أملاك مسؤولي النظام السابق في ريف دمشق تحت سلطة مشايخ هيئة تحرير الشام ودوائر الاستيلاء
لم تترافق الأيام الأولى لانهيار نظام الأسد نهاية ديسمبر 2024 بأعمال انتقامية مباشرة ضد مسؤولي النظام السابق، ما خفّف من المخاوف بشأن حدوث انتهاكات لحقوق السكن والأرض والملكية. ولكن، مع مرور الأيام، سرعان ما تحول الاستيلاء على ممتلكات ضباط الأجهزة الأمنية والعسكرية السابقين، خاصة من العلويين، إلى ظاهرة واسعة في ريف دمشق وضواحيها القريبة.
تميزت هذه المرحلة بصعود نفوذ مشايخ سلفيين، عينتهم هيئة تحرير الشام، ليديروا شؤون المناطق بشكل فعلي، متحكمين بالقرارات اليومية، بما فيها الموافقة على الاستيلاء على الممتلكات أو منعه. وذلك مع استمرار تراجع دور القضاء والمؤسسات الرسمية الجديدة. كما ظهرت في بعض المناطق دوائر رسمية، متخصصة بحصر الممتلكات المستهدفة ووضع اليد عليها، ما أدى إلى توسيع دائرة الاستيلاء لتشمل العديد من المنازل، حتى لو لم يكن أصحابها مرتبطين بشكل مباشر بالنظام السابق.
مهند، ضابط من ريف اللاذقية، لديه منزل في ضاحية بريف دمشق، كان قد اشتراه بأموال اقترضها من والده في العام 2003. بعد سقوط النظام في 8 كانون الأول الماضي، جاءت إلى منزله بهدف التفتيش، مجموعة مسلحة قالت إنها تابعة لهيئة تحرير الشام، وتتولى المسؤولية عن الضاحية. أطلق عناصر المجموعة عبارات طائفية واتهموا مهند بأن رتبه هي امتياز من نظام الأسد، ولأنه ظل على رأس عمله حتى سقوط النظام، فذلك يجعله خائناً، مما يبرر لهم الاستيلاء على منزله. مُنح مهند مهلة أسبوع لمغادرة المنزل مع أغراضه الشخصية، من دون الأثاث، فيما بقي عدد من المسلحين عند مدخل البناء، ما تسبب بتوتر كبير لدى عائلة مهند.
بعدها، حاول مهند مراجعة المسؤولين عن هذه المجموعة المسلحة، مؤكداً لهم أنه ضابط إداري، ولا يملك أي سلاح خارج مكتبه، ولم يشارك في أي عمل عسكري منذ عام 2011. لكن مع ذلك، لم يتمكن من إقناعهم، وقال له أحد القادة، إنه يجب أن يكون ممتناً لهم لأنهم لم يضعوا سلاحاً في منزله، أثناء تفتيشه، لاتهامه بحيازته.
قام مهند سريعاً بتقديم شكوى لدى الشرطة، لكن الضابط وبخه قائلاً إن مجرد كتابة أنه “ضابط برتبة رفيعة” في المحضر، فهذه تهمة بحد ذاتها. رغم ذلك تم قبول الشكوى، وتواصل مهند مع موظفين مدنيين من العهد السابق الذين لا يزالون على رأس عملهم، وقاموا بدورهم بالتواصل مع وزارة الداخلية التي أرسلت توصية إلى الشيخ المسؤول عن الضاحية، والذي أمر بدوره المجموعة المسلحة، بترك منزل مهند. وهنا، يجب الاشارة إلى أن هيئة تحرير الشام بدأت سلسلة تعيينات غير معلنة، لمشايخ ينتمون إلى تيار السلفية الجهادية، مسؤولين عن قطاعات ومناطق. ولا يوجد أي قانون واضح يحدد سلطة هؤلاء المشائخ وصلاحياتهم، ولكن يبدو من حالات متعددة أنه يملكون نفوذا كبيراً على البلديات، الفصائل المسلحة، والشرطة.
