أراضي الإصلاح الزراعي في الحسكة: رفض الملاك لشرعنة الاستيلاء ومخاوف من تفجّر أزمات
يهدّد التناقض القائم اليوم في محافظة الحسكة، بين الملّاك الأصليين لأراضي زراعية خاصة استملكتها الدولة منذ الخمسينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي، وبين المنتفعين منها، بخلق أزمات محلية حادة، خاصة في ظل غياب مؤسسات قضائية مستقلة أو لجان فنية مختصة للفصل في هذا النوع من النزاعات العقارية التاريخية.
ويسود في مناطق الحسكة نوعين من الاستملاكات العامة للأراضي الزراعية الخاصة. أولها، بموجب قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 الصادر في العام 1958 خلال فترة الوحدة بين سوريا ومصر، الذي وضع حدّاً أقصى للملكية الزراعية الخاصة المسموح بها هو 80 هكتاراً من الأرض المروية والمشجّرة، و300 هكتاراً من الأراضي البعلية. ووفقاً للقانون، تستولي الدولة على كل ما يزيد عن الحد الأقصى المحدد من الملكية الخاصة للأرضي الزراعية، مقابل تعويض. الدولة تصبح مالكةً لتلك الزيادات المستولى عليها، وتقوم بتوزيع حق الانتفاع بها على صغار الفلاحين. وحصة الفلاح الواحد من الأرض الموزعة، لا يجب أن تزيد عن 8 هكتارات من الأراضي المروية والمشجرة، و30-45 هكتاراً من الأراضي البعلية بحسب معدل الأمطار فيها.
وينبغي أن يدفع الفلاح المنتفع من الأرض الموزعة عليه، ثمنها، على مدار أربعين عاماً. ولا يجوز للفلاح الذي وُزّعت الأرض عليه، أن يتصرّف بها، قبل دفع ثمنها كاملاً. وبالتالي فالدولة ظلت المالكة لحق رقبة كثير من الأراضي التي لحقها الإصلاح الزراعي، إذ أن عقبات إدارية وبيروقراطية حالت في كثير من الأحوال دون نقل الملكية بشكل رسمي إلى المنتفعين، أو لم يتمكنوا من دفع ثمنها. وبالتالي، ظلت الأراضي باسم الدولة. وهكذا، باتت الدولة، عبر وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، تقوم بإعادة تأجير الأرض سنوياً للمنتفعين.
النوع الثاني من الاستملاكات في الحسكة، جرت بموجب مشروع الحزام العربي الذي استهدف تغيير البنية الديمغرافية في المناطق ذات الغالبية الكردية على الحدود مع تركيا والعراق. وأعطيت حقوق الانتفاع منها لفلاحين عرب من الرقة وديرالزور ممن غمرت مياه بحيرة الأسد المقامة خلف سد الفرات أراضيهم ممن باتوا معروفين باسم عرب الغمر. تم الاستيلاء على تلك الأراضي الزراعية باسم الدولة، وتوزيعها على المنتفعين من عرب الغمر بموجب عقود انتفاع أو إيجار. ويرى الملاك الأصليون أن ما جرى يمثل استيلاءً ظالماً على أراضيهم، في حين يعتبر كثير من المنتفعين أنهم اكتسبوا حقاً مشروعاً فيها بحكم استثمارهم الطويل وعملهم المستمر عليها.
خلال الأشهر القليلة الماضية، بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2025، بدأ بعض الفلاحين المنتفعين من الأرض، أو المستأجرين لها، ببيعها بشكل غير رسمي، في ظل غياب أي نوع من الرقابة. ولذا، سرعان ما صدرت بيانات احتجاجية في محافظة الحسكة باسم عدد من العائلات المالكة الأصلية لأراضٍ زراعية مستولى عليها بموجب قوانين الإصلاح الزراعي أو أثناء تنفيذ مشروع الحزام العربي، رفضت فيها عمليات بيع واستثمار أراضيها، من دون موافقتها.
مثلاً، في ناحية عامودا أصدرت عائلتي جولي ووادي، بيانين منفصلين، في نيسان 2025، حذرتا مما وصفتاه بـ”تفشي ظاهرة بيع وشراء أراضي الكرد المصادرة من قبل الحكومة السورية في سبعينيات القرن الماضي ومنحها لعرب الغمر”، مؤكدة بطلان تلك عقود البيع والشراء الحديثة.
أمر مماثل حدث في منطقة المالكية، إذ أصدرت عائلات ميرو، القس ومصطي، بيانات منفصلة في شهري نيسان وأيار، أكّدت رفضها القاطع لـ”شرعنة الاستيلاء ظلماً وتعسفاً” على أراضيها، رافضةً أي صفقات بيع أو تمليك تجري اليوم لهذه الأملاك قبل البتّ بأي حل قانوني يعيد الحقوق إلى أصحابها الأصليين. وتقع أراضي عائلة مصطي في قرية بورزة، وتقع أراضي عائلة القس في مساحات تمتد بين قريتي سويديك والحسانية، بينما تقع أراضي عائلة ميرو في قرى موزلان، كركي ميرو وكركي محمو.
