أنفاق دوما ملف يعود إلى الواجهة مع عودة السكان
مع عودة السكان بعد سقوط نظام الأسد، إلى مدينة دوما بريف دمشق، برز ملف الأنفاق كأحد القضايا المرتبطة مباشرة بعمليات الترميم وإزالة الأنقاض وسلامة الأبنية. فالمدينة التي شهدت خلال سنوات الحصار حفر شبكة واسعة من الأنفاق ما زالت تتعامل اليوم مع هذا الإرث بوصفه ملفاً تقنياً غير مستعجل، في وقت تتكثف فيه عودة الأهالي إلى منازل متضررة وتزداد الحاجة إلى الترميم. وبينما تؤكد البلدية ونقابة المهندسين أن الأنفاق لا تشكل خطراً إنشائياً، يبقى حضورها قائماً في خلفية المشهد العمراني للمدينة، من دون معالجة شاملة أو معطيات واضحة حول حجمها وانتشارها.
ورغم هذه الطمأنة الرسمية، لا يغيب ملف الأنفاق عن هواجس كثير من السكان العائدين إلى دوما، خصوصاً في ظل غياب أي معطيات منشورة حول مواقع هذه الأنفاق أو امتدادها أو طبيعة معالجتها. فعودة الأهالي إلى أبنية متضررة جزئياً، والشروع بعمليات ترميم فردية بكلف مرتفعة، يجريان في مدينة ما زالت تحتوي شبكة واسعة من الأنفاق، وهو ما يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي المطمئن وقلق عملي مرتبط بسلامة المساكن واستقرارها على المدى المتوسط والبعيد.
دوما تعد من أكبر مدن الغوطة الشرقية وأكثرها كثافة سكانية. كانت من أوائل المدن التي شهدت احتجاجات واسعة ضد نظام الأسد في 2011 قبل أن تنتقل لاحقا إلى سيطرة فصائل مسلحة وعلى رأسها جيش الإسلام. خلال تلك السنوات تعرضت المدينة لقصف مكثف وحصار طويل أدى إلى دمار واسع في أحيائها السكنية وتدهور كبير في بنيتها التحتية. خلال فترة الحصار برزت الأنفاق كجزء أساسي من البنية التي اعتمدت عليها الفصائل المسلحة داخل المدينة سواء للتنقل أو للإمداد أو لأغراض طبية. توسعت شبكة الأنفاق تحت أحياء مختلفة من دوما وأصبحت جزءا من واقعها العمراني خلال سنوات الحرب من دون وجود توثيق علني لحجمها أو امتدادها. في 2018 انتهت سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة بموجب اتفاق أفضى إلى خروجها نحو الشمال السوري ودخول قوات النظام. منذ ذلك الحين بقي ملف الأنفاق قائما كأحد مخلفات المرحلة السابقة من دون أن يتحول إلى أولوية معلنة في السياسات المحلية. وبعد سقوط نظام الأسد وعودة أعداد كبيرة من السكان إلى دوما عاد هذا الملف إلى الظهور في سياق عملي مرتبط بالترميم وإزالة الأنقاض أكثر من كونه ملفاً مستقلاً بحد ذاته.
تنتشر الأنفاق في مدينة دوما بأشكال وأحجام مختلفة، وفق توصيف الجهات المحلية. فبعضها أنفاق سطحية لا يتجاوز عمقها بضعة أمتار وطولها محدود، في حين يمتد بعضها الآخر لمسافات طويلة ويصل بين دوما ومناطق مجاورة، أبرزها النفق الذي يربط المدينة بمنطقة برزة. وخلال سنوات سيطرة الفصائل المسلحة استُخدمت هذه الأنفاق لأغراض متعددة، من بينها التنقل ونقل الإمدادات، إضافة إلى استخدامات طبية في بعض الحالات. ورغم الحديث المتكرر عن وجود شبكة واسعة من الأنفاق، لا تتوافر معطيات رسمية معلنة حول عددها أو امتدادها الدقيق داخل المدينة. ويُتعامل مع الأنفاق القائمة تحت الأحياء السكنية، من دون إجراء مسح شامل يحدد مواقعها أو يصنفها وفق خطورتها المحتملة.
رئيس بلدية دوما سيمر بويضاني، قال لسيريا ريبورت، أن الأنفاق في المدينة لا تشكل مشكلة على مستوى السلامة الإنشائية أو البنية التحتية. وبحسب بويضاني، فإن هناك أنفاقاً سطحية لا يتجاوز عمقها ثلاثة أمتار وطولها نحو عشرة أمتار، ويتم التعامل معها عبر الردم لأنها لا تؤثر على سلامة الأبنية. كما أشار إلى وجود أنفاق أخرى يتم التعامل معها عبر حقنها بالبيتون لمعالجتها، مؤكدا أن عدد هذه الأنفاق ليس كبيراً، من دون أن يذكر أرقاماً محددة عن عددها أو امتدادها داخل المدينة. وفي السياق ذاته، لفت بويضاني إلى وجود نفق كانت المعارضة تُستخدمه خلال سنوات الحرب كممر لسيارات الإسعاف ونقطة طبية، ويجري حاليا دراسة تحويله إلى متحف، معتبراً أن وجود هذا النفق لا يؤثر على البنية التحتية أو على سلامة الأبنية القريبة منه.
وفي السياق، قال بويضاني إن نحو 60 ألف متر مكعب من الأنقاض أزيلت سابقاً بالتعاون مع المجتمع المحلي. وأضاف أن العمل جار حالياً على إزالة نحو 45 ألف متر مكعب أخرى بالتعاون بين الدفاع المدني ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. ووفق بويضاني، تتراوح نسبة الدمار في مدينة دوما بين 15-20 بالمئة من مساحتها العمرانية.
من جهته، قال رئيس فرع ريف دمشق لنقابة المهندسين وعضو مجلس الأعيان في مدينة دوما كريم طعمة، لسيريا ريبورت، إن حفر الأنفاق لم يتسبب بأضرار إنشائية في الأبنية، موضحا أنها حُفرت بعيداً عن أساسات الأبنية. وأشار طعمة إلى وجود أنفاق كبيرة في المدينة، من بينها نفق يصل طوله إلى نحو خمسة كيلومترات ويربط بين دوما وبرزة، لافتاً إلى أن عددا من الأنفاق جرى التعامل معه سابقا، من بينها نفق كان يقع تحت بناء المحكمة. وأضاف أن أي حالة ترد إلى نقابة المهندسين وتتعلق بالأنفاق يتم التعامل معها مباشرة وفق حالة كل نفق، من دون اعتبار الأنفاق سبباً لتضرر الأبنية في المدينة.
