إجلاء عشائر البدو من محافظة السويداء
إجلاء عشائر البدو من السويداء، لم يجر ضمن سياق النزاعات التاريخية مع الدروز، الناتجة عن نمطي إنتاج مختلفين أحدهما يعتمد على الزراعة والآخر على الرعي. إذ أن ما حدث في تموز 2025، يرتبط بدخول فاعلين أمنيين وعسكريين، افتعلوا أزمات متكررة على طريق دمشق السويداء، قادت إلى اشتباكات بين مجموعات بدوية وفصائل درزية أعقبتها انتهاكات لحقوق السكن الأرض والملكية، قبل دخول قوات الدفاع والداخلية بذريعة فض النزاع ثم بدء الإجلاء نحو درعا.
يشكّل البدو مكوّناً في النسيج الاجتماعي لمحافظة السويداء، حيث استقروا منذ عقود في مناطق مختلفة على أطراف المدن والقرى وأيضاً في قرى خاصة بهم. في وثيقة رسمية صادرة عن دائرة النفوس في محافظة السويداء في 31 كانون الأول 2023، صادق عليها المحافظ الأسبق بسام ممدوح بارسيك، الذي شغل منصبه بين تموز 2022 وأيار 2024، فإن العدد الكلي لنفوس المحافظة يبلغ 569.861 نسمة، بينهم نحو 33.122 ألفاً من البدو.
إلا أن نمط حياة عشائر من الترحال أثر على استقرارهم، وعلى حقوقهم في السكن، الأرض والملكية. إذ أن معظم مناطق سكن البدو على أطراف مدينة السويداء هي عبارة عن عشوائيات، بنيت على أملاك عامة أو خاصة غير منظمة. وكما في كل العشوائيات في سوريا، بقيت تلك المساكن غير موثقة بمعظمها في السجلات العقارية رغم أن أصحابها يملكون فيها أوراقاً ثبوتية أخرى كحكم المحكمة وعقود البيوع العقارية. الأمر يظل أفضل نسبياً في القرى التي يقطنونها إذ أن أوضاع ملكياتهم أكثر تنظيماً وتوثيقاً في المصالح العقارية حالهم كحال سكان تلك القرى.
النزاع بين البدو والدروز ضمن محافظة السويداء ليس بجديد، وهو غالباً ما يتكرر في مواسم الحصاد عندما تحدث خلافات نتيجة إدخال الرعاة وهم غالباً من العشائر البدوية قطعان ماشيتهم إلى أراضي الفلاحين الدروز المزروعة بالحبوب قبل حصادها. إذ أن جذر النزاع غالباً ما ارتبط بنمطين مختلفين للإنتاج؛ الرعي والزراعة، وغالباً ما يتم احتواؤه عبر الأعراف الاجتماعية التي تربط الطرفين.
المشكلة المستجدة لم تتعلق بهذا النمط المتكرر من الخلافات، بل نتجت بسبب دخول عامل إضافي جديد. إذ أنه منذ وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة في دمشق في ديسمبر 2024، بدا وأن العلاقة بينها وبين الدروز لم تكن تسير على مسار سياسي صحيح. الانتهاكات التي وقعت في الساحل ضد العلويين في أذار 2025، عززت مخاوف الدروز، وجعلت من أمر تسليمهم للسلاح أمراً أكثر صعوبة. في نهاية نيسان، بعد وقعت أول موجة مواجهات بين الطرفين في صحنايا وأشرفيتها بريف دمشق، وريف السويداء الشمالي، تضمنت انتهاكات لحقوق السكن الأرض والملكية. وتوصلت من بعد تلك المواجهات الإدارة الانتقالية والمرجعيات الدرزية، إلى اتفاق 1 أيار، الذي نص على أن قوات الأمن العام ستكون من أبناء محافظة السويداء، بينما حماية طريق دمشق-السويداء هي مسؤولية الإدارة الانتقالية.
