أعمال حفر وضغوط ميدانية تعيد التوتر إلى السومرية غربي دمشق
تشهد منطقة السومرية توتراً متصاعداً خلال الأسابيع الأخيرة مع بدء أعمال حفر قرب المنازل بهدف إنشاء سور معدني، وسط انتشار مجموعة مسلّحة من معضمية الشام تفرض نفسها كقوة أمر واقع وتشرف على ما يجري داخل الحي. ومع غياب أي توضيح رسمي حول أعمال الحفر التي قيل لمن تبقى من سكان السومرية بأنها جزء من مشروع لبناء سور، ظهرت إشارات ملونة على جدران بعض المنازل، ما أثار مخاوف من موجة إخلاءات جديدة مماثلة لما حدث في آب الماضي.
يقع حي السومرية في الجهة الغربية من دمشق، على الطريق الواصل بين العاصمة ومعضمية الشام وداريا. إداريًا يتبع لمحافظة دمشق، ويجاور مطار المزة العسكري والمنشآت الأمنية والعسكرية المنتشرة في محيطه. وبُنيَت السومرية بالكامل على أراضٍ استملكتها وزارات الدفاع والداخلية ومحافظة دمشق، منذ خمسينيات القرن الماضي من أراضي مدينة معضمية الشام. وعلى هذه الأملاك العامة أُقيمت منشآت عسكرية كالمخابرات الجوية ومطار المزة. تشكّلت السومرية منذ سبعينيات القرن الماضي مع بناء مساكن اجتماعية مخصصة لصف الضباط والعناصر في الفرقة الرابعة، ثم توسعت لتشمل مساكن للمخابرات الجوية والحرس الجمهوري. وإلى جوار هذه المساكن ظهرت منطقة عشوائية تضم نحو ألف وسبعمائة مسكن. غالبية سكان السومرية كانوا من العلويين، سواء في المساكن العسكرية المنظمة أو في المنطقة العشوائية التي قصدها موظفون وعسكريون ذوي الدخل المنخفض، ممن يعملون في الجيش أو القطاع العام ضمن دمشق وريفها.
مع سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، انهارت الفرقة الرابعة والمخابرات الجوية التي كانت تتمركز في المنطقة، وفرّ العديد من العسكريين وعائلاتهم من مساكنهم خوفاً من الانتقام، ما خلق فراغاً أمنياً استغلته مجموعة مسلّحة من معضمية الشام، موالية للإدارة الانتقالية، دخلت الحي وفرضت سيطرتها عليه. رافق دخول تلك المجموعة عمليات نهب وتهديدات وهتافات طائفية.
ومع بداية عام 2025 بدأت الضغوط تتصاعد، إذ جرى تداول أخبار عن أوامر بإخلاء المساكن العسكرية، ما دفع كثيراً من السكان إلى المغادرة خوفاً. وفي شباط 2025 أكدت محافظة دمشق في كتاب رسمي أنها مسؤولة عن العشوائيات في الحي وأنه لا يجوز اتخاذ أي إجراء دون الرجوع إليها، إلا أنها لم تتمكن من منع الضغوط الميدانية. وفي تموز 2025 فُرض حصار على السومرية من قبل المجموعة المسلحة التي أغلقت المداخل وقيّدت حركة السكان ومنعت دخول المواد الغذائية، ورافقت ذلك اعتقالات وإهانات طائفية. في أواخر آب، قاد أبو حذيفة، زعيم المجموعة المسلحة من المعضمية، عملية اقتحام واسعة بمئات العناصر، أُغلقت خلالها المنطقة بالكامل، ودخلت القوات إلى المنازل، وتعرّض الرجال والنساء والأطفال للضرب والاعتقال، واحتجز العشرات في أحد المباني حيث أُجبروا على توقيع تعهدات بالإخلاء. وخلال الأيام القليلة التالية نزحت غالبية السكان عن الحي الذي لم يبق فيه إلا من ليس لديهم مكان آخر ينزحون إليه.
تنقل لجنة السومرية، وهي الجهة المحلية التي تتولى مخاطبة محافظة دمشق باسم سكان الحي، أن المحافظة أبلغتها بأن الأعمال الجارية تنفذها مؤسسة الإنشاءات العسكرية وأنها لا تستهدف هدم أي منزل. غير أن اللجنة تشير في الوقت نفسه إلى أن مسار السور الذي يجري العمل عليه سيعزل أجزاء واسعة من المنطقة ويحوّلها إلى جزر منفصلة، وسيقترب من واجهات بعض المنازل إلى درجة تعيق حركة السكان، كما سيطوّق مدرسة كاملة ويحجب عنها وصول باصات الطلاب وسيارات الإسعاف.
إلى جانب أعمال الحفر الجارية، ظهر في السومرية خلال الأيام الماضية خط أبيض طويل مرسوم بالدهان يمتد من الشارع الرئيسي إلى داخل الحارات الداخلية، في مشهد يربطه الأهالي بمسار السور المزمع إنشاؤه. وتترافق هذه الأعمال مع تخريب لخطوط المياه، فيما يعمل في الموقع عمال يقول السكان إنهم لا يعرفون طبيعة المهمة المكلّفين بها.
في موازاة ذلك، يلاحظ السكان وضع إشارات بالدهان، خضراء وبيضاء، على عدد من المنازل، بعضها في مناطق لا يمر فيها مسار السور المعلن في منطقة الصناعة، وأن أصحابها أُبلغوا مباشرة بضرورة الإخلاء. ويقول الأهالي لمراسل سيريا ريبورت، إن هذه الإشارات تُستخدم لتحديد البيوت المطلوب إخلاؤها، وهي الممارسة نفسها التي سبقت تهجير آب الماضي حين بدأت العملية بإشارات مماثلة على الجدران قبل أن تتحول إلى أوامر بالإخلاء تحت الضغط. وهو ما تعبّر عنه إحدى سيدات الحي بقولها إن “آخر مرة بلشوا بإشارة… وبعدين صرنا بالشارع”.
ومع غياب أي توضيحات رسمية إضافية، يتحدث بعض الأهالي عن مطالبات غير معلنة صادرة عن عناصر مجموعة أبو حذيفة المسلحة المسيطرة على الحي تطلب من أسر معينة المغادرة بحجة مرور السور، في وقت يخشى فيه السكان أن تشكل هذه الخطوات مقدمة لمسار جديد من التهجير. وفي ظل اكتفاء الجهات الرسمية بتطمينات عامة من دون حضور فعلي على الأرض، تبقى المنطقة خاضعة لسيطرة المجموعة المسلحة التي تشرف على الأعمال، فيما يعيش من تبقى من سكان السومرية بين الخوف من تكرار الاقتحامات السابقة ومحاولة البقاء في منازلهم رغم الضغوط اليومية المتزايدة.
وبالتوازي مع هذه التطورات، ينتشر عناصر ملثمون في حارات السومرية ويفتعلون مشكلات مع النساء والشبان، وفق شهادات الأهالي، إذ يكفي ضبط أحد السكان بحيازة مشروب كحولي ليتم احتجازه لمدة شهر لدى الأمن العام، مع ما يرافق ذلك من ضرب وإهانات طائفية. ويرى الأهالي أن هذه الممارسات ليست معزولة، بل جزء من الضغوط اليومية التي تعزز الشعور بأن السيطرة الميدانية تستخدم أساليب الترهيب ذاتها التي سبقت أحداث آب الماضي.
