أراضي عرب الغمر في مواجهة قرارات الإدارة الذاتية بين البيع القسري والاستيلاء التدريجي
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر الماضي، ازدادت وتيرة لجوء المزارعين المعروفين بعرب الغمر إلى بيع أراضيهم في منطقة المالكية بريف الحسكة، بموجب عقود إيجار طويلة الأمد. يتصاعد هذا النشاط نتيجة مخاوف متزايدة لدى أولئك الفلاحين من فقدان ملكياتهم للأراضي التي منحتها لهم الحكومة السورية في السبعينات.
وكان قرار مجلس العدالة الاجتماعية التابع للإدارة الذاتية رقم 6 الصادر في 28 كانون الأول 2021، قد منع دواوين العدالة (المحاكم) من قبول أي دعاوى قضائية تتعلق بالعقارات الأميرية الواقعة خارج المخططات التنظيمية. القرار شمل جميع الدعاوى المتعلقة بحقوق الملكية، التصرف، السطحية، والانتفاع. وخلفية القرار تتعلق بتجميد تصرف الفلاحين في منطقة الحزام العربي بأملاكهم، بحسب ما سبق ونشرته سيريا ريبورت.
منطقة الحزام العربي تمتد بين القامشلي والمالكية في محافظة الحسكة، وكان يقطنها أكراد سوريون، ممن تم تسجليهم كأجانب في سوريا منذ نهاية الستينيات، وحرموا من حقوقهم المدنية. وقد تمّت مصادرة أراضي أولئك الأكراد، وتوزيعها على فلاحين عرب من عشيرة الوالدة بعدما غمرت مياه نهر الفرات أراضيهم، في العام 1974، في محافظتي الرقة وحلب بعد إنشاء سدّ الفرات وبحيرة الأسد خلفه. ويسمى أولئك النازحون من منطقة الغمر إلى الحزام العربي بفلاحي الغمر. وفي بضعة حالات أخرى، أعطيت أراضي “الأكراد الأجانب” لفلاحين من ريف حلب وحماة، ممن لم تغمر مياه بحيرة الأسد أراضيهم. في كل الأحوال، استخدم حزب البعث العربي الاشتراكي مشروع الحزام العربي لإحداث تغيير ديموغرافي شمالي الحسكة على طول الحدود السورية التركية. كما استملكت وزارة الدفاع مساحات كبيرة من أراضي الأكراد تلك، وأنشأت عليها مزارع دولة، والتي لا تزال حتى اليوم موضع نزاع بين الإدارة الذاتية والفلاحين الأكراد الذين يطالبون باستعادتها.
هذه السياسة تركت أثراً اجتماعياً عميقاً، إذ يرى العديد من المزارعين الأكراد أن أراضيهم قد سُلبت منهم قسراً، بينما يعتبر عرب الغمر أنهم حصلوا عليها بتخصيص حكومي رسمي، وهم الملاك الشرعيون لها.
لذا، مع تصاعد الحديث عن إمكانية استعادة الأكراد لأراضيهم المصادرة، وجد عرب الغمر أنفسهم أمام خيار صعب: التمسك بأراضيهم رغم المخاطر، أو بيعها بشكل غير رسمي قبل فوات الأوان. ما زاد من تعقيد الوضع، أن العديد من عمليات البيع تتم ضمن شبكات غير معلنة، وغالباً ما يكون المشترون من الشخصيات النافذة في الإدارة الذاتية، أو من الأثرياء الأكراد الذين يسعون إلى استعادة ملكياتهم التاريخية بطرق غير مباشرة.
ووفقاً لمراسل سيريا ريبورت في المنطقة، فمنذ سقوط النظام في ديسمبر 2024، تم تنظيم عقود تأجير طويلة الأمد لمئات الهكتارات. فعلياً، يتم بيع تلك الأراضي، بصيغة عقود إيجار طويلة الأمد تمتد لـ99 عاماً، في محاولة لتجاوز القيود القانونية المفروضة على البيع المباشر. وتختلف أسعار الأراضي بحسب موقعها وقربها من مصادر الري، حيث يتراوح سعر الهكتار الواحد بين 3000 و5000 دولار، وهو رقم مرتفع مقارنة بالأوضاع الاقتصادية في المنطقة.