منذ أيار، نصبت قوة من عشائر بدو اللجاة في ريف درعا الشرقي، تتبع للأمن العام في وزارة الداخلية في الإدارة الانتقالية، حاجزاً على طريق دمشق-السويداء، ووقعت عليه انتهاكات متعددة من اعتداءات لفظية وجسدية، إطلاق نار متكرر، قطع للطريق لأيام، واعتقالات بحق المسافرين الدروز. وسرعان ما انتقل ذلك التوتر إلى السويداء بعد حادثة اعتداء على تاجر درزي وسرقته على الحاجز في 11 تموز. إذ جرت على اثر الحادثة عمليات خطف متبادلة بين مجموعات درزية وبدوية في حيي المقوس شمال شرقي مدينة السويداء. وبعد حل المشكلة بالأعراف الاجتماعية وتبادل الأسرى ليل 12-13 تموز، تطورت الأمور بشكل خارج عن السيطرة.
في فجر يوم 14 تموز، أطلقت خلية أمنية درزية موالية للإدارة الانتقالية النار من دون سابق إنذار على حي المقوس حيث تقطن غالبية بدوية وأقلية درزية، حيث ردت بالمثل مجموعة أمنية بدوية مرتبطة أيضاً بالإدارة الانتقالية. وعلى إثر ذلك، سرعان ما وقعت اشتباكات عنيفة في الحي، بين فصائل درزية ومجموعات بدوية، ارتكبت خلالها انتهاكات بحق مدنيين بدو، وسقط على أثرها عشرة قتلى بينهم، وأحرقت العديد من المنازل. وسرعان ما دخلت على خط الاشتباكات، مجموعات بدوية أخرى في أحياء المشورب والحروبي، وهي عشوائيات، على أطراف مدينة السويداء.
الانتهاكات التي تم رصدها شملت الحرق المتعمّد لعدد من منازل البدو في المقوس، والتهديد المباشر بالسلاح لإجبار العائلات على الرحيل. الانتهاكات في حي المقوس لم تقتصر فقط على مساكن وأملاك عشائر البدو، بل أن المجموعات المسلحة البدوية استهدفت بيوت الدروز في الحي بإطلاق النار، ثم السرقة والتعفيش، قبل حرقها. أمر مماثل حدث مع المحال التجارية، والمستودعات، وسقط على إثر ذلك العديد من القتلى المدنيين الدروز.
في 15 تموز، تمكنت قوات وزارتي الدفاع والداخلية من الوصول إلى حي المقوس، بذريعة “فض النزاع” بين الطرفين. وبحسب شهادات خاصة، فقد سلمت تلك القوات أسلحة وذخائر للمجموعات العشائرية المسلحة في الحي. قوات الوزارتين لم تتمكن من الوصول إلى المقوس، إلا بعدما سيطرت على معظم الريفين الغربي والشمالي للمحافظة وأجزاء من مدينة السويداء، مرتكبة انتهاكات ممنهجة ضد الدروز، تسببت بمقتل حوالي 2000 شخص ونزوح حوالي 150 ألف شخص وتدمير وحرق 34 قرية.
عشائر بدو السويداء في أحياء الحروبي والمشورب والمقوس، التي شارك مقاتلون منها في القتال، انسحبت مع تراجع القوات الحكومية في 16 تموز من السويداء، خشية من وقوع أعمال ثأرية بحقها. أعقب ذلك انتهاكات حرضت عليها مجموعة أمنية درزية أخرى مرتبطة بالإدارة الانتقالية، بحق مدنيين من عشائر شهبا، أوقعت 20 قتيلاً. الرئاسة الروحية للدروز أدانت تلك الأفعال فوراً، داعية لتحريم التعدّي على المدنيين، ما ساهم في تطويق الحوادث. وفي 16 تموز، توصّل المبعوث الأميركي توماس براك إلى اتفاق بوساطة سعودية وتركية وأردنية، نصّ على إخلاء عشائر البدو من نقاط العبور بين السويداء ودرعا.
