أزمة “الفروغ” بين المستأجرين والمالِكين تهدّد 250 ألف محل تجاري في سوريا
قالت مصادر محلية إن اللجنة التابعة لوزارة العدل، المكلّفة بدراسة الوضع القانوني للعقارات المؤجّرة بموجب عقود خاضعة للتمديد الحكمي (سكنية وغير سكنية)، تعتزم اقتراح منح مستأجري العقارات التجارية مهلة محددة، يُلزمون بعدها بإخلاء العقار دون أي تعويض.
وقد عقدت اللجنة الخاصة، التي شكلتها وزارة العدل، بقرارها رقم 856 في 12 حزيران، اجتماعين مغلقين في قصر العدل بدمشق نهاية حزيران الماضي، وندوة علنية في 2 تموز، جمعت ممثلين عن المالِكين والمستأجرين ونقابات مهنية. وتتجه اللجنة إلى تسليم تقريرها الأولي منتصف آب المقبل، مع احتمالية تمديد عملها شهراً إضافياً إذا تطلّبت المقترحات مزيداً من الصياغة القانونية.
الفروغ، فهو نمط من التمديد الحكمي، يخصّ المحلات التجارية المؤجرة قبل 2006، حيث دفع المستأجر آنذاك مبلغاً مقطوعاً يتراوح غالباً بين 40 و60 في المئة من قيمة العقار، وقد تصل إلى 80 في المئة في بعض الحالات، مقابل إشغالٍ مستمرّ وإيجار رمزي ثابت، مع حقّ التنازل عن المحلّ لقاء فروغ جديد، بينما تبقى ملكية العقار للمؤجّر.
تتجه اللجنة إلى تقديم مقترح بمنح مهلة لمستأجر العقار التجاري على أن يخليه بعدها من دون تعويض. إذ تعتبر اللجنة، بحسب مصادر سيريا ريبورت، فالمهلة المقترحة، وقد تصل إلى سبع سنوات، ويستمر فيها المستأجر باستثمار العقار، ستكون هي بمثابة التعويض. ويعفي ذلك مالك العقار التجاري من دفع قيمة الفروغ، والتي تتراوح بين 40-60 في المئة من قيمة العقار، وقد تصل في بعض المواقع التجارية في مدينة دمشق إلى 80 في المئة.
تشير مصادر سيريا ريبورت إلى أن التسريبات حول مقترح اللجنة قوبلت برفض من بعض المستأجرين “أصحاب الفروغ”، لأنهم يعتبرون أنفسهم بمثابة مالكي تلك العقارات. وقد بدأت مجموعات من مالكي العقارات التجارية، ومستأجريها، بطرح مقاربة بديلة، تقوم على التفريغ المرحلي مقابل تعويض متناقص، كخيار وسطي، لحل مشكلة فروغ المحال. ويكتسب هذا الطرح زخماً قانونياً واجتماعياً، قد يؤهّله ليصبح أساساً لتشريع يوازن بين حقوق الملكية، السكن والاستثمار. لكن استمرار تباين المصالح بين المؤجرين والمستأجرين، قد يهدّد بإجهاض التسوية، وقد يفتح المجال لرفع دعاوى جماعية أمام القضاء. كما يكشف التمييز بين التمديد الحكمي، ونظام الفروغ، اختلافات جوهرية تتحكّم بمسار النقاش الدائر، ضمن اللجنة، التي ستواجه في الأسابيع المقبلة خيارات متباينة لحسم الملف.
على الضفّتين تتصاعد حدّة الخطاب: أحد تجمّعات المالِكين في دمشق، أطلقت مؤخراً حملة وصفت فيها المستأجرين بـ”المحتلّين”، مطالبة بإخلاء فوري بلا تعويض، وداعية إلى “استعادة الحقوق المغتصَبة”. في المقابل قاد مئات التجار الدمشقيين، من مستأجري المحال التجارية، تظاهرتين متتاليتين أمام غرفة التجارة ثم وزارة العدل، نهاية حزيران، رافعين لافتات “حقوقنا غير قابلة للبيع” ومؤكدين أنهم لن يخلوا محالهم ما لم يُستعيدوا ما دفعوه كفروغ. غرفة تجارة دمشق أصدرت مذكرة، نهاية حزيران، تطالب فيها بتوسيع عضوية اللجنة، لتشمل ممثلين عن الأسواق، وإرجاء أي تعديل إلى حين استقرار الأوضاع الاقتصادية، محذّرة من شللٍ محتمل في النشاط التجاري. ومن خارج المعسكرين، تحذّر أوساط حقوقية من أن التسرّع في الحسم سيكون بمثابة “مغامرة تمسّ ربع مليون محلّ” وتقترح تشكيل لجان مجتمعية–اقتصادية لصياغة حلّ وسطي.
