أزمة السكن تتفاقم في مدينة دير الزور مع استمرار الدمار وغياب إعادة الإعمار
عد مرور أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، لا تزال مدينة دير الزور تعاني من أزمة سكن بنيوية ناتجة عن الدمار الواسع الذي طال معظم أحيائها خلال سنوات الحرب، في ظل غياب أي خطوات جدية أو واضحة من قبل الإدارة الانتقالية باتجاه إعادة إعمار الأحياء المدمرة. وتأتي هذه الأزمة في سياق ضغط سكاني قائم فعلياً داخل المدينة، تفاقم مع عودة أعداد كبيرة من السكان منذ نهاية العام 2024، وسط اختلال عمراني حاد يتركز فيه الثقل السكاني ضمن نطاق جغرافي محدود.
وكان تنظيم الدولة الإسلامية قد سيطر على معظم أحياء مدينة دير الزور تدريجياً خلال عام 2014، بعد حملة عسكرية واسعة شنّها ضد فصائل المعارضة المسلحة. في الوقت ذاته، أحكم التنظيم حصاره على قوات نظام الأسد في حيي الجورة والقصور بين عامي 2014 و2017، قبل أن يشنّ الجيش السوري، بدعم روسي، عملية عسكرية لفك الحصار عن الحيين وطرد التنظيم واستعادة السيطرة على المدينة بحلول تشرين الثاني 2017. وتسببت تلك العمليات العسكرية بدمار واسع طال 22 حياً من أصل 24 حياً في المدينة، بنسب متفاوتة.
ومنذ سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024 وحتى نهاية العام 2025، شهدت مدينة دير الزور عودة نحو 150 ألف شخص، منهم 75 ألفاً عادوا من مخيمات الشمال السوري، بحسب تقديرات مجلس مدينة دير الزور المحلي اطلعت عليها سيريا ريبورت. وبموجب التقديرات نفسها، لا يزال نحو 200 ألف مهجر لم يعودوا بعد إلى المدينة، التي كان عدد سكانها يقارب 600 ألف نسمة قبل العام 2011، فيما يبلغ عدد سكانها حالياً نحو 400 ألف شخص.
فعلياً، لم ينجُ من الأضرار سوى حيي الجورة والقصور، اللذين يقطنهما حالياً نحو 250 ألف شخص، أي أكثر من نصف سكان المدينة. في المقابل، يتوزع نحو 150 ألف شخص على بقية الأحياء المتضررة جزئياً، رغم محدودية الخدمات وغياب البنية التحتية الكافية. ويعكس هذا التوزع اختلالاً عمرانياً واضحاً فرضته سنوات الدمار والحصار والمعارك، إذ تحولت الجورة والقصور إلى ملاذ سكني شبه وحيد داخل مدينة مدمّرة بمعظمها، ما أدى إلى ضغط كبير على شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إضافة إلى تفاقم الاكتظاظ السكني وارتفاع كلفة الإيجارات مقارنة ببقية الأحياء.
وفي هذا السياق، قال رئيس مجلس مدينة دير الزور ماجد حطاب لسيريا ريبورت إن نسبة الدمار في المدينة تصل إلى نحو 80 بالمئة، موضحاً أن حجم الضرر يختلف من حي إلى آخر. وأشار إلى عدم توفر أرقام دقيقة حول عدد المنازل المتضررة أو الآيلة للسقوط، مرجعاً ذلك إلى فقدان غالبية سجلات البلدية خلال سنوات الحرب ما يعيق إعداد قاعدة بيانات واضحة يمكن الاستناد إليها في توصيف واقع الأضرار السكنية.
وأضاف حطاب أن الجهود الحالية تتركز على إزالة الأنقاض لتخفيف الضغط السكاني عن حيي الجورة والقصور، موضحاً أن مجلس المدينة يعمل بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على إزالة نحو 75 ألف طن من الأنقاض من خمسة أحياء هي الرشدية والخسارات والشيخ ياسين والحويقة والحميدية، في محاولة لتهيئة هذه المناطق جزئياً أمام عمليات الترميم. ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه الجورة والقصور من تدهور واضح في البنية التحتية نتيجة الكثافة السكانية المرتفعة.
وفي موازاة الأزمة السكنية القائمة داخل المدينة، شهد ريف دير الزور الشرقي، المعروف محلياً باسم الجزيرة، تحولات ميدانية خلال كانون الثاني الماضي، تمثلت بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المنطقة، في إطار موجة من المواجهات العسكرية والاتفاقات المتكررة مع قوات الإدارة الانتقالية، والتي أدت إلى تقلص مناطق سيطرة الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا وحصرها في المناطق ذات الغالبية الكردية في محافظة الحسكة. وتوقع حطاب أن تشهد المدينة ارتفاعاً في حركة عودة المهجرين خلال الفترة المقبلة، معرباً عن تخوفه من أن يؤدي ذلك إلى تفاقم أزمة السكن وزيادة الضغط على حيي الجورة والقصور بشكل خاص، مؤكداً في الوقت نفسه أن أعمال إزالة الأنقاض في الأحياء الخمسة المذكورة تهدف إلى مساعدة الأهالي على البدء بعمليات الترميم والحد من الاختناق السكاني داخل المدينة.
من جهته، أوضح خبير عقاري من أبناء دير الزور، رفض الكشف عن هويته لعمله مع إحدى المنظمات الدولية، أن المساكن المتضررة في المدينة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام بحسب طبيعة الضرر. وبيّن أن القسم الأول يشمل المنازل التي تعرضت لسرقة التجهيزات الداخلية من دون أن تتضرر الجملة الإنشائية، وتشكل نحو 60 بالمئة من إجمالي المساكن المتضررة، وهي قابلة للإصلاح. أما القسم الثاني فيضم المساكن التي لحقتها أضرار في الجملة الإنشائية لكنها تبقى قابلة للإصلاح، وتشكل ما بين 10 و15 بالمئة، غير أن إعادة تأهيلها ستكون مكلفة. في حين يشمل القسم الثالث المساكن المدمرة كلياً، والتي لا يمكن إصلاحها وتتطلب إعادة إعمار كاملة، وتشكل نحو 25 بالمئة من إجمالي المساكن المتضررة في المدينة.
وأشار الخبير إلى أن دور المنظمات الدولية العاملة حالياً في دير الزور يقتصر على المساهمة في تأهيل المساكن القابلة للإصلاح فقط، ما يجعل نطاق تدخلها محدوداً ولا يتناسب مع حجم الدمار القائم، لافتاً إلى أن طبيعة هذه التدخلات تبقى مرتبطة بسقوف التمويل التي تضعها الدول المانحة، رغم وجود 6 منظمات تابعة للأمم المتحدة ونحو 20 منظمة دولية، إلى جانب عشرات الجمعيات المحلية.
من جهته، اعتبر الخبير العقاري وليد حاج علي، في حديثه لسيريا ريبورت، أن غياب أي آلية واضحة لمسح الأضرار في مدينة دير الزور يعني عدم توفر أرقام حقيقية حول عدد المساكن المتضررة، معتبراً أن هذا الواقع يعكس افتقاد الخطوات العملية الأساسية في التعامل مع ملف إعادة الإعمار. وأعرب عن استغرابه من عدم قيام الإدارة الانتقالية بأي مسح للأضرار حتى الآن، رغم أن أي عملية إعادة إعمار تتطلب كخطوة أولى توصيفاً دقيقاً للحالة القائمة وتحديد حجم المشكلة قبل الانتقال إلى معالجتها، وهو ما لم يتحقق في حالة دير الزور حتى الآن.