يقول أبو نايف، البالغ من العمر خمسة وأربعين عاماً وأحد المهجّرين من حي المقوس، لمراسل سيريا ريبورت: “لم نكن طرفاً في أي نزاع مسلّح، فقد عشنا لسنوات طويلة إلى جانب جيراننا الدروز، لكن فجأة بدأت مجموعة مسلحة درزية تهدّدنا وتتهمنا بالعمالة. أُحرقت ثلاثة منازل في ليلة واحدة، وكان واضحاً أن الهدف تهجيرنا، لا مجرّد رد فعل عشوائي”.
شهادة أخرى أدلى بها م.ف، البالغ من العمر سبعة وعشرين عاماً، قال فيها: “حين بدأ التهديد لجأنا إلى الجامع، وهناك وجدنا حماية من الأهالي. لم يكن المجتمع الدرزي كلّه ضدنا، بل على العكس وقف كثيرون منهم معنا، لكن بعض المجموعات حاولت افتعال الشرخ بشكل مقصود”.
يقول فراس، وهو مقاتل درزي: “اتجهت بسيارتي نحو المقوس، ومع اشتداد الاشتباكات شاهدت حركة نزوح للنساء والأطفال باتجاه مركز المدينة، فقمت بنقل أكبر عدد منهم ذهاباً وإياباً إلى الجامع في مدينة السويداء”.
بحسب ما نقلته وكالة رويترز في 21 تموز 2025 بدأ إجلاء مئات المدنيين البدو من مدينة السويداء ضمن هدنة متوترة. وبحسب أرقام نشرتها وكالة أسوشيتد برس، في 21 تموز، فإن خطة حكومية استهدفت إجلاء نحو 1500 شخص باتجاه درعا حيث استقر كثيرون في ناحته وبصر الحرير وسط اكتظاظ ونقص في الماء والخبز. وبحسب ما أظهرته صور وتقارير رويترز استُخدمت مدارس في قرية السهوة بريف درعا كمراكز إيواء مؤقتة للعائلات الخارجة من السويداء. يونيسف أكدت في 2 آب الماضي، شح الخدمات وذكرت أن أكثر من 25,000 شخص يقيمون في 63 موقعاً جماعياً مؤقتاً في درعا.
بحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس بتاريخ 6 أيلول 2025 تقيم عائلات بدوية مهجّرة من السويداء في صفوف مدرسة في بلدة إبطع في ريف درعا حيث تسكن ثلاث أو أربع عائلات في الصف الواحد وتنام النساء والأطفال داخل الغرف فيما يبيت الرجال في الباحة ومع اقتراب إعادة فتح المدرسة هذا الشهر لا تعرف الأسر وجهتها التالية. في السيّدة زينب بريف دمشق، يقول أحد النازحين إن المساعدة الغذائية متقطعة وإنهم لا يملكون منزلاً ويخشون أن يجدوا آخرين في بيوتهم إن عادوا كما تُفيد شهادات نازحين بوجود منازل أُحرقت ودُمّرت وسُرق أثاثها.
حادثة طريق دمشق-السويداء، ثم الاشتباكات في حي المقوس، حوّلت التوترات المحلية الدورية المتكررة، إلى مسار تهجير وإجلاء ترافق مع استهداف للممتلكات. وفي ظل وجود مهجرين ونازحين من الطرفين، واستمرار سيطرة قوات الإدارة الانتقالية على 34 قرية درزية ومنع عودة سكانها، فهذا يعقّد شروط العودة الآمنة لعشائر البدو إلى المحافظة. ويجعل أي تهدئة قابلة للاستمرار مشروطة بفصل الدور الأمني عن النزاع المحلي وضمان حماية مدنية تعيد الاعتبار لحقوق السكن والأرض والملكية.