بحسب مصادر سيريا ريبورت، يشمل نظام الفروغ ما يقدَّر بنحو 200 إلى 250 ألف محلّ تجاري في سوريا، تمثّل مصدر رزق لآلاف العائلات. وأي الغاء لهذا النظام، يتم عبر إخلاء سريع للعقارات، أو تعويض لا يرضي المستأجرين، قد يهدّد بتعطيل النشاط التجاري في كثير من الأسواق، وإقفال محال أو ترحيلها إلى أطراف المدن. وهو الأمر الذي قد يُجمّد الحركة في الأسواق التقليدية بدمشق مثل ساروجة والبزورية.
إلغاء نظام الفروغ، لن يرفع الكلفة الإجمالية لايجار المحلات التجارية، سيحوِّل تلك الكلفة من دفعة واحدة، إلى إيجارٍ دوري مرتفع يذهب هذه المرة إلى المالك الأصلي. المخاطرة الحقيقية تكمن في أنّ المستأجرين الحاليين، قد يخسرون رأس المال الذي دفعوه سابقاً للفروغ، ويجدون أنفسهم مطالبين أيضاً بسداد إيجار شهري مرتفع، ما قد يدفع بعضهم إلى الإغلاق أو الانتقال ويُحدث تغييراً في تركيبة الأسواق التقليدية لمصلحة تجّار يملكون سيولة أكبر. وذلك ليس بسبب زيادة مباشرة في أسعار العقارات، بل نتيجة إعادة توزيع عبء الكلفة بين رأس المال والإيجار.
وقد يخلف ذلك فراغاً حضرياً، ويبدّل هوية مراكز المدن، إذا تُركت المحال شاغرة أو بيعت لمستثمرين كبار. الأكثر تضرّراً سيكون المستأجرون الصغار والنساء الوريثات الذين قد يخسرون مصدر دخل ثابت من دون بديل سريع، ما يعمّق الفجوة الاقتصادية والجندرية. وباختصار، أي تعديل لا يوازن بدقّة بين حق الملكية واستقرار النشاط التجاري قد يحوّل النزاع القانوني إلى أزمة معيشية وحضرية واسعة.
سيناريوهات ما بعد تقرير اللجنة
بعد انتهاء المهلة الممنوحة للجنة وزارة العدل، يُمكن رسم ثلاثة مسارات رئيسية لما سيلي تقريرها المرتقب. أَوّلُها أن تتبنّى اللجنة مقاربة “التفريغ المرحلي” مع بعض التعديلات التقنية، مع نصٍّ واضح يحدّد آلية تقدير القيمة السوقية وأجَلَ تسديد التعويض.
المسار الثاني يقوم على تفكيك الملف إلى مسارين تشريعيَّين منفصلين: أحدهما يعالج عقود التمديد الحكمي السكنية، والآخر يخصّ محال الفروغ التجارية. هنا قد توصي اللجنة بإنشاء آلية تعويض مختلفة للمحال، تُحمِّل جزءاً من الكلفة للدولة عبر صندوق مساهمة أو حوافز ضريبية تُخفّف عبء التعويض عن المالكين وتطمئن المستأجرين إلى أنهم لن يخسروا كامل قيمة الفروغ الذي دفعوه تاريخياً. مثل هذا التشريع المزدوج يُرضي شريحةً أوسع من الطرفين لكنه يستلزم وقتاً أطول لصياغة نصّين منفصلين والاتفاق على مصادر التمويل، ما قد يؤخّر صدوره ويُبقي حالة عدم اليقين قائمة إلى حينه.
أمّا السيناريو الثالث فيفترض عجز اللجنة عن صياغة أرضية مشتركة، سواء بسبب اتساع الهوّة بين مطالب المالِكين والمستأجرين أو لضيق الوقت، فتكتفي برفع توصية عامّة بالإبقاء على الوضع الراهن. في هذه الحال، سيواصل المالكون رفع دعاوى إخلاء جماعية، بينما سيردّ المستأجرون بطعون وطلبات تعويض، فتزدحم المحاكم بملفّات قد يمتد النظر فيها سنوات، ويظلّ مصير نحو ربع مليون محلّ رهينة التقاضي. هذا المسار لا يقدّم حلاً تشريعياً بل يرحّل الأزمة إلى القضاء، مع ما يترتّب على ذلك من كلفة اجتماعية واقتصادية، ويُبقي الأسواق التقليدية في حالة ترقّب قد تعرقل الاستثمار والتخطيط التجاري على المدى القريب والمتوسط.
