أراضي اللوا في السويداء تاريخٌ من المصادرة وسعيٌ لاستعادة الحقوق
لأكثر من نصف قرن حُرم أهالي منطقة اللوا في ريف السويداء الشمالي الشرقي من أراضيهم الزراعية، التي ورثوها وزرعوها، ليجدوا أنفسهم مستأجرين على أرض كانت يوماً ملكهم، أو مطرودين منها ممنوعين من الاقتراب منها بوصفها منطقة عسكرية.
تقع أراضي اللوا في ريف السويداء الشمالي الشرقي، على الحدود بين المحافظة وبادية الصفا. وتضم هذه المنطقة عشر قرى، تمتد بين مناطق زراعية خصبة وأراضٍ رعوية، وتشمل بعض القرى مثل السالمية، الحقف، ذكير، خلخلة، أم حارتين، حزم.
شكّلت الأراضي الزراعية في منطقة اللوا جزءاً أساسياً من اقتصاد الأهالي ومعيشتهم لعقود طويلة، حيث ورثها السكان عن أجدادهم وزرعوها بمحاصيل الحبوب منذ أوائل القرن العشرين. ومع ذلك، لم يتم الاعتراف رسمياً بملكيتهم لهذه الأراضي، بل مُنحوا “سند تصرف”، وهو بمثابة وثيقة تمنح حاملها حق استغلال الأرض، غير المحددة والمحررة، دون الاعتراف به كمالك شرعي لها.
وقد جرى إنكار حق أولئك الفلاحين في ملكية أراضيهم، عبر الخطوات التالية؛ في ستينيات القرن الماضي، قامت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، عبر فرق المساحة بإجراء مسح للأراضي، واعترفت بأن المزارعين هم من استصلحوا هذه الأراضي واستثمروها، لكنها لم تمنحهم سندات ملكية رسمية. وبدلًا من ذلك، تم تسجيل الأراضي بأسمائهم ضمن سند التصرف رقم 160، سجل رقم 7، الذي اعتبر الفلاحين بمثابة أصحاب حقوق على الشيوع. ومنحهم السند 160 حق الانتفاع بالأرض دون امتلاكها قانونياً. إذ يمنح حق الانتفاع صاحبه، بموجب القانون المدني رقم 84 لعام 1949، سلطة مباشرة بالانتفاع بشيء ما، عقاراً أو منقولاً، من خلال استعماله واستغلاله، مع بقاء أساس الملكية “حق الرقبة” للمالك، وهو في هذه الحالة: الدولة.
في التسعينيات، وخلال عمليات التحديد والتحرير التي أجرتها فرق المساحة التابعة لمديرية المصالح العقارية، تم شطب سند التصرف رقم 160، وتم تسجيل معظم هذه الأراضي كأملاك عامة تابعة للدولة. ومع هذا الإجراء، فقد الأهالي أي حق قانوني في التصرف بأراضيهم، وتحولوا فعلياً إلى مجرد مستأجرين يدفعون بدلات إيجار مقابل زراعة أراضيهم التي كانوا يملكونها سابقاً. وقد فقد المزارعون القدرة على بيع الأراضي أو توريثها بشكل رسمي، ما أدخلهم في نزاعات قانونية طويلة لمحاولة استعادة حقوقهم. كما أدى هذا القرار إلى حرمان آلاف الفلاحين من الحصول على قروض زراعية، حيث إن المصرف الزراعي السوري كان يشترط وجود سند ملكية رسمي لمنح القروض، وهو ما لم يعد متاحاً لهم بعد تصنيف أراضيهم ضمن أملاك الدولة.
ورغم تقديم الأهالي اعتراضات رسمية إلى وزارة الزراعة وإلى المحاكم العقارية، فإن جميع القضايا التي رفعت انتهت بأحكام لصالح الدولة. والسبب في ذلك يعود إلى أن القضاء العقاري كان تابعاً حينها إدارياً لوزارة الزراعة، ما جعله طرفاً غير محايد في هذه النزاعات. وهكذا، وجد الفلاحون أنفسهم في مواجهة سلطة بيروقراطية محكمة، حيث كان الخصم والحكم في قضاياهم هو الجهة نفسها التي صادرت أراضيهم.
يقول المزارع عاطف الأوس، من قرية السالمية، لسيريا ريبورت: “هذه الأرض ليست مجرد مصدر رزق، بل هي تاريخ عائلتي. أجدادي زرعوها قبل أكثر من مئة عام، لكن فجأة، قيل لنا إننا لا نملكها. لم نحصل على تعويض، بل بات علينا دفع بدل إيجار مرتفع، وكأننا غرباء على أرضنا. حاولنا تقديم اعتراضات، لكن لا أحد استمع إلينا.” ويضيف أن بعض الفلاحين الذين رفضوا دفع الإيجارات تعرضوا لعقوبات إدارية، مثل تجميد معاملاتهم الزراعية أو منعهم من الحصول على قروض لشراء المعدات الزراعية، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي في المنطقة، وارتفاع نسب الديون على الفلاحين الذين استمروا بالزراعة رغم هذه القيود.
