المساحة الكلية لمنطقة المشروع. مساحة المشروع تصل إلى 1100 هكتار، بكلفة تقديرية تقدر بـ21 مليار دولار، ويمكن أن تخلق حوالي 200 ألف فرصة عمل، بحسب برازي. يبدو رقم 21 مليار دولار أميركي الذي قدّره السيد البزري مبالغاً فيه، بالنظر إلى أن البنك الدولي قدّر أن التكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار في سوريا تبلغ 216 مليار دولار أميركي. وأضاف البرازي أن الاستعانة بالشركات الأجنبية تعود إلى ضعف إمكانيات القطاع الخاص السوري، وأيضاً عدم قدرة الحكومة على تمويل المشروع. .
مراسل سيريا ريبورت أشار، نقلاً عن بعض من حضروا الاجتماع، إلى أن هذه النسبة المقتطعة، ستتراوح بين 50 بالمئة من مساحة المناطق المنظمة سابقاً، و70 بالمئة من مساحة العشوائيات المبنية على أراض مصنفة زراعية. في المقابل، سيحصل مالكو المساكن المرخصة في المناطق المنظمة على 50 بالمئة من مساحة مساكنهم السابقة، في الأبنية السكنية التي ستنشئها الشركات الأجنبية لهم. بينما في العشوائيات، فسيكون التعويض بنسبة 30 بالمئة من مساحة الأراضي المصنفة زراعية بغض النظر عن الأبنية المخالفة المقامة عليها.
وتجدر الإشارة إلى أن اعتماد نسبة من مساحة المسكن القديم للتعويض على ملاك المساكن المرخصة في المناطق المنظمة، هو أمر معقد حسابياً وأيضاً يصعب تقديره نظراً لحجم الدمار الكبير الذي طال المنطقتين وزوال كثير من الكتل السكنية. كما أن المقترح لم يلحظ حقوق غير المالكين، من المستأجرين والشاغلين السابقين لتلك العقارات. كما أن اعتماد التعويض كنسبة عن مساحة الأرض الزراعية في المناطق العشوائية يتجاهل واقع تلك العشوائيات والعدد الكبير من الأبنية المقامة عليها، وجزء كبير منها مدمر حاليا، وحقوق أصحابها.
بعض الفاعلين من حي القابون أصدروا بياناً في 29 آذار، بعنوان “نحو إعمار عادل يحفظ الأرض والكرامة”، شرحوا فيه موقفهم القانوني والتنظيمي، المرتبط بمقترح إعادة الإعمار. ووصف البيان بعض طروحات المحافظة بأنها قد تؤدي إلى “تهجير قسري بصبغة إدارية”، مؤكداً أن حقوق الملكية الخاصة بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024 هي “حقوق مقدسة ودستورية لا تقبل الانتقاص”. ورفض الموقعون على البيان، ومن بينهم وجهاء ومحامون وأساتذة، نموذج الاستثمار الذي يجري تداوله، معتبرين أنه يقوم على فرض نسب تعويض لا تتجاوز 30% من قيمة الأرض، وهو ما وصفوه بـ”الاستلاب العقاري”، ورأوا فيه مخالفة للمادة 16 من الإعلان الدستوري، واعتداءً على حقوق المالكين.
وطالب الموقعون باعتماد قانون التخطيط وعمران المدن رقم 23 لعام 2015، كإطار قانوني لإعادة تنظيم مناطقهم، مع التأكيد على منح المالكين حق المقاسمة أو تأسيس شركات مساهمة، وحق اختيار المتعهدين، ورفض فرض أي جهات استثمارية عليهم. وينص قانون التخطيط وعمران المدن رقم 23 لعام 2015 على آلية تنظيم تقوم على إعادة توزيع الملكيات ضمن المنطقة التنظيمية، بحيث تُدمج العقارات ضمن كتلة واحدة، ثم يُعاد توزيعها على شكل حصص سهمية تعادل قيمة الملكية الأصلية لكل مالك، بعد اقتطاع نسبة من المساحة لصالح الطرق والمرافق العامة والخدمات. ويُحدد القانون سقفاً للاقتطاع المجاني لا يتجاوز 40 بالمئة من المساحة في مراكز المدن، ويمكن أن يصل إلى نسب أعلى في بعض الحالات المرتبطة بالتوسع العمراني أو المناطق غير المنظمة، وفق ما يرد في المخططات التنظيمية. وفي المقابل، يضمن القانون لأصحاب الحقوق الحصول على مقاسم تنظيمية أو أسهم تنظيمية تعكس القيمة الحقيقية لعقاراتهم قبل التنظيم، وليس فقط مساحتها، مع إمكانية مشاركتهم في تطوير المنطقة عبر شركات مساهمة أو عبر المقاسمة مع المطورين. كما ينص على تشكيل لجان لتقدير القيمة ولحل الخلافات، ويتيح لأصحاب الحقوق الاعتراض على نتائج التقدير أو التوزيع أمام القضاء. ويُلزم القانون الجهة الإدارية بتأمين البنية التحتية الأساسية، مع تحميل المقاسم الناتجة بعض التكاليف وفق نظام محدد، وليس عبر اقتطاع غير منظم من الملكيات. وتُظهر التعليمات التنفيذية للقانون أن جزءاً من الأراضي يُخصص إلزامياً للسكن الشعبي وللمرافق العامة، وأن إعادة التوزيع تتم بناء على مخططات تفصيلية تحدد الطرق والساحات والخدمات، على أن يحصل كل مالك على حصة عادلة قابلة للبناء ضمن المقاسم الجديدة، مع الحفاظ على حقوقه عبر قيود السجل العقاري وإشراف لجان التوزيع الإجباري.
