أبنية حلب الشرقية المتضررة بين خطر الانهيار وغياب البدائل
يعيش الآلاف في الأحياء الشرقية من مدينة حلب في أبنية مصنّفة رسمياً بأنها آيلة للسقوط. ورغم التحذيرات المتكررة من خطر انهيارها، تدفع قلة الخيارات وارتفاع الإيجارات كثيرين إلى السكن في مبانٍ تفتقد لعوامل السلامة الإنشائية. ومع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب خطط الإخلاء أو الدعم السكني، عادت عائلات كثيرة إلى أبنية كانت قد أُخليت سابقاً، لتبقى حياتهم معلقة بين الخطر والحاجة.
تغيب المتابعة الدورية لملف الأبنية المتضررة عن أولويات السلطات المحلية في حلب، في ظل نقص الكوادر الفنية وضعف الإمكانات. ويقول مهندس في إدارة المشاريع بمجلس المدينة إن جهود المجلس تتركز حالياً على تأمين مساكن للنازحين والعائدين، أكثر من تركيزها على إزالة الأبنية الخطرة أو تقييمها إنشائياً. ويضيف أن عدد أفراد الفرق الهندسية لا يكفي لتغطية القطاعات العشرة للمدينة رغم تقسيمها إدارياً، فيما ينصب اهتمام المجلس على مراقبة الإنشاءات الحديثة وضبط المخالفات الجديدة التي يتولى مخاتير الأحياء الإبلاغ عنها.
تتداخل أسباب الخطورة في الأبنية الواقعة شرق حلب بين الأضرار التي خلّفتها سنوات الحرب، وما أضافه زلزال شباط 2023 من تصدعات وتخلخل في التربة، إضافة إلى تهالك شبكات الصرف والمياه التي تتسرب إلى الأساسات فتُضعفها مع الوقت. وتُعد أحياء السكري والمغاير وبستان القصر والجزماتي وكرم الجبل من أكثر مناطق المدينة تضرراً، إذ تعرضت لقصف كثيف خلال المعارك بين قوات النظام وفصائل المعارضة بين عامي 2012 و2016، ما ترك آثاراً إنشائية عميقة ما زالت تهدد استقرار مبانيها حتى اليوم.
ما تزال الإحصاءات المعتمدة لدى مجلس مدينة حلب هي ذاتها التي أُعدّت قبل سقوط نظام الأسد، من دون أي تحديث يراعي التغيّرات التي طرأت بعد عودة آلاف النازحين إلى الأحياء المتضررة. وفي ظل غياب خرائط محدثة للمناطق عالية الخطورة، يقتصر عمل الإدارة المحلية على السماح بترميمات داخلية محدودة ضمن الأبنية المخالفة الواقعة داخل المخطط التنظيمي، تشمل إصلاحات بسيطة كاستبدال شبكات المياه والكهرباء والتبليط والدهان. وتُمنح هذه الموافقات بعد تقديم وثائق وتقارير هندسية تثبت السلامة الإنشائية، غير أن هذه الإجراءات لا تغيّر من واقع تلك الأبنية ولا تمنحها أي صفة قانونية، لتبقى حلولاً مؤقتة تخفي العجز عن معالجة الخطر القائم.
كانت لجان السلامة في مجالس المحافظة السابقة قد أحصت أكثر من 1500 مبنى آيلاً للسقوط في مناطق العشوائيات والمخالفات جراء الدمار الواسع الذي لحق بالأحياء الشرقية خلال الحرب. وبعد زلزال شباط 2023، أُضيفت مئات الأبنية إلى قائمة الخطر، فصُنّف 306 منها بضرورة الإزالة الفورية، مقابل 2287 مبنى تحتاج إلى تدعيم، بينها أكثر من ألف في حلب القديمة وحدها. وهدم مجلس المدينة السابق 51 بناءً من الأبنية المصنفة خطرة بعد الزلزال، كما شكّل 11 لجنة سلامة فرعية لتقييم المنشآت في القطاعات الخدمية العشرة، لكن معظم تقاريرها لم تُنفّذ بسبب غياب التمويل وعدم القدرة على تأمين مساكن بديلة للمتضررين.
وبحسب المصدر، يُؤخذ على مجلس مدينة حلب الحالي عدم تفعيل القطاعات الخدمية للقيام بدورها في ضبط المخالفات العمرانية القديمة والجديدة، إلى جانب ضعف عمل لجان السلامة العامة المسؤولة عن متابعة الأبنية المهددة بالانهيار. وفي حالات كثيرة، تنصّل المجلس من مسؤولية هدم الأبنية الخطرة وأوكلها إلى فرق الدفاع المدني. واقتصر نشاطه على دراسة مشاريع استجابة طارئة للأحياء شرقي المدينة، تتعلق بإعادة تأهيل شبكات المياه والصرف والطرق، من دون تحديد جدول زمني واضح لتنفيذها.
في أحياء مثل السكري والجزماتي والصالحين والمعادي، يسكن الأهالي طوابق أرضية أو شققاً متهالكة شاغرة، بلا أي تدعيم هندسي، وغالباً من دون علم أو موافقة المالكين الأصليين. ومع استمرار تردّي الأوضاع المعيشية وارتفاع الإيجارات، بات السكن في هذه الأبنية خياراً قسرياً يفضّله السكان على التشرد، رغم معرفتهم المسبقة بخطر الموت تحت الركام.
لا توجد إحصاءات رسمية عن عدد العائدين إلى الأحياء الشرقية من مدينة حلب. وتشير بعض التقديرات المحلية إلى أن العدد قد تجاوز 300 ألف منذ سقوط نظام الأسد، في حين قدّرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد العائدين إلى محافظة حلب ككل حتى 25 أيلول بنحو 163 ألف شخص. ويقيم كثير من هؤلاء في منازل متضررة أعادوا ترميمها جزئياً، من دون معالجة الأضرار التي تمس السلامة الإنشائية مثل تصدّع الأعمدة أو ضعف الأساسات. واقتصرت أغلب أعمال الترميم على تحسين المظهر الداخلي للمساكن من طلاء وأبواب وشبابيك وتمديدات المياه والكهرباء، في غياب أي إشراف هندسي أو تمويل رسمي لعمليات الترميم الحقيقية.
في ظل غياب التمويل من الجهات الرسمية أو الدولية، يعتمد العائدون إلى شرق حلب على مبادرات محدودة تنفذها جمعيات أهلية لتحسين ظروف سكنهم. وتشير شهادات السكان إلى أن حالات الانهيار الجزئي تتكرر دورياً من دون استجابة فعالة من مجلس المدينة، إذ تقتصر المعالجة عادة على إزالة الأنقاض أو إغلاق الطرق المحيطة بالمبنى المنهار. وخلال أكتوبر الجاري انهار مبنى مؤلف من خمس طبقات في حي بستان الباشا، كما قُتل شخصان جراء انهيار جزئي في حي قسطل حرامي. أما لجان السلامة فتكتفي بإصدار تقارير تحذيرية لا تُترجم إلى إجراءات عملية، في ظل غياب التمويل اللازم للإخلاء أو التدعيم، لتتحول الانهيارات إلى مشهد مألوف يكرّس شعور السكان بالعجز وانعدام الأفق.