لم يعجب القرار المجموعة المسلحة، فقاموا بتوبيخ عهد مطلقين تهديدات، وأكدوا أنهم غير معنيين بالحكومة. الشيخ المسؤول، نصح مهند بترك المكان مؤقتاً، حفاظاً على حياته وحياة عائلته، حتى يتحسن الوضع الأمني. لذا، سافر مهند وعائلته إلى اللاذقية، مقررين مغادرة الضاحية نهائياً، وبيع المنزل عند استقرار الوضع الاقتصادي.
في مثال آخر، مروة، موظفة حكومية، كانت تسكن مع زوجها وأولادها، في ضاحية بريف دمشق، في منزل يملكونه. وقد هربت العائلة، ليلة سقوط النظام، إلى إحدى بلدات الساحل، خشية حدوث انتقام منها لأن الزوج كان يعمل محققاً في أحد فروع الأجهزة الأمنية. وبعد هدوء الأوضاع نسبياً عادت العائلة إلى الضاحية، إذ لا بيت آخراً لديهم يسكنونه. وبمجرد عودتها إلى الوظيفة، تعرضت مروة لأسئلة متكررة من مسؤوليها الجدد المُعيّنين من الإدارة الانتقالية، حول وظيفة زوجها.
بعد فترة قصيرة، عينت هيئة تحرير الشام شيخاً مسؤولاً عن الضاحية، فأباح الاستيلاء على أملاك مسؤولي النظام السابق في المنطقة. ومن ضمن المساكن المستولى عليها كان بيت عائلة مروة، في وقت لم يكن أحد من العائلة موجوداً فيه. مروة لجأت إلى مديرها في الوظيفة ليساعدها، لكنه أخبرها أن لا شيئاً يمكنه فعله لمنع الفصائل من الاستيلاء على منزل عائلتها. إذ ادعت الفصائل أنها عثرت في المنزل عند اقتحامه على معدات قتالية. نفي مروة لهذا الأمر، لم يغير أي شيء على أرض الواقع.
حاولت مروة بعدها التواصل شخصياً مع الشيخ المسؤول عن المنطقة دون جدوى، كما حاولت توسيط شخصيات اعتبارية من سكان المنطقة، من دون تحقيق أي تقدم. اللافت، أن زوج مروة، لم يطلب ولا مرة للتحقيق، ولم يلاحق، وليس بحقه أي مذكرة توقيف. ويدل ذلك، على وجود مشكلة كبيرة، تتعلق بمحاولة الاستيلاء على المساكن، من دون وجود مبرر قانوني أو جنائي.
وفي نموذج ثاني يوضح آلية جديدة بدأت بالظهور، قالت مصادر أهلية بأن “دائرة استيلاء” رسمية تشكلت في إحدى بلدات ريف دمشق، ومهمتها وضع اليد على مساكن وأملاك ضباط أو مسؤولين سابقين في نظام الأسد. كما استولت الدائرة على منازل شاغرة، بغض النظر عن هوية أصحابها. المصادرة قدرت عدد المنازل المستولى عليها من قبل هذه الدائرة بنحو 150 منزلاً، بينها منزل كانت تسكنه بضعة أخوات، بذريعة أن لديهم أخ مسؤول في قوات النظام. لكن هذا الأخ المسؤول، متوفى منذ سنوات، وكان عنصراً بلا رتبة في إحدى الميليشيات الموالية، والمنزل لم يكن ملكاً له، وليس مسجلاً باسمه.
أخبار الاستيلاء على المنازل في ضواحي دمشق القريبة، سرعان وصلت إلى أسماع النازحين والمهجرين في مخيمات الشمال السوري، ممن بدأوا يتوافدون إلى مقرات البلديات في ريف دمشق للسكن في المنازل المستولى عليها. بلدية واحدة على الأقل، بدأت بتوزيع المنازل المستولى عليها على القادمين من الشمال.
