أهالي النشابية يرممون منازلهم بجهود فردية
تواجه مدينة النشابية في غوطة دمشق الشرقية أزمة سكن متفاقمة، في ظل الدمار الواسع الذي لحق بعمرانها خلال سنوات الحصار والقصف، وغياب أي مسار عام لإعادة الإعمار بعد سقوط نظام الأسد. ومع عودة الآلاف إلى المدينة منذ نهاية العام 2024، يجد السكان أنفسهم أمام خيارات محدودة، بين السكن في منازل متضررة أو غير آمنة إنشائيا، أو تحمّل كلفة ترميم تفوق إمكانياتهم، في وقت لا تزال فيه تدخلات الجهات الرسمية والمنظمات الدولية محدودة ولا ترقى إلى حجم الاحتياجات الفعلية.
تقع مدينة النشابية في غوطة دمشق الشرقية، وتتبع إداريا لمحافظة ريف دمشق، وتبعد نحو 19 كيلومترا عن مركز العاصمة دمشق، ويقع بالقرب منها مطار مرج السلطان العسكري. تشكل النشابية مركز منطقة المرج التي تضم قرابة 28 قرية وبلدة ما يمنحها ثقلا إداريا وخدميا داخل الغوطة الشرقية. عرفت المدينة تاريخيا بطابعها الزراعي وباتساع المساحات المزروعة فيها ما أكسبها توصيف سلة الغوطة الغذائية واعتماد نسبة كبيرة من سكانها على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل. هذا الدور الزراعي جعل النشابية جزءا أساسيا من المنظومة الاقتصادية للغوطة الشرقية قبل الحرب وأحد مراكز الاستقرار السكاني فيها. آخر تعديل على مخطط النشابية التنظيمي صدر في العام 2011، وبحسبه فإن حوالي 80 بالمئة من العمران منظم، و20 بالمئة على شكل عشوائيات.
منذ العام 2012 تعرضت مدينة النشابية للقصف من قبل قوات نظام الأسد، بعدما سيطرت عليها فصائل المعارضة المسلحة، وعلى مطار مرج السلطان العسكري المجاور. نهاية العام 2013، دخلت المدينة مرحلة حصار ممتدة انتهت بخروج فصائل المعارضة، ورافضي التسوية، منها عام 2018. أسفر هذا السياق العسكري عن دمار واسع في الأبنية السكنية والبنى التحتية داخل مركز المدينة، كما طال الدمار قرى تابعة لها. إضافة إلى الخسائر العمرانية أدى الحصار والقصف إلى تهجير معظم سكان النشابية نحو الشمال السوري أو إلى مناطق متفرقة في دمشق وريفها. وبحسب تقديرات بلدية النشابية، فإن 10 بالمئة من مساكن المدينة المتضررة آيلة للسقوط.
قال رئيس مجلس بلدية النشابية خالد معيجل، لـسيريا ريبورت، إن نسبة الدمار في مركز مدينة النشابية بلغت نحو 15 بالمئة. وأوضح أن الدمار طال قرى تابعة للمدينة بشكل أكبر، مشيرا إلى قرية البحارية التي تبعد نحو 8 كيلومترات عن مركز النشابية، مدمرة بشكل شبه كلي، علما أن القرية كان يقطنها نحو 1500 نسمة، ويقيم معظم سكانها حاليا في مدينة النشابية.
وأضاف معيجل أن حركة الترميم القائمة في النشابية تبقى محدودة ولا تتناسب مع حجم الأضرار، مؤكدا أن إعادة البناء تتطلب إمكانيات تفوق قدرات الأهالي، وأنه حتى الآن لا توجد خطوات فعلية للبدء بإعادة بناء القرى المدمرة بشكل كامل، لكون ذلك يحتاج إلى شركات وإمكانات كبيرة. كما أشار إلى أن تقديرات البلدية تفيد بأن نحو 10 بالمئة من البيوت المتضررة في المدينة آيلة للسقوط.
بعد سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، عاد إلى مدينة النشابية ما يقارب 1500 أسرة من الشمال السوري، في ظل غياب برامج عامة لإعادة الإعمار أو تأمين السكن. ترافق ذلك مع عودة تدريجية لسكان كانوا قد نزحوا إلى مناطق مختلفة في دمشق وريفها خلال سنوات الحصار.