كما يتعامل قانون التخطيط وعمران المدن رقم 23 لعام 2015 صراحة مع العشوائيات “مناطق المخالفات الجماعية” الواقعة ضمن المناطق التنظيمية، إذ يجيز إدخالها في مشاريع التنظيم العمراني وإخضاعها لآلية إعادة التوزيع الإجباري، حتى في حال كانت الأبنية المقامة عليها غير مرخصة. ويعترف القانون بوجود هذه التجمعات كواقع عمراني، ويجيز تثبيت حقوق شاغليها أو مالكيها ضمن عملية التنظيم، بحيث يتم تقدير قيمة الأرض وما عليها من أبنية، ثم تحويل هذه الحقوق إلى حصص سهمية أو مقاسم تنظيمية ضمن المخطط الجديد. وفي هذا السياق، يميز القانون بين الملكية القانونية للأرض، وواقع الإشغال القائم، إذ يسمح بأخذ الأبنية القائمة بعين الاعتبار عند التقدير، حتى وإن كانت مخالفة، عبر لجان تقدير القيمة التي تحدد الحقوق لكل مالك أو شاغل وفق الحالة الفعلية. كما يفرض إشراك أصحاب الحقوق في جداول التوزيع، ويتيح لهم الاعتراض أمام لجان حل الخلافات والقضاء. ويعني ذلك أن وجود بناء غير مرخص لا يؤدي تلقائياً إلى إسقاط الحق، بل إلى إدخاله ضمن عملية تنظيم تعيد إنتاجه بشكل قانوني ضمن المقاسم الجديدة. كما تشير التعليمات التنفيذية للقانون إلى أن مناطق المخالفات الجماعية تُعالج ضمن المخططات التنظيمية من خلال إعادة تخطيطها وتأمين البنى التحتية والخدمات، مع إمكانية تخصيص جزء من الأراضي للسكن الشعبي، ما يعكس توجهاً لدمج هذه المناطق ضمن النسيج العمراني الرسمي.
كما طرح الموقعون على البيان تصوراً عمرانياً بديلاً يقوم على اعتماد الأبراج السكنية عالية الكثافة، بما يتيح منح المالكين حقوقاً طابقية لا تقل عن 55 بالمئة، ويسمح باستيعاب السكان في وحدات حديثة، بدلاً من مخططات يرون أنها تقلص حقوقهم. وأكدوا أن تنفيذ البنية التحتية هو مسؤولية الدولة، معتبراً تحميل المالكين تكاليفها هو بمثابة “ضريبة غير قانونية”، وطالبوا بإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي بشكل عاجل، محملين الجهات الرسمية مسؤولية الإهمال الذي أدى إلى أضرار صحية في المنطقة. وحذر الموقعون من أي مفاوضات تُجرى خارج إطار تمثيلهم، معتبرين أن أي اتفاق لا يمر عبر لجنة حقوقية مفوضة هو اتفاق غير ملزم. ودعوا المالكين إلى عدم بيع ممتلكاتهم تحت الضغط، والتشبث بحقوقهم، لضمان العودة إلى مناطقهم الأصلية بشروط تحفظ الملكية والكرامة.