كانت هذه الإجراءات جزءاً من سياسة أوسع انتهجتها الدولة، حيث لم تقتصر عمليات الاستيلاء على أراضي اللوا فحسب، بل طالت مناطق أخرى في السويداء ومحيطها، سواء لأغراض التوسع الحكومي أو لإنشاء مشاريع عسكرية. في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، أنشأت قاعدة جوية عسكرية استراتيجية بالقرب من بلدة خلخلة شمالي السويداء، على طريق دمشق-السويداء. وقد جرى استملاك الأراضي المخصصة لإنشاء المطار، وهي مساحات واسعة من منطقة اللوا، من دون اتباع الإجراءات القانونية العادلة للاستملاك. إذ لم يحصل أصحاب الأراضي على أي تعويض مالي أو بديل عن أراضيهم التي تم استملاكها، رغم تقديمهم شكاوى واعتراضات قانونية، إلا أن جميع محاولاتهم لاستعادة حقوقهم قوبلت بالرفض. علاوة على ذلك، فإن المطالبات المستمرة ببدل الاستملاك تعرض أصحابها للمخاطر، بعدما أشاعت المخابرات أن أي اعتراض على الاستملاك سيعتبر “إضعافاً لنفسية الدولة”.
وتشمل الاستملاكات أراضي لعائلات من قرى ذكير، خلخلة، أم حارتين، وحزم، وهي أراضٍ زراعية كانت تُزرع بالحبوب لعقود، قبل أن يتم تحويلها إلى قاعدة عسكرية. أدى إنشاء هذه القاعدة إلى فرض قيود أمنية صارمة على القرى المجاورة، حيث مُنع السكان من الاقتراب من بعض الأراضي المحيطة بالمطار. وتشمل هذه المساحة المطار العسكري الحالي، الحرم الأمني المحيط به، المناطق المزروعة بالألغام، والمساحات التي يُمنع الاقتراب منها لأسباب أمنية. كما زُرعت المنطقة بالألغام لحماية القاعدة، ما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا من المدنيين الذين حاولوا استصلاح الأراضي المتبقية.
سلطان شرف، من قرية أم حارتين، يقول لسيريا ريبورت: “في السبعينيات، تم الاستيلاء على أرضنا لإقامة المطار. لم يكن أمامنا أي خيار. لم نتلقّ تعويضاً، بل خسرنا كل شيء بين ليلة وضحاها. الأسوأ أن المطار لم يكتفِ بالأرض التي بُني عليها، بل فرضت قيود على المناطق المجاورة له، ومنعتنا حتى من زراعة الحقول القريبة.” ويشير إلى أن القاعدة العسكرية لم تكن مجرد استيلاء إداري، بل فرضت واقعاً أمنياً شديد الصرامة على سكان القرى المحيطة، حيث مُنع الأهالي من دخول بعض الأراضي التي لم تكن ضمن المطار نفسه، لكنها صُنّفت لاحقاً كمناطق أمنية مغلقة.
إلى جانب الاستيلاء المباشر، فرضت زراعة الألغام حول المطار تهديداً إضافياً لحياة المزارعين. يروي أحد أهالي قرية حزم، الذي فقد أحد أقاربه بسبب انفجار لغم، لسيريا ريبورت، أن الأهالي لم يكونوا يعلمون بمواقع الألغام، ما جعل الزراعة في المناطق القريبة من المطار مستحيلة: “كانوا يخبروننا أن هذه الأراضي لم تعد لنا، لكن لم يقولوا لنا إنها أصبحت مناطق موت. الألغام موجودة في الأراضي التي كانت لنا، وحصدت أرواحاً كثيرة من أبناء القرى المجاورة. حتى اليوم، نخشى الاقتراب من تلك المناطق.”
تكشف شهادات أهالي منطقة اللوا عن المعاناة الطويلة التي خلفتها عمليات المصادرة، والتي لم تكن مجرد قرارات إدارية، بل أدت إلى تدمير الاقتصاد الزراعي المحلي، وتهجير السكان قسراً بحثاً عن لقمة العيش. وبينما لم يحصل أصحاب الأراضي على تعويضات، فإنهم ظلوا يواجهون قيوداً صارمة تمنعهم حتى من الاقتراب من ممتلكاتهم القديمة، وسط تهديدات أمنية دائمة ومخاطر الألغام. يوضح أحد سكان قرية ذكير أن الضغوط الاقتصادية الناجمة عن فقدان الأراضي أجبرت الكثيرين على ترك قراهم: “الفلاح الذي لا يملك أرضاً، ماذا يفعل؟ البعض انتقل إلى المدينة ليعمل في البناء أو في وظائف مؤقتة، والبعض الآخر هاجر إلى الخارج بحثاً عن حياة أفضل. اليوم، قريتنا لم تعد كما كانت، فقدنا الأرض، وفقدنا الناس الذين كانوا يعتمدون عليها.”