كما ظهرت حالات متعددة، لجأ فيها العديد من عرب الغمر إلى الانضمام إلى الأجهزة الأمنية التابعة للإدارة الذاتية، في محاولة لحماية مصالحهم وضمان بقائهم في المنطقة. ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الانضمام قد بدد جميع مخاوفهم. في الوقت ذاته، لا تزال قرى عرب الغمر تحتفظ بذاكرة الأراضي المصادرة، حيث لا يزال السكان يشيرون إلى الحقول بأسماء ملاكها الأصليين، وهو ما يعكس تعقيد المشهد وتداخله. وبينما تتعامل بعض العائلات بحذر مع قضية البيع، خوفًا من المساءلة القانونية في المستقبل، فإن أخرى تلجأ إلى التحالف مع شخصيات نافذة داخل الإدارة الذاتية لضمان استمرارية وجودها.
وهنا، من المفيد الإضاءة على سابقة حدثت في العام 2018 في الريف الشرقي لمنطقة المالكية، عندما استعاد فلاح كردي أراضه المستولى عليها في مشروع الحزام العربي. وجرى ذلك في قرية زهرية، التي تقع على ضفة نهر دجلة في المثلث الحدودي بين سوريا، تركيا، والعراق، والتي تم استملاك مساحات واسعة من أراضي الأكراد الأجانب فيها، في السبعينيات، ومنحت إلى فلاحين من ريف مدينة السلمية في حماة. وهو ما أدى إلى إنشاء قرية جديدة مجاورة لزهرية، عُرفت باسم زهيرية سلوميين (نسبة للسلامنة أي الوافدين من مدينة السلمية ذات الاغلبية الاسماعيلة بريف حماة). وظل السكان الأكراد يقطنون زهرية، بينما السلامنة سكنوا زهرية سلوميين. أحد المزارعين الأكراد من أبناء القرية تمكن سنة 2018 من استعادة أرضه الزراعية، مستفيداً من امتلاكه وثائق رسمية صادرة عن وزارة الزراعة السورية تعود إلى ما قبل استملاك أرضه في العام 1974. وهذه الوثائق كانت محفوظة لدى العائلة على مدار عقود، لكنها لم تكن كافية في السابق لاستعادة الأرض. إلا أن تغير موازين السلطة بعد عام 2013، مع سيطرة وحدات حماية الشعب والإدارة الذاتية على المنطقة، فتح الباب أمام إمكانية إعادة النظر في هذه القضايا. ما ميّز حالة هذا المزارع عن غيرها هو امتلاكه لنفوذ داخل الأجهزة الأمنية للإدارة الذاتية، وهو ما ساعده على استعادة أرضه دون المرور بإجراءات قانونية واضحة، لكنه تمكن من طرد الفلاحين الشاغلين لأرضه. أهمية هذه الواقعة لا تقتصر فقط على كونها إحدى أولى الحالات الموثقة لاستعادة الأكراد لأراضيهم المصادرة، بل تمتد إلى كونها مؤشراً على اتجاه جديد في المنطقة، خاصة مع تزايد حالات استعادة الأراضي المستملكة بالقوة، وتصاعد الضغط على الإدارة الذاتية لتسهيل هذه العملية. في الوقت ذاته، أثارت هذه القضية مخاوف عرب الغمر الذين يرون أن فقدان الأرض التي حصلوا عليها بقرار حكومي قد يصبح واقعاً جديداً، خاصة في ظل غياب إطار قانوني واضح يمكنهم من الدفاع عن ملكياتهم، وهو ما يفسر تزايد عمليات البيع غير الرسمية لتلك الأراضي خوفاً من فقدانها دون تعويض.
لا يزال مصير أراضي عرب الغمر في مناطق الإدارة الذاتية مجهولاً. ففي ظل استمرار القيود القانونية المفروضة على البيع والتصرف، قد يكون هناك تصعيد سياسي في المستقبل حول هذه القضية، خاصة إذا قررت الإدارة الذاتية اتخاذ خطوات أكثر وضوحاً في إعادة توزيع الأراضي أو الاستحواذ عليها لصالح مشاريعها. في المقابل، قد تلجأ الإدارة الذاتية إلى الإبقاء على الوضع كما هو، لاستخدام هذه القضية كورقة تفاوضية مستقبلية في أي تسوية سياسية قادمة مع دمشق أو الأطراف الدولية. وبينما يبقى هذا الاحتمال قائماً، فإن الواقع الحالي يشير إلى أن عرب الغمر يواجهون مستقبلاً غامضاً، قد ينتهي بفقدانهم لأراضيهم التي حصلوا عليها قبل أكثر من أربعة عقود.
في كل الأحوال تعكس قضية أراضي عرب الغمر في منطقة الحزام العربي الصراع المستمر حول الملكية والهوية في شمال شرق سوريا. وبينما يسعى كل طرف إلى تثبيت حقوقه التاريخية، تظل هذه الأراضي محور نزاع لم يحسم بعد، وربما لن يُحسم في المستقبل القريب، وسط التغيرات السياسية والعسكرية التي تعيشها المنطقة.