سمير، الذي كان قد غادر النشابية إلى الشمال السوري، قال لمراسل سيريا ريبورت، إنه عاد بعد سقوط نظام الأسد مع زوجته وولديه، ما اضطره إلى بيع أرض زراعية لترميم منزل والده المتوفى والسكن فيه، موضحا أنه لم يكن أمامه سوى خيارين إما ترميم المنزل أو استئجار منزل آخر، وأن الترميم كان الخيار الوحيد الممكن. وأضاف أن عودة عدد كبير من الشباب الذين غادروا المدينة بمفردهم ثم عادوا مع عائلاتهم فاقمت الضغط السكني في النشابية.
وبحسب تقديرات محلية يبلغ عدد سكان النشابية حاليا نحو 40 ألف نسمة. ويضطر بعض العائدين للسكن في منازل متضررة، غير مكتملة الترميم، أو غير آمنة إنشائيا، في وقت تؤكد تقديرات بلدية النشابية أن نحو 10 بالمئة من البيوت المتضررة آيلة للسقوط. ويقع عبء الترميم المالي كاملا على الأسر العائدة، في ظل محدودية إمكانياتها وارتفاع كلفة أعمال الترميم، ما يدفعها إلى المفاضلة بين ترميم منازلها أو استئجار مساكن بديلة.
أبو محمد، رجل ستيني من سكان المدينة، قال لمراسل سيريا ريبورت، إنه ما زال يستخدم البطانيات لتغطية النوافذ في منزله، مشيرا إلى أن جزءا من المنزل مدمّر ويحتاج إلى إعادة بناء، ورغم ذلك يقطن فيه لعدم امتلاكه منزلا آخر وعدم قدرته على تحمل كلفة الترميم.
بدورها أوضحت أم سامر، أنها اضطرت إلى بيع قطعة أرض زراعية تملكها بنحو 15 ألف دولار لتمكين أسرتها من ترميم المنزل، رغم أنه لا يزال بحاجة إلى أعمال إضافية ليعود إلى وضعه السابق، لافتة إلى أن ارتفاع الإيجارات في النشابية والتي تتراوح بين 150 و200 دولار جعل خيار الترميم أقل كلفة من الاستئجار.
في حين أشار رئيس مجلس بلدية النشابية خالد معيجل، إلى أن تدخل المنظمات الدولية في المدينة ما زال محدودا مقارنة بحجم الدمار. ولفت إلى أن منظمة أوكسفام تعمل حاليا على ترميم نحو 127 منزلا في مدينة النشابية، معتبرا أن هذا العدد يشكل جزءا بسيطا من إجمالي المنازل المتضررة. واختارت أوكسفام البيوت الأكثر تضرراً بموجب توصيات لجان هندسية استطلعت المساكن المتضررة بالإضافة إلى مراعاة الظرف المعيشي للسكان.
كما أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على إزالة نحو 75 ألف متر مكعب من الأنقاض ونقلها إلى مكب في منطقة الحجر الأسود بريف دمشق. ولا تترافق هذه التدخلات مع برامج شاملة لإعادة الإعمار أو إعادة البناء، ما يجعل أثرها محصورا في نطاق ضيق ولا ينعكس على معالجة أزمة السكن بشكل جذري في المدينة.
في حين قال رئيس فرع نقابة المهندسين في ريف دمشق أكرم طعمة لـسيريا ريبورت، إن النقابة خفّضا الأتعاب الهندسية لرخص الترميم، عن المنازل المتضررة نتيجة القصف بنسبة 50 بالمئة، في محاولة منها لتخفيف الأعباء المالية المترتبة على الأهالي في النشابية، وعموم ريف دمشق. وأوضح أن هذه الخطوة تأتي في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف الترميم، مؤكدا أن النقابة تعمل على تقديم ما أمكن من تسهيلات لأصحاب المنازل المتضررة، رغم محدودية تأثير هذه الإجراءات أمام حجم الدمار وكلفة إعادة التأهيل.