والتقى مراسل سيريا ريبورت بممثلين وسكان من الحيين، الذين اعتبوا أن هذا النموذج ينقل كلفة المشروع إلى المالكين أنفسهم، عبر خصم كلفته من مساحة أبنيتهم المستقبلية. وبما أن كثيراً من هذه المناطق هي عشوائيات مبنية على أرض مصنفة زراعية يمنع البناء عليها، فأصحاب الحقوق فيها سيكونون الأكثر تضرراً. كما أشاروا إلى أن المقترح لم يترافق مع عرض مصورات تنظيمية، ولا مع توضيحات رسمية حول الجهات المنفذة، ولا آليات التعويض والتخمين، ما أثار مخاوف من تحول المشروع من إعادة إعمار إلى إعادة توزيع للملكية لصالح شركات اجنبية.
يقول أبو محمد، أحد أبناء القابون، إن التعويض المقترح سيؤدي إلى خسارة الجزء الأكبر من ممتلكاته وهي عبارة عن بناية صغيرة من عدة شقق مقامة على أرض مصنفة زراعية. ما يعني أن التعويض المحدود سيتوزع على جميع أًصحاب الشقق. ويضيف أن اعتبار هذه الأراضي زراعية يتجاهل واقعها، إذ إنها مأهولة ومبنية منذ سنوات طويلة وتشكل جزءاً أساسياً من النسيج العمراني للمنطقة. ويرى أن هذا التصنيف يؤدي إلى تقليص حقوق المالكين بشكل كبير، ويجعل أي خطة لا تعيد تقييمه غير عادلة. كما أن أي تعديل في نسب التعويض، كرفعها من 30 إلى 50 بالمئة، لا يكون كافياً ما لم يستند إلى تقييم عادل يعكس القيمة الجارية للعقارات.
ويفترض بعض أهالي القابون، ممن التقتهم سيريا ريبورت، إلى أن التعويض يجب أن يستند إلى القيمة الفعلية للعقار، أو أن يوفر بديلاً سكنياً مكافئاً في الموقع نفسه، لا نقل أصحاب الحقوق إلى مناطق بعيدة. كما أن الأضرار الواقعة على مساكنهم كبيرة، ما يتطلب مقاربة شاملة. ويرى بعض هؤلاء أن غياب الشفافية هو المشكلة الأساسية، إذ لم تُعرض تفاصيل المخططات أو آليات التعويض، ولم يُشرك السكان في اتخاذ القرار.
وأشار أحد حاضري الاجتماع من جوبر، إن المشروع المقترح يتجاهل كون المنطقة تعرضت لتدمير واسع خلال سنوات الحرب، ويتعامل معها كفضاء استثماري. ويضيف أن المقترحات الحالية تركز على تحسين المشهد العمراني ورفع القيمة السوقية للعقارات، من دون تقديم تصور واضح لمصير السكان أو ضمان عودتهم، مشيراً إلى أن الحديث عن أبراج ومشاريع على المحاور الرئيسية يُطرح باعتباره استثماراً لا كجزء من إعادة الحقوق.
كما يقول محمد عبيد، الذي يدير صفحة “شبكة حماية أراضي جوبر من المافيات العقارية” في فيسبوك التي يتابعها المئات، لسيريا ريبورت، إن المقترح تسرب من حاضري اجتماع المحافظة، وبينهم إعلاميين، من دون إعلان رسمي. ويضيف عبيد أن المقترح يتعارض مع روحية المرسوم الرئاسي رقم 59 الصادر في آذار 2026 القاضي بتشكيل لجنة وطنية لإعادة تأهيل البنى التحتية في المناطق المدمرة، كما يتعارض مع الإعلان الدستوري الذي نص في مادته 16 على أن الملكية الخاصة مصونة، ولا تُنزع إلا للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل. وحذّر عبيد من أن تطبيق المقترح قد يؤدي إلى تهجير واسع باسم التنظيم العمراني وتحسين المشهد العام. ودعا عبيد إلى توسيع النقاش العام قبل اتخاذ أي قرار نهائي.
وفي محاولة لاحتواء الجدل، أكد مجلس أمناء حي جوبر، وهو جهة أهلية غير رسمية، أن الطرح الحالي لا يزال عرضاً شفهياً غير رسمي، ولم يُقدَّم بصيغة مكتوبة، وأن أي قرار نهائي سيخضع لدراسة لجنة مختصة ولموافقة الأهالي. وشدد المجلس على رفض أي مشروع لا يحقق الحد الأدنى من العدالة أو لا يضمن حق السكن، مؤكداً أن موقفه لا يعارض إعادة الإعمار بل يطالب بضمان حقوق السكان.