سالار ميرو، قال لمراسل سيريا ريبورت، إن قانون الاصلاح الزراعي كان قد قلّص ملكية عائلتهم إلى أقل من عشرة في المئة من مساحتها الاجمالية، وخسروا أكثر من ألف هكتار. ميرو أكد أن عائلته لا زالت تحتفظ بوثائق ملكيتها لتلك الأراضي. وأشار إلى أن المنتفعين منها، هم مزارعون أكراد من المنطقة بموجب قانون الإصلاح الزراعي، وفلاحون من عرب الغمر، وأيضاً أقيمت عليها بضعة مزارع للدولة، وتستثمرها حالياً شركة “النماء” لصالح الإدارة الذاتية.
في شهادته لـ”سيريا ريبورت”، يروي إلياس القس، حفيد حنا القس، أن الاستيلاء على أراضي العائلة بدأ في العام 1965، بمصادرة 800 دونم من أراضيهم في قرية الحسانية، وتم تحويلها إلى مزارع للدولة، ثم جرى توزيعها على عرب الغمر. وبعد عامين، رفع محافظ الحسكة حينها، تقريراً إلى وزارة الزراعة يقترح تقليص ملكية العائلات التي تملك مساحات كبيرة موزعة بين عدة ورثة. وبناءً عليه، تم الاستيلاء على 6663 دونماً إضافياً من أراضي عائلة القس في قرية سويديك، كانت تعود لوالده وأعمامه الثمانية. وبحسب الشهادة، فقد حضرت حينها قوة من “حفظ النظام” للإشراف على المصادرة، بما في ذلك الاستيلاء على محصول الحنطة المحصود. لم تستطع العائلة آنذاك مقاومة القرار رغم اعتراضها العلني.
يشير إلياس القس إلى أن العائلة رفعت دعوى قضائية وحصلت على قرارات لصالحها في محكمتي النقض والاستئناف في محكمة مدينة الحسكة، في العام 1966، إلا أن هذه الأحكام لم تُنفّذ. ويؤكد أن السلطات عرضت عليهم لاحقاً تعويضات مالية، لكن العائلة رفضت، معتبرة أن التنازل عن الأرض لم يكن طوعياً، وأن الدولة لم تلتزم بتعويض من قبلوا التنازل أصلاً. بالنسبة لهم، فإن الحق لا يسقط بالتقادم، وهم مستمرون بالمطالبة باستعادة أملاكهم.
مخاوف عائلة القس زادت بعد قيام بعض المنتفعين في المنطقة من قوانين الإصلاح الزراعي، ببيع أراضيهم لمستثمرين بغرض إنشاء مزارع في محيط مدينة المالكية “ديرك”. ويقول إلياس، إن عمليات البيع لا تقتصر على المنتفعين من عرب الغمر فحسب، بل أيضاً من المنتفعين من قوانين الإصلاح الزراعي.
ويرى أصحاب الأراضي المستملكة، أن قيام بعض المنتفعين بالتصرف بأراضيهم من خلال البيع أو الاستثمار، من دون أي معالجة قانونية لأصل المشكلة، يكرّس الاستيلاء القديم ويفتح الباب أمام توترات اجتماعية جديدة. ويؤكد هؤلاء أن أي تصرف بهذه الأملاك يجب أن يسبقه إقرار آليات قضائية عادلة تعيد الاعتبار لحقوق ملكيتهم التي انتُهكت لأسباب سياسية، وتعترف بالغبن الواقع عليهم.
في المقابل، يخشى كثير من المنتفعين أن يتم إلغاء حقهم بالانتفاع واستعادة أصحاب الأراضي الأصلية لها. بعض المنتفعين بدأوا بالتصرف بتلك الأراضي بيعاً أو استثماراً، استناداً إلى عقود الانتفاع القديمة، وكأنهم المالكون الفعليون، في حين أن كثيراً منهم لم يعد يقطن المنطقة، أو هجر الزراعة، وقام ببيع الأرض بهدف تحويلها إلى مشاريع تجارية أو سكنية. وتتم هذه العمليات غالباً بموجب عقود عرفية غير موثّقة. وفي بعض الحالات، يُروّج المنتفعون أن هذه الأراضي أملاك دولة أو أراضٍ متنازع عليها لتسهيل التصرف بها. وهو ما يزيد من قلق المالكين الأصليين ويؤجج التوترات خاصة في مناطق ذات غالبية كردية ومسيحية مثل عامودا وديرك.
من جهته، يُحذّر المحامي فهد جانكير من مغبة اختزال القضية باعتبارها مجرد خلاف عقاري، مشيراً إلى أن كثيراً من العائلات تمتلك مستندات ملكية أصلية لا تزال صالحة قانونياً. ويرى جانكير أن أي بيع أو استثمار حالياً لتلك الأراضي، من قبل المنتفعين أو ورثتهم، هو تصرف غير قانوني طالما لم يحصل على موافقة المالك الأصلي. ويبين جانكير وجود نوعين من المنتفعين: قسم منهم يستثمر أراضي للدولة، وقسم آخر ينتفع من أراضٍ لا تزال مستندات ملكيتها محفوظة لدى أصحابها الأصليين. ويضيف أن وجود تناقض بين ملكية قائمة لأرض مستولى عليها، وبين حق انتفاع قائم فعلياً عليها، من دون حسم قضائي، يُهدد بخلق أزمات محلية في حال حاول أحد الطرفين فرض أمر واقع بالقوة، خاصة في ظل غياب مؤسسات قضائية مستقلة أو لجان فنية مختصة للنظر في هذا النوع من النزاعات العقارية التاريخية.
