أزمة براءة الذمة المالية تعرقل تثبيت الملكيات العقارية في دمشق
منذ أن أعادت وزارة المالية في الحكومة الانتقالية العمل بمنح وثيقة براءة الذمة المالية في حزيران الماضي، تحوّلت هذه الخطوة إلى معاناة يومية لآلاف المواطنين في دمشق. فبدلاً من أن تشكّل الآلية الجديدة مدخلاً لتسوية تراكمات البيوع غير المثبتة منذ سقوط النظام، كشفت عن أزمة إدارية خانقة، وبطء شديد في إنجاز المعاملات، وفتحت المجال أمام السمسرة واستغلال حاجة المراجعين.
وكانت وزارة المالية في الإدارة الانتقالية، قد أصدرت التعميم رقم 87 في 21 حزيران 2025، الذي أعاد العمل بمنح وثيقة براءة الذمة المالية، بعد توقف عن تسجيل الوقوعات العقارية دام أكثر من ستة أشهر منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024. وتعتبر هذه الوثيقة شرطاً أساسياً لإجراء عمليات الفراغة العقارية ونقل الملكيات في السجل العقاري. والفراغة هي عملية نقل ملكية عقار في السجل العقاري بشكل مباشر وتسجيله على اسم شخص آخر، سواء كان العقار مبني أو غير مبني، سكني أو تجاري. وتجري هذه العملية للعقارات المفرزة والموصوفة، حصراً، في المناطق المنظمة. وتكون الفراغة بالتنازل المباشر، البيع أو الهبة للعقار. وأوضحت وزارة المالية عند اصدار التعميم 87، أن استئناف منح الوثيقة جرى بالتنسيق مع وزارات الداخلية والعدل والإدارة المحلية والمصالح العقارية، بعد تحديد قوائم بأسماء كبار المتورطين في انتهاكات مرتبطة بالنظام السابق من الممنوعين من بيع أو نقل ممتلكاتهم.
مراسل سيريا ريبورت أشار إلى أن آلاف المراجعين توافدوا إلى مديرية المالية في دمشق لتقديم طلبات الحصول على براءة الذمة المالية، خلال الأسابيع التي تلت صدور التعميم. تقديرات مصادر ضمن المديرية، أشارت إلى أن عدد الطلبات المقدمة للحصول على براءة الذمة، تجاوز خمسة آلاف طلب منذ نهاية حزيران. المصادر أشارت في الوقت ذاته، إلى أن المديرية لم تتمكن من منح سوى عشرات براءات الذمة، حتى الآن. ويعود هذا البطء في منح براءات الذمة، بحسب مصادر المديرية، إلى النقص الحاد في الكادر البشري، إذ يضطر كل موظف إلى تدقيق مئات الطلبات يومياً، ما يجعل إصدار الوثيقة الواحدة يستغرق عدة أيام. ومع تراكم آلاف الطلبات في وقت قصير، عجزت المديرية عن مجاراة الضغط، فاقتصرت الموافقات على عدد محدود جداً من براءات الذمة.
هذا التباطؤ، ترافق مع تراكم هائل في معاملات البيوع العقارية التي أجريت منذ ديسمبر 2024، عبر عقود خارجية أو عرفية، نتيجة تعطيل الإدارة الانتقالية عملية توثيق البيوع في السجلات العقارية وعبر المحاكم. إذ سبق وأوقفت مديرية المصالح العقارية عملية تثبيت البيوع في السجلات العقارية في 21 يناير 2025، كما أصدرت وزارة المالية في 2 آذار 2025 كتاباً رسمياً إلى وزارة العدل تطلب فيه من المحاكم الامتناع عن إحالة الأحكام القضائية المتعلقة بتثبيت البيوع العقارية إلى السجل العقاري. وتشير تقديرات مصادر مديرية المالية، إلى أن نحو خمسين ألف حالة بيع عقاري جرت في دمشق منذ سقوط نظام الأسد، لم يتم بعد توثيقها. وهذا ما تسبب بازدحام غير مسبوق وضغط كبير على موظفي المالية المكلفين بدراسة الطلبات.
أوضح أحد مراجعي مديرية المالية، للمراسل، بأنه تقدّم بطلب الحصول على براءة الذمة منذ أسابيع، لكنه ما زال يتلقى ذات الجواب: “عليك العودة بعد يومين”، من دون نتيجة تذكر. مراجع آخر، كان قد اشترى عقاراً ولم يتمكن حتى الآن من نقل ملكيته بسبب عدم حصوله ولا البائع على براءة الذمة، أوضح أن معاملته متوقفة منذ أكثر من أسبوعين رغم تكرار مراجعته للمالية. بينما أشار مالك عقار أراد نقل ملكيته لزوجته، إلى أن بعض معقبي المعاملات يدعون قدرتهم على استخراج براءة الذمة خلال يوم واحد مقابل مئتي دولار. هذه الإشارات إلى دور معقبي المعاملات تكررت خلال الحديث مع كثير من المراجعين، ممن أشار بعضهم إلى تفضيله اللجوء إليهم لتفادي ضياع الوقت والجهد. في حين أشار آخرون، إلى أن معقبي المعاملات يلجؤون إلى ابتزاز المراجعين، عبر ادعاء إمكانية تخليص معاملتهم بسرعة بمبالغ معقولة في البداية، قبل أن ترتفع بشكل مضطرد. في كل الأحوال، تشير هذه الشهادات، إلى أن شبهات بممارسات تتعلق بالفساد التي ارتبطت طويلاً بعمل المؤسسات الحكومية في عهد نظام الأسد، قد لا تزال حاضرة.
مراسل سيريا ريبورت أشار إلى ظاهرة غريبة مرافقة لهذا الازدحام الشديد في مديرية مالية دمشق. إذ أن مديرية المصالح العقارية بدمشق، بدت شبه خالية من المراجعين. ويتعلق ذلك بأن إتمام أي عملية نقل ملكية في السجلات العقارية، يستوجب بداية الحصول على براءة الذمة المالية. وشددت مصادر في مديرية المصالح العقارية للمراسل، على أن المشكلة لا تكمن في دوائرها، بل في التأخير الحاصل لدى مديرية المالية بمنح براءة الذمة، مؤكدة أن دوائر العقارات جاهزة لتثبيت الملكيات فور استكمال المعاملة. وأشارت هذه المصادر إلى وجود نسخة احتياطية محدثة سنوياً من وثائق الملكية محفوظة في مصرف سوريا المركزي، بما يضمن عدم ضياع الحقوق. لكنها في الوقت ذاته اعتبرت أن استمرار التأخير غير مبرر، خصوصاً في ظل الحاجة الملحّة لإنجاز معاملات البيع والشراء، محذّرة من أن تراكم المعاملات سيؤدي إلى أضرار كبيرة للمواطنين ويقوّض ثقتهم بالإجراءات الإدارية الجديدة.
تُظهر أزمة براءة الذمة المالية في دمشق أن استئناف العمل بمنح هذه الوثيقة جرى من دون تحضير إداري كافٍ يستوعب حجم الطلبات المتراكمة. غياب الكادر البشري الكافي وضعف البنية الإجرائية أفضى سريعاً إلى اختناقات أعادت إنتاج مساحات للسمسرة ومعقبي المعاملات. استمرار هذا الوضع يهدد بإطالة أمد تعطيل تثبيت المعاملات، ويضعف ثقة المواطنين بالمسار الإداري الجديد، في وقت يُفترض فيه أن يشكّل تنظيم البيوع العقارية خطوة أساسية لترسيخ الاستقرار وضمان الحقوق.
